Mercredi 16 novembre 2011 3 16 /11 /Nov /2011 10:22

علم النفس الأرسطي: قراءة في كتاب "النفس"

أحمد أغبال

لم يكن أرسطو فيلسوفا فحسب، بل كان عالما أيضا. عشق الطبيعة بكل أشكالها فراح يبحث في أسرارها من خلال الكشف عن مبادئها وقوانينها؛ وبدأ بتصنيف أنواع النباتات والحيوانات الموجودة في بلاده، وتعدى ذلك إلى الدراسة التشريحية للحيوان ولكيفية سلوكه في محيطه الطبيعي. وقاده اهتمامه بطبيعة الكائنات ومراتبها في الوجود إلى دراسة النفس التي تمثل عنده أرقى درجات الكمال، وخصص لهذا الموضوع كتابا تحت عنوان الذي يعتبر بحق أول مصنف ظهر في علم النفس، لاسيما وأن أرسطو قد أفرد لموضوع النفس مؤلفا مستقلا، وكأنما أراد بذلك أن يجعل منه موضوع علم قائم بذاته. وعرف موضوع هذا العلم بأنه "الظواهر المشتركة بين الجسد والروح".

لقد أراد أرسطو أن يجعل من النفس موضوعا لعلم خاص، وهو العلم الذي يبحث في طبيعة النفس وخواصها؛ ونظر إلى النفس على أنها مبدأ الحياة العام. ولذلك كان لابد أن يشمل موضوع هذا العلم عنده جميع الكائنات الحية على اختلاف مراتبها، بدءا بالنبات وصولا إلى الإنسان. ولذلك نجد في كتاب "النفس" وصفا دقيقا، بمعايير العصر الذي ينتمي إليه، للأنشطة التي تقوم بها الكائنات الحية من نبات وحيوان إلى جانب أنشطة الإنسان وسلوكه. ولذلك جاء موضوع علم النفس عند أرسطو عاما جدا وشاملا لكل ظواهر الحياة بما في ذلك طبيعة الحياة ذاتها. وهذا ما جعله مختلفا عن علم النفس الحديث أو المعاصر.

أثار أرسطو في كتاب "النفس" مجموعة من القضايا والإشكالات المتعلقة بطبيعة الظواهر السيكولوجية وعلاقتها بالبدن من جهة، وبالنفس أو الروح من جهة أخرى. ومن أمثلة ذلك قوله:

"وهناك مشكلة أخرى تتصل بأحوال النفس: هل تعم جميعها الكائن ذا النفس، أم أن بعضها يخص النفس ذاتها ؟ والجواب عن هذا السؤال ضروري ولكنه صعب. ويبدو أن النفس في معظم الحالات لا تفعل ولا تنفعل بغير البدن: مثل الغضب، والشجاعة، والنزوع، وعلى وجه العموم الإحساس. وإذا كان هناك فعل يخص النفس بوجه خاص فهو التفكير. ولكن إذا كان هذا الفعل نوعا من التخيل، أو لا ينفصل عن التخيل، فإن الفكر لا يمكن أن يوجد كذلك بدون البدن. وإذن، إذا كان هناك وظائف أو أحوال للنفس تخصها وحدها، فقد يمكن أن يكون للنفس وجود بدون الجسم. وعلى العكس، إذا لم يكن لها شيء من ذلك يخصها، فلن تكون النفس منفصلة عن الجسم... ويبدو أن جميع أحوال النفس توجد مع الجسم: كالغضب، والوداعة، والخوف والشفقة والإقدام، وأيضا الفرح والحب والبغض؛ لأنه عندما تحدث هذه الأحوال يتغير الجسم. ويظهر ذلك من أنه في بعض الأحيان تحدث فينا أسباب قوية وعنيفة توجب هذه الأحوال، دون أن يعقبها تهيج أو خوف، على حين أنه في بعض الأحيان الأخرى تؤدي أباب ضعيفة وقليلة الثر إلى حدوث هذه الآثار، إذا كان الجسم متهيجا، وفي حالة تشبه الغضب. وهناك دليل أكثر وضوحا: في غيبة كل سبب للخوف قد ننفعل انفعال الخوف. فإذا كان ذلك كذلك، فمن الواضح أن أحوال النفس صور حالُّةََ في الهيولى. ولذلك يجب أن يُنْزِلَ هذه الأمور عند النظر في حدها على هذا النحو، كأن يقول مثلا: إن الغضب هو حركة هذا الجسم، او هذا الجزء من الجسم، أو هذه القوة أو هذه القوة عن هذا السبب لهذه الغاية. ولذلك كان البحث عن النفس مما يختص به عالم الطبيعة سواء فيما يتصل بالنفس كلها، أو بأحوالها التي وصفناها. "

وإلى جانب الإشكالية العويصة المتعلقة بطبيعة الظواهر السيكولوجية وعلاقتها بالبدن، طرح أرسطو مشكلة المنهج المتعلق بدراسة هذه الظواهر الشديدة التعقيد. يقول بهذا الصدد:

"غير أن الحصول على معرفة وثيقة عن النفس أمر، على الإطلاق ومن كل وجه، شديد الصعوبة. ذلك أن هذا الفحص، لأنه يعم كثيرا من الأشياء (أعني البحث عن الجواهر والماهية) فقد يُظَنُّ أنه لا بوجد إلا منهج واحد ينطبق على جميع الأشياء التي نريد أن نعرف جوهرها (كما هو الحال في البرهان فيما يخص الصفات العرضية)، فيكون من الواجب أن نطلب هذا المنهج. ومن جهة أخرى إذا لم يوجد منهج واحد ومشترك للبحث في الماهية، فإن عملنا يصبح أكثر صعوبة، إذ ينبغي تحديد الطريق المتبع في كل حالة. ومع ذلك إذا كان من الواضح أن هذه الطريقة هي ضرب من البرهان أو القسمة أو حتى منهج أخر، فإنه يبقى بعد ذلك مشكلات وشكوك فيما يجب أن يبدأ منه بحثنا. لأن المبادئ تختلف باختلاف الأشياء المختلفة كالحال، مثلا، في الأعداد والسطوح" (ص. 4)

وهذا الطرح لمسألة المنهج السيكولوجي في علاقته بطبيعة موضوع البحث لا يختلف عما ذهب إليه رواد علم النفس المعاصر الذين اختلفت مناهج البحث السيكولوجي عندهم باختلاف أنواع الظواهر السيكولوجية كما يحددونها. ويختلف المنهج المعتمد لدراسة النفس عند أرسطو باختلاف كيفية تصوره لأحوالها: فإذا كانت أحوال النفس على صلة وثيقة بالجسد، وكانت النفس "لا تفعل ولا تنفعل بغير البدن"، حسب قوله، فإن دراستها ستصبح حينئذ جزءا من اهتمامات عالِم الطبيعة؛ وإذا كانت للنفس خواص تخصها، احتاج الباحث إلى منهج برهاني يقوم على مبادئ قبلية. ولا زالت مسألة المنهج السيكولوجي مطروحة على هذا النحو في الأزمنة المعاصرة. ولذلك اختلفت مناهج البحث السيكولوجي باختلاف تصورات الباحثين والعلماء للموضوعات التي يتناولونها بالدراسة والتحليل.

افترض أرسطو على غرار أستاذه أفلاطون وجود ثلاثة أنواع من النفس، وهي: النفس النباتية التي تمثل القوى الغاذية في الكائنات الحية؛ والنفس الحيوانية التي تنشأ عنها القدرة على الحركة الذاتية؛ والنفس الإنسانية التي تمثل القوى العقلية. ونظر إلى النفس في ضوء مقولاته الميتافيزيقية أحيانا، ومقولاته الفيزيائية أحيانا أخرى، واعتبرها مبدأ الوجود الفعلي للجسد الذي به يتحقق بوصفه كائنا له أهداف وغايات، ونظر إليها بوصفها الكمال الأول للجسد الذي ينطوي على الحياة بالقوة أو بالإمكان، يقول:

"إلا أن الآراء قد أجمعت على أن الأجسام هي قبل كل شيء الجواهر، وأن من بينها الأجسام الطبيعية لأنها مبادئ غيرها. وبعض الأجسام الطبيعية بها حياة، وبعضها لا حياة لها. ونعني بالحياة: أن يتغذى الكائن، وينمو، ويفسد بذاته. ويترتب على ذلك أن كل جسم طبيعي ذي حياة، فهو جوهر، ونعني بالجوهر هاهنا الجوهر المركب [من الهيولى والصورة]. وما دمنا نتكلم هاهنا عن جسم ذي صفة معينة، ونعني بهذه الصفة وجود الحياة في الجسم، فليس الجسم هو النفس، لأن الجسم الحي [أي الذي فيه نفس] ليس صفة لشخص، بل الأولى أنه هو نفسه حامل وهيولى، ويترتب على ذلك أن النفس بالضرورة جوهر بمعنى أنها صورة جسم طبيعي ذي حياة بالقوة. ولكن هذا الجوهر كمال أول لجسم له هذه الطبيعة. إلا أن الكمال الأول يقال على معنيين: فهو تارة كالعلم، وتارة كاستعمال العلم. ويظهر هاهنا أن النفس كمال أول كالعلم، لأن النوم كاليقظة، يقتضيان وجود النفس، من حيث إن اليقظة شيء شبيه باستعمال العلم، والنوم شبيه بوجود العلم دون استعماله. ولكن العلم في الفرد متقدم في النشوء على استعمال العلم. لهذا كانت النفس كمالا أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة، نعني بجسم آلي [أو عضوي]"(ص. 42)

ولما كانت النفس كمالا أولا لجسم طبيعي، ونظرا لكونها أشبه ما تكون بالعلم قبل استعماله، فإنه يفترض أن يكون لها استقلال عن أفعالها. ومن هنا جاء تعريف أرسطو للنفس على أنها جوهر لجسم طبيعي ذي حياة بالقوةّ، وعرفها بقوله:

"والنفس علة ومبدأ الجسم الحي. وهذان اللفظان "علة" و "مبدأ" يقالان على معان كثيرة...فالنفس علة من حيث إنها أصل الحركة، وإنها غاية، وإنها كذلك جوهر الأجسام المتنفسة. أما إنها علة من جهة الجوهر، فهذا بين؛ لأن علة الكائن في كل شيء هو الجوهر. ولكن الحياة عند جميع الكائنات الحية، هي قوام وجودها. والنفس هي علة حياتها ومبدؤها. وأيضا فإن صورة الكائن بالقوة هي الكمال الأول. ومن الواضح أيضا أن النفس علة أيضا من جهة الغاية: فكما أن العقل يفعل من أجل شيء، فكذلك الطبيعة، وهذا الشيء غايتها. ولكن النفس هي مثل هذه الغاية في الحيوان، وهذا مطابق للطبيعة، لأن جميع الكائنات الطبيعية الحية آلات للنفس، والأمر في النبات كما هو في الحيوان. فالنفس، إذن، غايتها"(ص. 54-55)

وينطبق هذا على جميع الكائنات الحية من نبات وحيوان وإنسان. والمقصود بالجوهر هنا الصورة التي تنقل الكائن من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وهكذا، فإن علاقة النفس بالجسد إنما تمثل حالة خاصة بالنظر إلى العلاقة العامة التي تربط الصورة بالهيولى في الميتافيزيقا الأرسطية.

وبالإضافة إلى اهتمامه بدراسة العلاقة العامة بين النفس والجسد في ضوء نظريته الميتافيزيقية ونظرية العلل الأربعة، خصص أرسطو عدة فصول من كتاب "النفس" لدراسة أحوال النفس أو القوى النفسية وعلاقة بعضها ببعض، ومنها القوى الغاذية، وملكات الإدراك الحسي والتفكير العقلي، والقوة الشهوانية أو الرغبة، وما إلى ذلك من القوى النفسية. ونقد جاءت مرتبة عنده حسب مراتب الكائنات الحية. نقرأ في كتاب النفس ما يلي:

"توجد جميع قوى النفس التي ذكرناها في بعض الكائنات، كما سبق أن قلنا، وليس في بعض الكائنات إلا بعض القوى، وبعضها الثالث ليس فيه إلا قوة واحدة فقط. والقوى التي عددناها هي: القوة الغاذية، والنزوعية، والحساسة، والمحركة، والمفكرة. وليس في النبات إلا القوى الغاذية فقط؛ وفي بعض الكائنات هذه القوة، وكذلك قوة الحس؛ وإذا كانت عندها قوة الحس فعندها طذلك القوة النزوعية، لأن النزوع يشمل الشوق، والغضب، والإرادة. ولكن الحيوانات عندها جميعا إحدى الحواس على الأقل، نعني اللمس. وحيث يوجد الإحساس يوجد كذلك اللذة والألم. وإذا وجدت هذه الأحوال في كائن وجد عنده الشوق، إذ أن الشوق هو طلب المُلِذ. وأيضا فإن جميع الحيوانات عندها الإحساس بالغذاء، لأن اللمس حاسة التغذي. ذلك أن اليابس والرطب، والحار والبارد من الأشياء، هي وحدها غذاء جميع الكائنات الحية. (وهذه الصفات تُدْرَكُ باللمس، على حين أن غيرها من المحسوسات، ليست كذلك إلا بالعرض)، لأن الصوت، واللون، والرائحة لا تساهم في التغذي. أما الطعم فهو احد موضوعات اللمس. ولكن الجوع والعطش من الشوق، فالجوع [شوق] لليابس والحار، والعطش للبارد والرطب. والطعم بنوع ما، يجمع بين هذه الصفات....ولنكتف الآن بالقول بأن الحيوانات التي عندها اللمس، عندها النزوع كذلك. أما أنها هل عندها تخيل فأمر يُشَكُّ فيه...وعند بعض الحيوان أيضا قوة الحركة، وعند بعضها الآخر قوة التفكير والعقل، كالإنسان مثلا، وأي كائن حي آخر، إن وجد، يكون من طبيعة مشابهة له، أو أرقى منه"(ص. 50-51)

يتبين من هذا النص أن الكائنات الطبيعية تختلف عن بعضها البعض من حيث مراتبها في الوجود ودرجات تطورها أو كمالها باختلاف عدد القوى النفسية التي تنطوي عليها. فالنبات ينطوي على قوة واحدة هي القوة الغاذية، ويتمتع الحيوان بالقوة الغاذية التي للنبات وبقوة الإدراك الحسي التي لا توجد عند النبات. ويشك أرسطو في أن تكون للحيوان قوة المخيلة، وإن كان يرجح أن يكون لها تخيل حسي، وأما التخيل المقترن بالروية فهو من اختصاص الحيوان العاقل. وأما الإنسان، فإنه يشتمل على هذه القوى كلها ويزيد عليها. ولذلك يعتبر أرقى الكائنات الطبيعية جميعا. بحيث يمكن القول: إن من يتمتع بالقدرة على التفكير العقلي، يتمتع أيضا بالقدرة على الإدراك الحسي وقوة الخيال، وكل من عنده قوة الإدراك الحسي، تكون عنده بالضرورة القوة الغاذية. والعكس غير صحيح، بمعنى أن وجود القوة الغاذية لا يستلزم بالضرورة وجود قوة الحس، كما أن هذه الأخيرة لا تستدعي بالضرورة وجود القوة العقلية. ولما كان الإدراك الحسي يحتاج في وجوده إلى القوة الغاذية، جعل أرسطو من القوة الغاذية موضوعا لعلم النفس، مثلها في ذلك مثل قوة الحس وقوة المخيلة وقوة التفكير العقلي والرغبات وغيرها من الانفعالات الأخرى. تبين الخطاطة التالية مراتب الكائنات الطبيعية كما يتصورها أرسطو.

أحوال النفس وملكاتها لدى مختلف الكائنات الحية

 ----------------------copie-1.JPG

يمكن القول في ضوء ما سبق إن ميدأ الحياة الأول يكمن في القوة الغاذية. وعلى هذا عرف أرسطو الحياة بأنها التغذي والنمو والنقصان بالذات. و"بناء على هذا المبدإ، إذن، يقول أرسطو، توجد الحياة في جميع الكائنات الحية"(ص. 46) سواء تعلق الأمر بالنبات أو الحيوان. ولذلك اعتبرها أرسطو "أول قوى النفس وأعمها"(ص. 53) ورأى أنها تؤدي وظيفتين: التغذي والتوالد. وتكتسي وظيفة التوالد أهمية قصوى لدى جميع الكائنات الحية، "لأن أقرب الوظائف من الطبيعة لكل كائن حي كامل ليس بناقص...هو أن يخلق كائنا آخر شبيها به...بحيث يشارك في الأزلي والإلهي بحسب طاقته. لأن هذا هو موضوع النزوع لجميع الكائنات، وغاية نشاطها الطبيعي"(ص. 56-57)

وأما بخصوص الحيوان، فإن الأساس الذي يقوم عليه تكوين فهو الإحساس. يشترك الإنسان مع النبات في القوى الغاذية، وترتبط عنده هذه الأخيرة بالقوة الحساسة، بينما توجد القوة الغاذية عند النبات في استقلال عن للقوة الحساسة أو مفارقة لها. ويعتبر اللمس، في نظر أرسطو، أول قوى الحس في الحيوان. وأما الإنسان، فإن مبدأ وجوده كإنسان، فهو العقل. وأما النفس، فهي ما به تؤدي الكائنات الحية وظائفها (التغذي، والإحساس، والتفكير...).

وإذا كان الإدراك الحسي هو ما يميز الحيوان عن النبات، فإن ملكة الحس لا يكون لها وجود عنده إلا بالقوة؛ ولا تنتقل إلى الوجود بالفعل إلا بعد أن تنفعل بالمحسوس الذي يكون له وجود بالفعل. فالرؤية لا تتحقق إلا إذا كان هناك موضوع قابل للإبصار، أي له خصائص تجعله قادرا على التأثير في حاسة البصر، وينقل إليها صورته؛ فهو بلغة عصرنا هذا يلعب دور المنبه، وهو ما عبر عنه أرسطو بقوله: "..إلا أن ملكة الحس هي بالقوة، كما أن المحسوس هو بالفعل.. فهي تنفعل إذن من حيث إنها ليست شبيهة، حتى إذا انفعلت أصبحت شبيهة بالمحسوس، واتصفت بوصفه"(ص. 63) لا يتحقق الإدراك الحسي إذن ما لم تتوفر جملة من الشروط: فلا يمكن لكائن أن يدرك موضوعا ما إلا إذا (1) كان ذلك الكائن يتمتع بالقدرة على الانفعال بالموضوع، بمعنى أن تكون له القدرة على استقبال الصورة المحسوسة لذلك الموضوع (2) وكان الموضوع مهيأ لأحداث فعل أو تأثير في الإحساس، فيمده بصورته (3) والنتيجة هي أن قوة الحس عند الكائن تتوحد مع صورة الموضوع المُدْرَك وتنتقل إلى الوجود بالفعل. يسري هذا القانون على الإدراك العقلي أيضا. فالذات العارفة تحتاج لكي تتعقل موضوعا ما إلى (1) أن تكون لها القدرة على استقبال الصورة المعقولة للموضوع (2) وأن يكون الموضوع مهيأ لإمداد الملكات العقلية للذات العارفة بالصور التي تحتاج إليها (3) ويكون من نتائج ذلك أن بنية العقل الفردي تتوحد مع بنية الصور العقلية. يتحقق الإدراك الحسي، إذن، عندما تتشكل بنية ملكة الحس وفقا لبنية المحسوس أو صورته. وكذلك تتحقق المعرفة العقلية عندما تتخذ بنية العقل شكل بنية الموضوع، أي عندما تتوحد بنية الذات العارفة مع بنية موضوع المعرفة، وهو ما عبر عنه أرسطو بقوله: "والعلم من أحد الوجوه هو وموضوعه شيء واحد، كما أن الإحساس والمحسوس شيء واحد"(ص. 119) ويعود ليوضح بأن الأمر إنما يتعلق بصور الموضوعات لا بالموضوعات ذاتها، يقول:

"العلم والإحساس ينقسمان، إذن، بحسب موضوعاتهما، فالعلم بالقوة والإحساس بالقوة يقابلان الأشياء بالقوة، والعلم بالفعل والإحساس بالفعل يقابلان الأشياء بالفعل. وفي النفس قوة الحس وقوة العقل هما بالقوة نفس موضوعيهما، أحدهما المعقول بالقوة، والآخر المحسوس بالقوة. فبالضرورة كانت هذه القوى هي نفس موضوعاتها، أو على الأقل نفس صورها. أما أن تكون نفس موضوعاتها، فليس هذا ممكنا، لأنه ليس الحجر هو الموجود في النفس بل صورته"(ص. 120)

وفي سياق تحليله لملكات النفس، انتهى أرسطو إلى وجود تلازم وارتباط بين بعض الملكات. ومن أمثلة ذلك قوله أن ملكة الحس تنشأ معها دائما ملكة أخرى وهي المخيلة؛ بحيث يمكن القول: إنه كلما كانت القوة الحساسة إلا ووجدت معها قوة المخيلة. هناك، إذن، علاقة ارتباط بين الإحساس والتخيل. وكذلك توجد علاقة ارتباط بين التخيل والنزوع والشوق. يقول بهذا الصدد::

"وإذا كان في كل جزء الإحساس ففيه أيضا التخيل، والنزوع. لأنه إذا وجد الإحساس، وجد كذلك الألم واللذة. وإذا وجد الألم واللذة، فهناك بالضرورة الشوق"(ص. 47)

ويقول في مكان آخر.

"وليس في النبات إلا القوة الغاذية فقط؛ وفي بعض الكائنات هذه القوة، وكذلك قوة الحس؛ وإذا كانت عندها قوة الحس فعندها كذلك القوة النزوعية، لأن النزوع يشمل الشوق، والغضب، والإرادة. ولكن الحيوانات عندها جميعا إحدى الحواس على الأقل، نعني اللمس. وحيث يوجد الإحساس يوجد كذلك اللذة والألم. وإذا وجدت هذه الأحوال في كائن وجد عنده الشوق، إذ أن الشوق هو طلب المُلِذ" (ص. 50)

نظر أرسطو إلى المخيلة بوصفها ملكة تابعة لملكات أخرى، فهي تقع تحت تأثير ملكة الحس عند الحيوان والإنسان معا، وترتبط بالروية والملكات العقلية عند الإنسان وحده.

لم يكتف أرسطو برصد أحوال النفس لدى مختلف الكائنات الحية وبيان كيفية تدرجها ومراتبها وعلاقات بعضها ببعض، بل تجاوز ذلك في الفصول الأخيرة من كتاب "النفس" إلى البحث في الأسباب الكامنة خلف سلوك الكائن الحي من أجل الوقوف على المبدأ المحرك الذي يدفعه نحو تحقيق أهدافه التي قد يعيها أو لا يعيها. وساقه البحث والتقصي إلى التمييز في النفس بين نوعين من القوى: "قوة الحكم، وهي وظيفة التفكير والإحساس، ثم قوة التحريك بحسب الحركة المكانية" (ص. 121) وراح يبحث في أجزاء النفس التي لا حصر لها عنده () عن الجزء الذي يلعب دور المبدأ المحرك؛ واستبعد أن يكون هو القوة الغاذية، على اعتبار أن كل سلوك يهدف دائما إلى تحقيق غاية، هذا بالإضافة إلى أن كل حركة أو سلوك "يصحبها إما تخيل إما نزوع، لأن الحيوان ما لم يشتق إلى شيء أو يهرب منه فلا يتحرك إلا بالقسر"(ص.122) وكذلك استبعد أن يكون لقوة الحس علاقة مباشرة بالمبدأ المحرك. وكذلك العقل النظري، فإنه لا يمكن أن يكون علة الحركة، واستدل على ذلك بقوله:

"ذلك أن العقل النظري لا يعقل شيئا له بالعمل علاقة، ولا يحكم فيما يجب تجنبه وطلبه، على حين أن حركة التقدم تصدر دائما عن كائن يتجنب أو يطلب شيئا. وحتى إذا فعل العقل شيئا من هذا الجنس فإنه لا يأمر بطلبه أو بتجنبه: مثال ذالك أنه كثيرا ما يعقل شيئا مخيفا..دون أن يأمر بالهرب"(ص. 123)

وخلص في النهاية إلى القول بوجود قوتين محركتين وهما: النزوع أو الرغبة والعقل العملي. وعرف العقل العملي بأنه "العقل الذي يستدل لبلوغ غرض"(ص.122). وكذلك الحال بالنسبة للرغبة، فهي دائما متجهة نحو شيء ما، وبتعبير أرسطو، فإن "كل نزوع فهو من أجل غاية، لأن موضوع النزوع هو مبدأ العقل العملي"(ص. 124). إن ما يجعل من الرغبة والعقل العملي قوة محركة هو نزوعهما إلى غرض مطلوب؛ بحيث يمكن القول في النهاية بأن القوة المحركة تكمن أولا وقبل كل شيء في الغاية أو الغرض المطلوب. فالهدف الذي يتشبث به الكائن، أو لنقل موضوع رغبته، هو الذي بلعب دور الحافز أو القوة الدافعة في السلوك. "ولذلك، يقول أرسطو، فإن المطلوب هو دائما ما يحرك" (ص. 124)، سواء كان مطلوبا من جهة العقل أو من جهة الخيال، وفي كلتا الحالتين، فإن القوة المحركة هي القوة النزوعية أو قوة الرغبة والشوق. وإذا كان العقل لا يحرك بدون نزوع، فإن النزوع المختص به يكمن في الروية، ومعناها طلب الحق والصواب. فعندما يتحرك المرء عن تفكير وروية، فإنه يضرب لكل شيء حسابا. "أما النزوع فعلى العكس، فيمكن أن يحرك بدون أي استدلال، لأن الشوق ضرب من النزوع" (ص. 124). على هذا يمكن للرغبة أن تتعارض مع العقل، وينشأ صراع بينهما، وهو ما يسمى بلغة علم النفس المعاصر الصراع النفسي، والصراع بين الأنا والهو. كان أرسطو على وعي تام بهذا النوع من الصراع، وعبر عنه بعبارات ومفاهيم لا تختلف في شكلها ومضمونها عن المقولات والمفاهيم التي تقوم عليها نظرية التحليل النفسي، يقول بالحرف الواحد:

"فمن الواضح إذن أن ما يحرك هي قوة النفس التي تسمى بالنزوع. أما أولئك الذين يقسمون النفس أجزاء فإن فعلوا ذلك بحسب قواها ينتج عن ذلك عدد كبير من الأجزاء: غاذية، وعاقلة، ومروية، وأخرى نزوعية أيضا. هذه تختلف فيما بينها أكثر مما تختلف الشهوانية والغضبية – وحيث تتولد ضروب من النزوع يضاد بعضها بعضا، وهذا ما يحصل إذا تعارض العقل والشهوات (ولا يحصل هذا إلا في الكائنات التي تدرك الزمن؛ ذلك أن العقل يأمر بالمقاومة بالنظر إلى المستقبل، على حين أن الشهوة لا تتحرك إلا بحسب الحاضر، لأن اللذة الحاضرة تظهر على أنها لذيذة على الإطلاق، وخيرة على الإطلاق، لأننا لا نبصر المستقبل) فيترتب على ذلك أن المبدأ المحرك يجب أن يكون واحدا بالنوع" (ص. 125).

وإذا كان أرسطو قد انتبه إلى الصراع بين قوى الهو والأنا، فإنه أشار في هذا النص أيضا إشارة واضحة إلى وجود ما يسمى اليوم في لغة التحليل النفسي بمبدأ اللذة ومبدأ الواقع. إن القول بأن "الشهوة لا تتحرك إلا بحسب الحاضر" يضاهي ما ذهب إليه فرويد في حديثه عن الطاقة الليبيدية وقوى الهو العمياء التي تدفع الفرد إلى إشباع نزواته هنا والآن بغض النظر عن متطلبات الواقع وما يمكن أن يترتب عنها في المستقبل؛ ومعنى ذلك أن الهو لا يخضع إلا لمبدأ واحد وهو مبدأ اللذة، وعلى الظرف النقيض تقع الأنا التي لا تخضع في الغالب إلا لمبدأ الواقع.

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés