Lundi 31 décembre 2007 1 31 /12 /Déc /2007 23:15

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
(الجزء الثالث)
3. مسألة العلاقة بين الأنا والغير
ترجع فكرة الأنا الخالصة الشفافة التي لا يقف أي حجاب بينها وبين نفسها، والتي تعي ذاتها بشكل فوري ومباشر إلى ديكارت، ثم انتقلت من بعده إلى هوسرلHusserl ليتلقاها سارتر بدوره ويكسبها أبعادا ودلالات جديدة. ومن خصائص الأنا عند ديكارت وهوسرل أنها ذاتية محايثة للوعي. وتتجلى فكرة المحايثة بوضوح من خلال تعريف ديكارت للأنا، فهي عنده عبارة عن "شيء يفكر" أو المحل الذي تجري فيه أفعال الوعي ومختلف أنواع الانفعالات. ذلك لأننا نكون على وعي بما يجري بداخلنا ونشعر بأنه جزء من ذواتنا، فهي إذن محايثة لوجودنا الذاتي. وأما ما يوجد خارج الوجود المحايث للذاتية فهو الغير.
3-1. صعوبة معرفة الغير
إذا نظرنا إلى الأمور من وجهة النظر هذه، فإن كل ما يوجد خارج حقل الذاتية هو ما لست أنا (العالم المحيط بي، والجسم، والناس الآخرون)؛ وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا توجد علاقة على المستوى الذاتي بيني وبين ما يوجد في العالم الخارجي؛ وبالتالي، فإن الغير الذي يطرح نفسه في العالم الخارجي، لا يستطيع أن يشعر بما أشعر به أنا، ولا أن يستمتع بأشكال الوعي والأفكار التي تولِّد في نفسي شعورا بالمتعة؛ وفي المقابل لا يمكنني معرفة الغير مثلما أعرف نفسي. فالأشياء التي أراها، والتي ليست أنا، يكتنفها الغموض وعدم اليقين، وقد تنقلب إلى أوهام في مخيلتي. ولما كنت أنا الذات التي تنظر وتتملى الأشياء التي تحيط بها، أو التي يبدو أنها الذات التي تنظر وتتملى، فلا يمكن وضعها موضع تساؤل أو شك. ولذلك كانت غيرية الشيء الذي أنظر إليه هي العلامة الدالة على غموضه ودونيته بالمقارنة مع الوقائع الذاتية المحايثة لوجود الأنا.
ويرى سارتر من جهته أن الذاتية هي المعطى المباشر الذي يتم إدراكه بدون وسائط. تمثل الذاتية، في نظره المعطى المباشر؛ ينسجم هذا التصور مع تعريف كل من ديكارت وهوسرل للذاتية؛ ولكن سارتر ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه سابقوه في تجريدها من اللواحق الخارجية. ذلك لأن الذاتية في فلسفة كل من ديكارت وهوسرل لم تكن في مأمن من التأثيرات الخارجية بما في ذلك تأثير الأنا نفسه، ومعنى ذلك أن هاذين الفيلسوفين لم يفصلا بين الذاتية والأنا، بينما أقام سارتر تمييزا قاطعا بينهما. فالذاتية باعتبارها وعيا خالصا لا تنطوي على ما يمكن أن يقوم مقام الحامل لتيار الحياة المتدفق باستمرار. وأما "الأنا أفكر" أو الذات المفكرة، التي يمكن من حيث المبدأ تمييزها عن نشاط التفكير، فهي تمثل شيئا آخر بالنظر إلى الذاتية الخالصة؛ إن وجودها هو وجود متعالي بالنظر إلى الوقائع الذاتية المحايثة للوعي الخالص.
كيف تتحدد طبيعة الأنا إذن من وجهة نظر سارتر؟ إنها الذات الفاعلة، الذات الخالصة المندفعة في العالم بوصفها الفاعل الذي تنسب إليه الأفعال، فتصير فلاحا أو فنانا أو فيلسوفا...وعندما تصبح الأنا ذاتا نشيطة تكون قد أصبحت عرضة لتأثير الظروف المحيطة بها، فعندما تلج العالم باعتبارها ذاتا فاعلة تتأثر أفعالها بمختلف أنواع العوامل والقوى الكامنة فيه، ويصل تأثيرها إلى صلب الأنا ذاتها. ولعل أول ما يؤثر في وجود الأنا في العالم هي الوسائل والأدوات التي تستعملها في أداء مختلف الأنشطة التي تقوم بها (أدوات العمل والأجهزة المفاهيمية وما إلى ذلك) وبالنتائج التي تتوقع الحصول عليها. ولكن أكثر ما يحدد وجود الأنا في العالم هي الأشياء التي تكون كيفية وجودها مختلفة عن كيفية تصورها أو الوعي بها. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحدد وجود الأنا هي حقيقة الأشياء التي يمتد وجودها خلف مظاهرها، تلك الأشياء التي يكون باطنها أقوى من ظاهرها وأعتى مما نتصور. إن أقوى التأثيرات في نظر سارتر هي تلك التي تنبعث من خلف مظاهر الأشياء.
وكذلك فإن ما يميز الذات الفاعلة الخالصة هو وعيها بالحياة التي تعيشها في اللحظة الراهنة وامتداداتها في الماضي والمستقبل. ومعنى ذلك أن للأنا أو الذات الفاعلة تاريخها الشخصي أو سيرتها الذاتية، ولها مشاريعها وتطلعاتها وآمالها وأهدافها الخاصة. وتتحدد طبيعة الأنا بنوع العلاقة التي تربطها بالماضي والمستقبل: فالأنا باعتبارها ذاتا فاعلة لا تعيش الماضي والحاضر في اللحظة الراهنة؛ وطالما أنها مسكونة بتجارب الماضي وهواجس المستقبل دون أن تؤثر فيها بشكل مباشر، فإن الماضي والحاضر يمثلان شيئا آخر مختلفا تمام الاختلاف عن تجربة الحياة الراهنة. ومعنى ذلك أنه طالما أن تجارب الماضي والتجارب المتوقعة في المستقبل تتجاوز وعيي بها في اللحظة الراهنة من حيث أن الوجود في الماضي وفي المستقبل هو أكثر مما أتصور، لأن التصور أو الظاهر لا يرقى أبدا إلى مستوى الواقع الموجود خلفه. ويخلص سارتر من ذلك كله إلى القول بأن الماضي والمستقبل يمثلان نوعا من الوقائع المتعالية، بمعنى أنهما لا ينتميان إلى تجربة الأنا في الحياة الراهنة. فإن أنت كرهت شخصا في الماضي لمدة طويلة، فإن الشعور بالامتعاض سيسطر عليك عندما تراه، وسينتابك نفس الشعور في المستقبل كلما رأيته؛ فالكراهية متعالية بالنظر إلى هذا الشعور: تغمر التجربة الشعورية الراهنة وتؤثثها لما لها من تاريخ طويل. والنتيجة هي أن للأنا وجود متعالي عن ظروف الزمان والمكان.
ومن هنا يطرح السؤال: كيف تتحدد العلاقة بين الأنا المتعالية والوعي المحايث للوقائع الذاتية؟ وما طبيعة العلاقة بين الذات الفاعلة الخالصة والغير في غمرة الحياة؟ هناك علاقة بين هذين السؤالين من حيث أن العلاقة بين الأنا المتعالية والتجارب الشعورية الراهنة توفر الإطار المناسب لفهم العلاقة بالغير. ذلك لأن الغير في نظر سارتر هو أنا آخر متعالي.
إن فهم الطبيعة المتعالية للأنا في علاقته بالوعي المحايث لتجربتي الذاتية سيساعدني على فهم طبيعة العلاقة بين الغير بوصفه أنا آخر متعالي والوقائع الذاتية لتجربتي الراهنة، لأن غيرية الآخر هي امتداد لغيرية الأنا في نظر سارتر.
ولكن، ما المقصود بغيرية الأنا؟ هل تعني وجود شرخ في الحياة الذاتية يقسمها إلى شطرين ويجعلها مستلبة الهوية؟ يعتقد سارتر بوجود اختلاف أنطلوجي بين شكل وجود الذات أو ما يسميه بالوعي الخالص وبين وجود الأنا. فالأنا هو شيء آخر مختلف اختلافا جوهريا عن الوعي أو حياة الشعور؛ فللأنا وجود متعالي بالنظر إلى وقائع الشعور والوعي، إنه من جملة الأشياء المتعالية التي يكون ظاهرها أقل بكثير من حقيقة وجودها كما هي في ذاتها. إن الأنا المتعالية ليست دائما كما نتصورها، هناك مسافة بين حقيقة وجودها وبين كيفية تصورنا لها، فهي تختفي خلف مظاهرها، إنها ليست شفافة. ولذلك يمكن تصنيفها ضمن الأشياء المادية التي توجد في العالم الخارجي. وما يميز الأنا عن موضوعات العالم الخارجي هو نظرتي إليها باعتبارها مِلكا لي، بل إنها المرجع الذي يمثل أسلوبي الخاص في الحياة وإليها ترجع كل أفعالي وتسمها بميسمها الخاص، إنها عنوان شخصيتي. تتحدد شخصيتي بكيفية نظرتي إلى أناي، إنها ليست أكثر من وهم طالما أنني لا أدرك منها سوى مظاهرها كما تفرض نفسها علي. وهكذا، فإن تصوري لهويتي لا يعدو أن يكون مجرد وهم من الأوهام.
ولما كانت الأنا متعالية بالنظر إلى تجارب الوعي والشعور فإنه لا يجوز تصنيفها ضمن تجارب الشعور، إنها تمثل الغير بالنظر إلى الوعي المحايث لتجربتي الوجودية أو الذاتية. ومن هنا يمكن القول إن الأنا ليست ذاتا فاعلة أخرى ووعيا مثل كوني ذات فاعلة واعية بما يجري فيها من وقائع شعورية. ذلك لأن التجربة الذاتية واحدة لا تقبل الانقسام، ولا ترضى أن يضاف إليها شيء آخر من الخارج. إن الأنا شيء خارجي بالنظر إلى التجربة الذاتية الحميمة، ولا تفتح له هذه التجربة أبوابها. إنها ذاتية خالصة، وعي خالص. ولما كان الغير أنا آخر فإنه سيظل بدوره بعيدا وغريبا عن تجارب الحياة الذاتية الخالصة.
إن الأخر بالنسبة لي ليس وعيا خالصا أو ذاتا فاعلة، بل هو شيء من الأشياء المتعالية التي لا أدرك منها غير مظهرها الخارجي. يدل مفهوم التعالي هنا على الاختلاف، كما يشير إلى الغموض وعدم اليقين. لا يمكنني أن أعرف عنه أكثر مما أعرف عن أناي: مظاهره الخادعة؛ وعندما أريد الإحاطة به، لا أعمل سوى على إسقاط تصوراتي عن أناي عليه. وهكذا أتصور الناس الذين يحيطون بي على أنهم ذوات فاعلة بينما هم في الواقع أشياء لا تختلف عن أشياء الطبيعة بالنظر إلى علاقتهم بي، فهذه العلاقة لا تسمح لي بالشعور بما يشعرون ، ولا أن يشعروا بما أشعر. وفي الحقيقة، فإن سارتر لا يستبعد وجود حياة ذاتية خلف وجود الأنا الآخر، ولكنه لم يجد سبيلا للاقتراب منها وملامستها بشكل مباشر في كتاباته المبكرة وعلى رأسها الكتاب المشار إليه في مقدمة هذا العرض.
ليس بوسع الذات الفاعلة بما تنطوي عليه من وعي وشعور أن تحيط بالتجارب الشعورية المفترض وجودها لدى الغير في نظر سارتر، بإمكانها أن تدرك الموضوعات بما في ذلك الأنا الآخر مثلما تعي وتدرك إنيتها بشكل من الأشكال، ولكنها لا تستطيع الإحاطة بالذوات الأخرى. فلكي تدرك الذات الفاعلة ذاتا فاعلة أخرى يتعين عليها أن تكون قادرة على تمثل ذاتها كذات أخرى، وأن تعيش تجربتها الذاتية كما لو كانت مختلفة عن ذاتها، كما لو خرجت من نفسها لتصبح غير شفافة حين تنظر إلى نفسها بعين الآخر. يمكن القول بعبارة أخرى: إن عليها أن تعيش غيريتها من الداخل، أي داخل حياة الوعي والشعور، تلك الغيرية المنبثقة من الداخل والتي تشطر تلك الحياة إلى قسمين، الغيرية التي تكون غيرية بالنسبة للوعي والشعور لا بالنسبة للموضوع المتعالي..
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Dimanche 30 décembre 2007 7 30 /12 /Déc /2007 23:17

 

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
(الجزء الرابع)
3-2. معرفة الغير: الغيرية بوصفها غيابا
يرى سارتر أن الذاتية المنشطرة والمنقسمة على ذاتها، الذاتية التي تكون هي ذاتها وغيرها في نفس الوقت، هي وحدها الكفيلة بإدراك ذاتية الغير تتجلى هذه الفكرة بوضوح في أعمال سارتر المتأخرة، وخاصة في بحوثه حول الخيال، تلك البحوث التي اعتمد فيها على مقاربة جديدة للذاتية تنظر إلى الذات الفاعلة على أنها هي "ذاتها وغبرها" في نفس الوقت. ترتكز هذه المقاربة على مصادرة مفادها أن الشخص الذي تمثله الصورة أو التمثل الذهني هو الغير بالنسبة للشخص الأصلي. وهكذا، فإن ما تمثله الصورة أو التمثل هو الغيرية التي تحل محل الشخص الأصلي عند غيابه. ومعنى ذلك أن الشخص عندما يتوارى عن الأنظار يظل حاضرا في الذهن في شكل تمثل أو صورة خيالية، وهي غيريته؛ إن موضوع الصورة يقدم نفسه لحظة الغياب باعتباره غيرية.
تستمد الغيرية، التي يمثلها الموضوع المتخيل، وجودها عند سارتر من الغياب الفعلي للذات الفاعلة الأصلية. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحضر في التمثل هو غيرية الشخص الغائب الذي تمثله الصورة المتخيلة. فالصورة المتخيلة تجعل صديقي الغائب كما لو كان حاضرا. إن وجوده في مخيلتي أشبه ما يكون بالحضور؛ وبسبب شكل وجوده المتمثل في شبه الحضور يبدو كما لو كان من غير الممكن الوصول إليه والإحاطة به، كما لو أن الصورة الماثلة في الذهن مسكونة بنوع من العدم. فعندما ترتسم ملامح صديقي الغائب في مخيلتي فإنني لا أحس بشيء آخر غير لاوجوده أو فقدانه، مثلما تشعرني صورة عزيز غال علي برحيله الأبدي بعد موته. وهكذا، فإن هذا النوع من الإدراك الحسي للعدم، للاوجود وللغيرية لا يتحقق إلا في حال الغياب الفعلي للشخص.
يدل هذا التحليل على أن المتخيَّل، في نظر سارتر، هو قبل كل شيء صورة حسية أو تمثل حسي للشخص الغائب الذي يمثل النموذج الذي رسمت الصورة على منواله في الذهن؛ ولا يمكن إنتاج هذه الصورة إلا عندما يغيب الموضوع الأصلي. فعندما نرغب في ملاقاة شخص ما، ويكون من غير الممكن إحضاره شخصيا، نستحضره في شكل صورة من صور الخيال في الذهن. لا نتخيل الأشياء إلا عندما تستحيل رؤيتها بالعين، ونعوض عن ذلك برؤيتها بعيون خفية، وهي الفنطاسيا. وكان هوسرل هو أول من أولى لهذه المسألة عناية خاصة، حيث حاول أن يبين كيف تتبدى الصورة في الوعي، وكيف تجعل الغائب يتجلى في الذهن، وكيف ينعش الذهني ويستعمل مادة الصورة لخلق استيهامات أو فنطاسيا حول الشخص الذي تمثله الصورة. وكان هدفه هو صياغة نظرية لتفسير كيفية اشتغال الخيال انطلاقا من تحليل الصورة الذهنية أو الصورة كما هي في الوعي picture-consciousness، نظرية تشمل الصورة الحسية (الذهنية) التي تشبه الصورة الفوتوغرافية والصورة الداخلية (الفنطاسيا) المجرة من الخواص الحسية والتي تشتغل مثلما تشتغل الصورة الحسية بحكم اشتراكهما في الخصائص البنيوية.
ولكن هوسرل تخلى عن هذا المشروع لسبب بسيط هو أن الصورة اللامادية التي يريد إدراجها في تشكيلة الفنطاسيا تؤدي في اعتقاده إلى الوقوع في نوع من التناقض، لأن الغرض من الصورة أصلا هو أن تعكس الموضوع الأصلي وتجعل حضوره في الذهن محسوسا بشكل من الأشكال، بينما تمثل الفنطاسيا الصورة الخالصة المجردة من الخواص الحسية، ولذلك يتعذر الجمع بينهما ضمن مفهوم واحدة.
وتولى سارتر مهمة استكمال هذا المشروع في محاولة لإثبات أن مفهوم الفنطاسيا يشمل الصورة الذهنية الحسية. إن الصور الذهنية في نظره ليست صورا لامادية، فهي صور ذات مضمون فيزيقي، ولكن طابعها الفيزيقي ليس معطى بشكل مباشر، فهي ليست كالصور الفوتوغرافية التي يمكن رؤيتها ولمسها. وأما ما يجمع بين الصورة الذهنية والصورة الفوتوغرافية فهو أن كليهما يستحضر موضوعا غائبا؛ فعندما أستحضر صورة صديقي في الذهن أجدني في وضعية لا تختلف عن الوضعية التي أكون فيها حين أرى صورته الفوتوغرافية. تؤدي الصورتان، إذن، نفس الوظيفة، مما يدل على أن للصورة الذهنية مضمون حسي وإن كان هذا المضمون يفتقر إلى الكثير من التفاصيل مقارنة بمضمون الصورة الفوتوغرافية. ومن هنا يمكن القول بأن الصورة الذهنية هي صورة حسية، تلك الصورة التي تمثل الغائب أو غيريته، وعليها أسس سارتر نظرية الخيال.
تشترط نظرية الخيال عند سارتر أن يكون الشخص الأصلي غائبا، وأما ما تنتجه المخيلة من صور فلا تستحضر منه سوى غيريته. تتحدد الغيرية، إذن، بالغياب، إنها الغياب الكامل للأصل الحاضر في التمثل. فعندما يحضر صديقي أستغني عن الصور التي تمثله في الغياب، ومن ثمة تتوارى غيريته، لأن الصورة الذهنية تقترن بالغياب ولا تعبر إلا عن الغياب وتدل بالتالي على استحالة الوصول إلى الأصل والإحاطة به. ولكن غياب الأصل ليس غيابا كليا راديكاليا أو مطلقا، إنه غياب مؤقت فحسب؛ والسؤال المطروح الآن هو: هل يساعد هذا النوع من الغياب على معرفة الغيرية طالما أنه ليس غيابا كليا ؟
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Jeudi 27 décembre 2007 4 27 /12 /Déc /2007 23:20

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
(الجزء الخامس)
3-3. معرفة الغير: الغيرية بوصفها صورة
يبدو أن سارتر لم يكن راضيا تمام الرضا على نظريته في الخيال، تلك النظرية التي ترتكز على مبدأ التمثل الذي يستحضر صورة الغائب في الذهن والذي ترتبط فيه الغيرية بالغياب، ولذلك راح يبحث عن طريقة أخرى لمعالجة صور الخيال وبيان وظائفها، ووجد ضالته في الاستطيقا وفي الفنون غير التمثيلية بالخصوص، لأن الصور التي تخلفها هذه الفنون في الذهن لا تحيل على أي موضوع أصلي غائب. وإذا كان لابد من الحديث عن الأصل، فإنه لا يوجد منفصلا في هذه الحالة عن الصورة الذهنية، فهما متلازمان. ومعنى ذلك أيضا أن الصورة لا تمثل شيئا آخر غير نفسها في مجال الفنون غير التمثيلية، ولا يمكن التمييز فيها بين الأصل والصورة التي تمثله، وإنما تحيل الصورة هنا على نفسها لا على شيء غائب. وإذا كان لابد من أن تنطوي الصورة على الغيرية، فإن الغيرية في هذه الحالة لا تعني الغياب الكامل فحسب، بل الغياب المطلق أو الراديكالي. أيُّ غياب هذا وأية غيرية هي هاته التي أصبحت تسكن الذهن؟ وما طبيعة الموضوع الغائب الذي تحيل عليه الصور التي تنبثق عن تذوق الفنون غير التمثيلية؟
من الواضح أن الصورة الذهنية لا تنشأ عن غياب الموضوع الأصلي في مجال الفنون غير التمثيلية كالموسيقى مثلا، بل تأتي كنتيجة للموقف الذي يتخذه المتلقي من الصورة. إن هذا الموقف هو الذي يُحَوِّلُ الصورة إلى موضوع ينطوي على نوع من الغيرية. إن الموقف الذي نتخذه من الشيء الماثل أمامنا هو الذي يحول ذلك الشيء إلى صورة، تلك الصورة التي لا تمثل شيئا آخر غير نفسها. وأما الموقف الذي من شأنه أن يحول الأشياء إلى صور فهو الموقف الجمالي أو الذوق الجمالي الذي ينفذ إلى كنه الأعمال الفنية ويجعل صورها تفرض وجودها كصور وتؤدي وظيفتها كصور. ويتمثل الموقف الجمالي من الصور الفنية في تجريدها من مضمونها الواقعي، ونزعها من سياقها وتركها معلقة خارج الزمان والمكان لتؤدي وظيفتها بوصفها صورة خالصة. إن الزمان الذي تجري فيه الوقائع الفنية ليس هو نفس الزمان الذي تجري فيه الأحداث التاريخية، إنه زمان لاتاريخي، فهو محدود بحدود الحدث الفني، يبدأ مع بدايته، وينتهي بانتهائه، ولا شيء يأتي بعده.
إن ما يميز الصورة الفنية هو قدرتها على التجلي والتواري في نفس الوقت، تتوارى خلف المظاهر وتنضح بأسرارها، ثم تفصح عن غيرية جوهرية لا علاقة لها بالموضوع الأصلي الغائب. إن الغيرية هنا لا تعني الغياب، لأن الصورة الفنية لا تمثل ما يسمى بالموضوع الأصلي ولا تستحضر الغائب في الذهن، إنها نتاج الموقف الذي اتخذه المتلقي منها، فهي تتشكل في ذهنه يناء على نظرته إليها، إنها ليست تمثلا ذهنيا لموضوع غائب، ولذلك لا تدل الغيرية في هذا السياق على الغياب. فعندما أكون أمام صورة فنية، وأنظر إليها بوصفها موضوعا غير واقعي، أكون أمام الذي يتوارى ويختفي خلف المظاهر، ذلك الطيف الهارب البعيد المنال. إن الغياب الفعلي للموضوع ليس شرطا لحضور الغيرية في الصورة الذهنية، لأن الغيرية لا تتمثل في الغياب. يتبدى الموضوع من خلال الموقف الجمالي منه على أنه موضوع غير واقعي، حيث يتم إدراكه بوصفه غيابا مع أنه ماثل أمامي شديد الحضور.
وخلاصة القول إن غيرية الموضوع المتخيَّل أو الموضوع الذي تمثله الصورة الذهنية لا تكمن في غياب الموضوع الأصلي، ولكنها تنشأ عن الموقف الذي يتخذه المتلقي من الصورة الماثلة أمامه. ومعنى ذلك أيضا أنه بوسعنا أن نتخذ موقفا على المستوى التخييلي من الموضوع الحاضر أمامنا فنحوله إلى صورة وننزع منه واقعيته، ونفسح بذلك المجال لغيريته لكي تشع ببريقها؛ وبوسعنا أن نحول أي شيء، وأي موضوع أصلي إلى صورة لذاتها تتبخر معها واقعيته وتتجلى غيريته هنا والآن ولكن من غير أن تتيح لنا إمكانية الإمساك بها. إن حضور الصورة لا يقضي على الغيرية، ومع ذلك تظل بعيدة المنال، لأن ما يبدو على أنه حاضر هو الغياب، الحاضر هو الغائب المتخفي وراء مظاهره، ذلك الحاضر الذي يتعذر الإمساك به.
تقدم لنا الصور موضوعاتها محجوبة متوارية خلف ستار، تشير إليها بدون أن تكشف عنها. وكثيرا ما تتحول الكائنات في أعيننا إلى صور، ولعل خير مثال على ذلك هو المرأة الجميلة، جمالها يحولها إلى صورة في أعين الناظرين، تبدو لهم في الصورة التي لديها عن نفسها، لأنها ترغب دائما في أن تقدم نفسها وفقا للصورة التي رسمتها في خيالها عن نفسها، وبذلك تخفي نفسها خلف نفسها، وتتواري خلف صورتها، وتحول نفسها إلى شخص آخر، إلى غيرية مطلقة. لا توجد حيث يبدو أنها موجودة، ولا يمكن تحديد موقعها في الزمان والمكان كالإلكترون، فبتعذر الوصول إليها. إنها المرأة التي يتغنى بها الشعراء، ذلك الطيف الهارب المفرغ من واقعيته. حضورها هو حضور صورتها التي تختفي هي خلفها فيتبخر وجودها الواقعي. ولذلك يمكن أن تتحول في كل لحظة إلى كائن لاإنساني يتعامل مع الغير بدون شفقة أو رحمة.
يتبين من خلال تحليل صورة المرأة الجميلة أن الغيرية التي تنطوي عليها الصورة الخيالية هي غيرية مطلقة على اعتبار أنها لا ترتبط فقط بالغياب الكامل للموضوع الأصلي الذي تمثله الصورة، بل لارتباطها بكون الأصل والصورة التي تمثله شيء واحد، أو بكون الصورة هي صورة عن نفسها، أي صورة الصورة، تلك الصورة التي تجعل منها المخيلة موضوعا لها وتكتشف فيها غيرية خالصة، بمعنى غيرية أنا أخر متعالي بالنظر إلى وعي المتأمل. فالشخص الذي نتعامل معه على مستوى الخيال باعتباره صورة عن نفسه لا يمثل الآخر بالنسبة لي لأنه آخر غيري على النحو الذي يكون فيه الأنا متعاليا عن الوعي كما هو مبين في الجزء الأول من هذه الدراسة. ولما كان هذا النوع من الغيرية المعطاة على مستوى الخيال متعاليا فإنه لا يمكن اختزاله إلى موضوع أو موضعته على النحو الذي يتموضع به الأنا أمام الوعي، ولا يمكن التعامل معه بالتالي إلا باعتباره ذاتا أخرى. ولكن، من أين لنا أن نحيط بذاتية أخرى؟ هل هناك من سبيل إلى الإحاطة بالغيرية المتمثلة في الصورة باعتبارها صورة لذاتها؟
لقد تبين لنا في ما سبق أنه من غير الممكن للذات المتجانسة غير المنشطرة أن تحيط بغيرية ذات أخرى. وفي المقابل فإن الذات المتخيِّلة هي ذات منشطرة ما دامت تنطوي في ذاتها على غيريتها، ولا يستبعد بالتالي أن تكون قادرة على الإحاطة بغيرية الذات الأخرى المتمثلة في صورتها عن نفسها. يتجلى انشطار الذات من خلال تجارب الخيال كالأحلام، بما في ذلك أحلام النوم واليقظة، والقراءة وما إلى ذلك. ففي القراءة الروائية مثلا يحصل التماهي مع بطل الرواية، حيث يتحول القارئ أو الشخص الواقعي ولو لبرهة يسيرة على مستوى الخيال إلى بطل غير واقعي. وإنما يحصل هذا التحول عندما ينظر القارئ إلى عالم الرواية الخيالي على أنه عالم واقعي ويعيش فيه ولو لفترة وجيزة، فينظر إلى نفسه على أنه بطل وإن لم يسبق له أن اعتبر نفسه بطلا في الحياة الواقعية. والحقيقة أنه أصبح يعيش للتو في عالمين: عالم الخيال الروائي والعالم الواقعي. ولكي يعيش تجربة الحياة في هاذين العالمين كان عليه أن يقسم نفسه إلى شطرين، إلى ذات واقعية وذات متخيلة، إلى قارئ وبطل، إلى ذات وغيرها. إن انقسام الذات هو الشرط الضروري الذي يمكن القارئ من أن يعيش مغامرة البطل المتخيل من خلال تضييق المسافة بينه وبين البطل إلى حدودها الدنيا الممكنة التي تحافظ على نوع من التمايز بينهما وعلى ثنائية الواقع والمتخيل، ولا تسمح له بالتالي أن يتحول بشكل مطلق إلى بطل.
وكذلك تنقسم الذات في الأحلام إلى متخِّيل ومتخيَّل، وتتقلص المسافة في هذه الحالة بين العالم الواقعي والعالم المتخيل أكثر فأكثر، ويعيش المرء في الحلم تجربة الغير من الداخل حتى إن الذات الواقعية تكاد تنحل في الذات المتخيَّلة، ولكن التماهي بين العالمين لا يتجاوز بعض الحدود، ويظل التمايز بين الذات الواقعية والذات المتخيَّلة قائما ضمن الحدود التي يكون فيها الفرد على وعي بأنه يحلم، وإلا فإن الحلم سينقلب إلى هذيان.
خلاصة
لقد جعل سارتر منذ بداية مساره الفلسفي من القضايا المتعلقة بالأنا والغير والأنا باعتباره غيرا، موضوعه الأثير، وتطور موقفه من القضايا التي تطرحها هذه الموضوعات من خلال النظر إليها من زوايا مختلفة. ففي دراساته المبكرة المتضمنة في كتابه "تعالي الأنا" نظر إلى غيرية الآخر بوصفها عالما مكتفيا بذاته مستغلقا عن الفهم. ولكنه مال إلى تجاوز هذه النظرة تدريجيا تحت تأثير الفلسفة الفينومينولوجية لهوسرل حين بدأ يهتم بدراسة صور الخيال وآليات اشتغالها في مجال الفن بصفة عامة وفي مجال الفنون غير التمثيلية بصفة خاصة. واهتدى إلى حله للإشكالية التي تطرحها معرفة الغير من خلال تحليل الصورة التي تشكلها الصورة عن نفسها والتي تنطوي على غيرية جوهرية لا تفترض غياب الموضوع الأصلي ما دام الأصل هو الصورة نفسها؛ وحاول تسليط الضوء على هذه الغيرية من خلال التمييز في الذات المتخيلة نفسها بين الذات والذات كغيرية بالنظر إلى ذاتها، بين الذات المتخيِّلة والذات المتخيَّلة. ومن هذا المنطلق بدت الغيرية تفصح عن نفسها من خلال ملامح الصورة التي تشكلها الصورة عن نفسها، تمثل صورة الصورة هذه غيرية الذات وتدل على وجود شرخ في الذات يقسمها إلى شطرين وهما الذات وغيريتها أو الذات والذات كغير. وبفضل انقسام الذات المتخيلة على نفسها أصبحت مؤهلة للإحاطة بذاتية الغير والنفاذ إلى العوالم الذاتية للأشخاص الآخرين.   
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Vendredi 30 novembre 2007 5 30 /11 /Nov /2007 19:49

 

مفهوم الشخص في فلسفة دافيد هيوم
أحمد أغبال
 
استهل دافيد هيوم (1711-1776) David Hume بحثه الفلسفي في مسألة الهوية الشخصية بنقد الأطروحات الفلسفية التي ترتكز على مجموعة من المصادرات التي يعتقد أصحابها بأنها بديهية والتي أجملها في الفقرة التالية من كتابه "رسالة في الطبيعة الإنسانية" A Treatise of Human Nature، يقول:
"هناك بعض الفلاسفة الذين يعتقدون بأننا نكون في كل لحظة على وعي حميمي بما نسميه ذواتنا؛ وبأننا نشعر بوجودها وباستمرارها في الوجود؛ وبأننا متيقنون يقينا لا يحتاج إلى برهان بهويتها الخالصة وبساطتها. ويقولون إن أكثر الأحاسيس قوة وأكثر الانفعالات عنفا إنما تُثَبِّتُ تلك الهوية أكثر، بدل أن تصرفنا عن نظرتنا تلك إليها، وتجعلنا نعتبر تأثيرها في الذات من خلال ما تحدثه من ألم أو لذة. أما وأن نبحث عن مزيد من الأدلة لإثباتها، فإن من شأن ذلك أن يقلل من بداهة وجودها، وذلك لأنه ليس هناك من دليل يمكن أن يشتق من أية واقعة من الوقائع التي نكون واعين بها بشكل حميمي؛ كما أنه لن يكون هناك شيء يمكن معرفته معرفة يقينية إن خامرنا الشك في حقيقة وجودها"
لقد شك دافيد هيوم في بداهة المصادرات التي تنبني عليها الأطروحة القائلة بوجود هوية شخصية ثابتة والتي دافع عنها كل من ديكارت وجون لوك وغيرهما؛ وبشكه في المصادرة التي تقول بأن فكرة "الأنا أفكر" يمكن إدراكها عن طريق الحدس العقلي نظرا لبساطتها ووضوحها وتميزها يكون قد قوض أركان اليقين الديكارتي. إن القول بأن ما يميز الهوية الشخصية هو بساطتها ووضوحها وثباتها عبر الزمن هو قول غير بديهي وغير مقبول في نظر دافيد هيوم، ذلك لأن تشكيل فكرة عن الذات أو الهوية الشخصية يستلزم توفر انطباعات وأحاسيس تكون على درجة من الثبات والاستقرار اللذان يمثلان الشرط الضروري  لبروز هوية شخصية؛ والحال أن جميع أحاسيسنا، كالإحساس بالألم أو اللذة  والشعور بالحزن أو الفرح الخ، مؤقتة وعابرة لا تستقر على قرار؛ يقول بهذا الصدد:
"من جهتي، عندما أتوغل في الأعماق الحميمة لما أسميه إنيتي، لا أعثر فيها سوى على بعض المدركات الخاصة أو شيء آخر، كالحرارة والبرودة، والنور والظل، والحب والكراهية، والألم واللذة؛ ولا يمكنني الإمساك بذاتي في أية لحظة بدون إدراك، كما لا يمكنني أبدا ملاحظة شيء آخر غير الإدراك... وإذا وضعنا بعض الميتافيزيقيين جانبا أمكنني أن أجازف بالقول إن بقية أفراد النوع البشري لا يمثلون سوى مجموعة من المدركات المختلفة والمتعاقبة بسرعة مذهلة، والتي هي دائمة التدفق والحركة"
ولما كانت الانطباعات والأحاسيس غير ثابتة وغير متزامنة فإنه لا يمكن أن تشكل أساسا لقيام الهوية الشخصية الثابتة؛ هذا بالإضافة إلى أن أي انطباع أو إحساس يوجد بمعزل عن غيره، يقول بهذا الصدد:
"[مدركاتنا] مختلفة عن بعضها البعض وقابلة للتمييز بينها وفصل بعضها عن بعض، بحيث يمكن فحص كل انطباع على حده، كما يمكن [لكل انطباع] أن يوجد منفصلا عن غيره، ولا يحتاج لغيره كدعامة لوجوده"
إن تنوع مدركاتنا، واختلاف تجاربنا الشعورية وانفصال بعضها عن بعض، وافتقارها جميعا إلى دعامة ترتكز عليها وتسند إليها مثلما تسند الصفات إلى الكائن، كل ذلك يدل على أن وجودها لا يرتبط بوجود ذات لها ماهية ثابتة مثلما يعتقد ديكارت وجون لوك وغيرهما؛ إن وجود تلك المدركات والانطباعات والأحاسيس لا يحتاج إلى وجود ذات أو جوهر ثابت. وهل بإمكاننا أن نلاحظ وجود هكذا جوهر؟ كل ما يمكن ملاحظته وإدراكه هو تلك الانطباعات والأحاسيس مجردة أو منفصلة عن أي أساس أو وعاء أنطلوجي، وعندما نفكر في أنفسنا لا نعثر فيها عن شيء آخر غير تلك المدركات والأحاسيس، ولا يمكننا تشكيل أية فكرة عن "الأنا" أو الشخص ما دمنا لا نتوفر بشأنه عن "انطباع خاص" يكون مطابقا لفكرة الأنا أو يقدم نفسه كنسخة مطابقة لتلك الفكرة.
ومن هذه الملاحظات استنتج دافيد هيوم تعريفه للشخص، وحدده بأنه مجموع المدركات والمشاعر والإحساسات التي يعقب بعضها بعضا باستمرار وبدون توقف. إن هذه الوقائع الذهنية والنفسية المتدفقة بلا انقطاع هي التي تشكل مضمون الأنا، بحيث يمكن القول إن الأنا أو الشخص هو عبارة عن ديمومة من التجارب الشعورية المتنوعة. لا وجود إذن لهوية ثابتة، كل شيء في تغير مستمر، ولعل ذلك هو ما عبر عنه هيوم بقوله: "إن الهوية التي تنسب إلى العقل البشري ليست سوى وهما من الأوهام". فلما كانت وقائع الحياة الداخلية في حركة وتغير مستمرين فإنه لا يمكن الحديث عن هوية ثابتة؛ وأما الاعتقاد بوجود مثل هذه الهوية فهو خدعة ماكرة من مخادعات العقل البشري: فقد يحصل لدينا الانطباع باستمرارية شيء ما في الوجود عبر الزمن، ولا ننتبه إلى أن ما يوجد في الواقع ليس نفس الشيء بل سلسلة من الأشياء المتعاقبة؛ فعندما يتعرض ذلك الشيء لأي تغير تدريجي يحدث بكميات طفيفة لا ننتبه إلى أننا أمام سلسلة من الأشياء المختلفة التي يعقب بعضها بعضا عبر الزمن، بل نعتقد أننا لازلنا أمام نفس الشيء، ويحصل الاعتقاد بوجود هوية ثابتة. وأما الاعتقاد بوجود هوية شخصية فينشأ عن الانطباع بأن مدركاتنا وأحاسيسنا مترابطة فيما بينها وبأنها تشكل وحدة متكاملة، وهي في الواقع منفصلة عن بعضها البعض لا تربط بينها أية علاقة تجعل منها تركيبة ذات هوية متميزة.
والحقيقة أن ما يرفضه هيوم هو القول بأن الهوية الشخصية تتحدد بوجود جوهر أو ذات أو روح أو "شيء مفكر" مثلما يعتقد ديكارت، وبأنها تظل ثابتة مهما تعرض الجسد والخصائص السيكولوجية للتغير؛ ويعتقد على العكس من ذلك بأن الحياة الداخلية هي عبارة عن مجموعة من التجارب الشعورية المتنوعة التي لا يمكن اختزالها في تركيبة واحدة موحدة، ومعنى ذلك أيضا أنه لا يمكن إدراك الذات في وحدتها؛ إن كل ما يمكن إدراكه هو تلك السلسلة المتعاقبة من الانطباعات والإحساسات والتجارب الشعورية المختلفة. فالأنا في نظره ليست شيئا من الأشياء التي يمكن إدراكها أو الوعي بها، إنها ليست شيئا آخر غير "مجموعة من المدركات"، وهذه المدركات هي قوام الهوية الشخصية عنده.   
ونظرا لأن هيوم رفض نظرية ديكارت التي تقول بأن الأنا جوهر قائم بذاته، ظلت الوقائع الذهنية والعاطفية الوجدانية معلقة بدون فاعل. ولعل ذلك هو ما جعل هيوم يعرف الشخص فيما بعد بأنه الفاعل الذي تصدر عنه الأفعال الذهنية والعاطفية-الوجدانية، ولكنه اكتفى بإرجاع تلك الأفعال إلى نشاط الدماغ، وظل متشبثا بالتعريف الوارد في الفقرة السابقة، والذي نص على أن الشخص هو "مجموعة من المدركات المختلفة" التي تشمل "الأفكار" و"الانطباعات".
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Jeudi 22 novembre 2007 4 22 /11 /Nov /2007 20:31
De l’importance de la ponctuation
Ahmed AGHBAL
 
Y a-t-il une relation entre la ponctuation et le niveau de développement de la structure des réponses aux questions d’examen ? On entend par développement de la structure des réponses le degré de structuration et de cohérence de celles-ci . Les réponses peuvent être non structurées, structurées autour d’un seul élément ou de plusieurs éléments, relationnelle ou abstraite. Le niveau de développement de la structure des réponses reflète le degré de compréhension de la matière enseignée.
Le degré de structuration des réponses a été évalué à l’aide de la taxonomie de Biggs et Collis connue sous le nom : « The Structure of Observed Learning Outcome » (SOLO)(*).
Voici quelques éléments de réponse à la question posée 

Les réponses observées
SOLO-1.JPG  
Relation entre la ponctuation et la
structure des réponses
  SOLO-2.JPG

SOLO-3.JPG
R = 0.43 , P < 0.01
 
 
(*) Biggs, J.B.& Collis, K.F.(1982). Evaluating the quality of learning:  The SOLO taxonomy. Sydney: Academic Press.
 
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Catégories

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Février 2012
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29        
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés