Jeudi 24 janvier 2008
4
24
/01
/Jan
/2008
12:22
تذكرنا هذه القدرات الفطرية،» التي يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة«بما قاله لوريا Luria وداس Das وكيربي Kirby عن التخطيط باعتباره
وظيفة من وظائف الدماغ. ولكن كيس أضاف إليها قدرات أخرى تتميز بكونها عامة وفطرية إلى حد ما وهي:القدرة على حل المشكلات، والاستكشاف exploration، والتقليد imitationوالتفاعل المتبادل
mutual regulation الذي يتجلى من خلال بعض السلوكات كالبسمة المتبادلة
مثلا: تبتسم الأم لرضيعها فيبتسم لهابدوره. تظهر هذه القدرات في «سن مبكرة جدا»، خلال الشهر الأول أو الثاني بعد الولادة،ولكننالا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت فطرية أو مكتسبة، والحال أنه أدرجها في صنف العمليات التي يأتي الفرد مجهزا
بها منذ الولادة. وبرى كيس أن هذه القدرات
الأربع ضرورية لتشغيل العمليات السابقة الذكر وللتحكم فيها، وهي التي تؤدي إلى دمج البنيات المتوفرة لدى الطفل بشكل متراتب، وتدفعه إلى الارتقاء في سلم النمو من خلال إنتاج ببنيات جديدة أكثر تعقيدا
وأكثر فعالية. يعتقد كيس أن عملية الدمج تتحقق بشكل تلقائي وبطريقة أوتوماتيكية، ولا يكون للراشدين أي دخل في ذلك. وهذا رأي لا يتفق معه العديد من
الباحثين. وسوف نعود إلى مناقشة هذه المسألة في مناسبة لاحقة.
وفيما يتعلق بالقدرات التي لا يأتي الفرد وهو مجهزا بها منذ الولادة،فإن أكثرها أهمية في نظر كيس هي الذاكرة
القريبة المدى أو النشيطة. يميز كيس في الذاكرة القريبة المدى بين الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات
operating spaceوالحيز المخصص لمخزون الذاكرة القريبة Short Term Storage Space. وتجدر الإشارةهنا
إلى أنكيس يستخدمكلمة»حيز« بالمعنى المجازي للدلالة على مدى قدرة الفرد على الانتباه، ويفترض وجود علاقة بين الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة
القريبة المدى وبين عملية دمج البنيات، ومعنى ذلك أن نمو الذاكرة القريبة المدى يتيح للفرد إمكانية دمج البنيات بعضها ببعض والانتقال، بالتالي، من مرحلة إلى أخرى. ويطرح كيس، بالإضافة إلى ذلك، فرضية أخرى مفادها أن الطاقة الاستيعابية العامة للذاكرة النشيطة محدودة، ولا فرق في ذلك بين
الطفل والراشد. لا توجد فروق، إذن، بين الراشدين والأطفال فيما يتعلق بمدى اتساع حيز الذاكرة القريبة المدى. ومع
ذلكيفترض كيس وجود علاقة بينعامل السن ومدى اتساع الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة القريبة المدى. وهكذا، فكلما تقدم الفرد في السن إلا واتسع الحيز المخصص لذلك المخزون في نظره.
وانطلاقا من هذه الفروض، التي
أكدتها نتائج البحوث التجريبية والميدانية التي قام بها كيس ومجموعته، يمكنأن نستنبط
كل الوقائع والاحتمالات الممكنة. يمكن أن نفهم مثلا لماذا لا يستطيع طفل في الرابعة أو
الخامسة من العمر توظيف المعارف المكتسبة لحل المشكلاتالحسابيةوالمشكلاتالمتعلقة بالوزن لمعالجة مهمة مركبة تشمل البعدين معا (العدد والوزن). ذلك لأن معالجة المهام المركبة يتطلب القيام بعمليتين مختلفتين في آن واحد، حيث يتعين
على الطفل أن يحتفظ في ذاكرته بأهداف الخطة المتصلة ببنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بالوزن، وأن يقوم في نفس الوقت
بتنفيذ خطته لحل المشكلة الحسابية كخطوة ضرورية، وأن يحتفظ بنتائجها لتنفيذ الخطةالمتعلقة بحل مشكلة الوزن.
ولكن ذاكرته النشيطة لا تتحمل هذا العبء كله،ذلك لأن انتباهه ينصبعلى عملية معالجة المعلومات فيتسع الحيز الذي
تحتله هذه العملية على حساب حيز المخزون. ولا يكون باستطاعته أن يدمج البنيتينمع بعضهما
إلا بعد أن يتمكن من تقليص الحيز الذي تحتله عملية معالجة المعلومات، ثم يخصص الحيز المحررللمخزون. وهكذا، فإن نمو الذاكرة القريبة المدى لا يعني الزيادة في حيزها العام، بل يدل فقطعلىاتساع الحيز المخصص للمخزون على حساب الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات. وعندما يتسع حيز المخزون لاحتواء بنيتين مندمجتين تحصل الطفرة في النمو (Case. 1984). ولكن، ما هي العوامل التي تتيح الفرصة لاتساع حيز المخزون في
الذاكرة القريبة المدى ؟
عندما تستحوذ عملية معالجة المعلومات على انتباه الفرد تضعف القدرة على الانتباه إلى ما يجب حفظه وتخزينه
في الذاكرة. يحصل ذلك عندما يكون الفرد حديث عهد بالمهمة التي يتعين عليه
إنجازها،مثله في ذلك مثل سائق سيارة مبتدئ، يركز انتباهه على عملية معينةولا ينتبه إلى ما يجري حوله من
الأمور التي قد تشكل خطرا عليه، ويجد صعوبة في التحدث إلى من يرافقه، ويصاب بالإرهاق والإعياء بسرعة. ومع مرور الوقت يكتسب الخبرة والمهارة، ويتمكن من أداء العديد من
العمليات بطريقة آلية في آن واحد، فيتحرر انتباهه ويتجه إلى أمور أخرى.
وهذا ما يحدث للطفل، فمع كثرة الممارسة يكتسب القدرة على أداء العمليات المعرفية بمزيد
من الكفاية والفعالية. وتؤدي القدرة على تحقيق تلك العمليات، أو ما يسميه كيسبالكفاية الإجرائية operational efficiency، إلى تحرير نسبة مهمة من الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات،
ويصبح الحيز المحرر في متناول مخزون الذاكرة القريبة المدى.
ويرى كيسأنالممارسة وحدها
غير كافية للارتقاء بالكفاية إلى المستوى الذي
يحصل معه ذلك التحول،وافترض وجود عوامل أخرى ذات صلة وثيقة بمستوى النضج
البيولوجي،يتعلق الأمر بتشكل ونمو غمد النخاعينmyelinization، وهو المادة التيتحيط بالألياف
العصبية. ويعتبر تشكل غمد النخاعين مرحلة بالغة الأهمية في نمو الجهاز العصبي، ويأخذ نموه شكل موجات متتالية، تظهر كل موجة فيمرحلة من مراحل العمر. يساعد تنامي هذه المادة على ازدياد سرعة انتقال السيالة العصبية.
يفترض كيس وجود علاقة بين نمو غمد النخاعين وازدياد القدرة على أداء العمليات
المعرفية.وما يدل على ذلك في نظره هو وجود نوع من التطابق بين مراحل تشكل غمد النخاعين
ومراحل النمو العقلي. وربما كان نمو هذه المادة العصبية هو المسئول
عن بروز وتنامي القدرة على التفكير الشكلي المجرد لدى كل من المراهقين
والراشدينعلى حد سواءCase. 1984b)).
يتفق روبي كيس مع رأي
بياجي الذي يقول إن قدرات الأطفال محدودة. وإذا كان بياجي يعتقد أننزعة التمركز حول الذات هي العامل الأساسيالمسئولعن ضعف القدرة على معالجة المعلومات لدى
الأطفال، فإن كيسيفسر هذه الظاهرة بعوامل لها علاقة بالإكراهات المرتبطة بالذاكرة القريبة المدىالتي لا تتسع لاستيعاب بنيات التحكم المندمجة التي تمكن من معالجة المهام المعقدة.
يتعلق الأمر هنا بالنقص في الحيز المخصص لمخزون الذاكرة النشيطة. ومن آثار هذا العجز ضعف القدرة على التعلم في مراحلالنمو الأولى. وتقف العوامل المتصلة بنمو الجهاز العصبي خلف النقص الملاحظ في حيز الذاكرة القريبة المدى.
تؤثر هذه العوامل في تنامي الذاكرة القريبة المدى وتحدد وتيرة نموها. يلتقي
روبي كيس في هذه النقطة بالذات مع صاحب
نظرية «الابستملوجيا البيولوجية»،. ويعتقد مثله أن النمو يسير في اتجاه خطي تصاعدي.. ومع ذلك يلحكيس على أهمية الدور الذي تلعبه التجربة والخبرة المكتسبة وعوامل المحيط في نمو الذاكرة القريبة
المدى، إلا أنه يجعل تأثير هذه العوامل مشروطا بمستوى النضج. ويعتقد كذلكأن النمو يحصل بطريقة تلقائية، وهو ما يترتب عنه القول إن عملية التعلم لا تتحقق إلافي حالارتكازها على مبدأ التوجيه الذاتي، ولذلك يستبعد كيس أن يكون للراشدين أي دور في تنامي القدرة على التعلم. وربما جاء هذا الموقف كنتيجة منطقية للمغالاة في تقدير أهمية الدور الذي يلعبه عامل النضج.
ومع انه أشار إلى أهمية الممارسة والمعارف المكتسبة والخبرة،إلا أنه غض الطرف عن الإكراهاتالمحتملة التي تخضع
لها، كما أنه تحاشى الحديث عن الحدود التي ترسمها لها طبيعة التفاعل مع الغير. فقد يكون للدعموالتدخل الإرشادي الذي يتلقاه الطفل من الكبار
دور مهم في تنظيم المعارف المكتسبة باعتباره الشرط الضروري لقيام
الخبرة.