Vendredi 9 mai 2008 5 09 /05 /Mai /2008 23:11

الليبرالية السياسية ومسألة العدالة لدى جون راولز

أحمد أغبال

الجزء الثاني: مراحل النمو الأخلاقي لدى راولز

وهي مراحل تشكل الإحساس بالعدالة والمشاعر الأخلاقية الموازية لكل مرحلة من المراحل النمائية الثلاث:

1.      أخلاق السلطة

2.      أخلاق التشارك

3.      أخلاق المبادئ

1. أخلاق السلطة

1.                             وهي أخلاق مرحلة الطفولة.

تتشكل بفعل القانون السيكولوجي الأول داخل الأسرة التي تعتبر جزءا من البنية الأساسية للمجتمع

القانون السيكولوجي الأول:

لفهم هذا القانون يجب التعرف أولا على نوازع الطفل وميوله الفطرية

v     الميل الفطري إلى تحقيق ”مصلحته الذاتية العقلانية“ rational self-interest (تحقيق الرغبات الذاتية)؛

v     لا يميل إلى حب الوالدين بالفطرة؛

v     يفتقر إلى القدرة على التسويغ: لا يدرك أهمية الأوامر والنواهي، ولا يرى ما يبرر الخضوع لسلطة الوالدين، ولا يستطيع الشك فيها وانتقادها استنادا إلى مبرر مقبول.

استنتاج:

لا يوجد لدى الطفل أي ميل فطري للامتثال للسلطة. كيف يمكن ”ترويضه“ إذن ؟

القانون الأول: المحبة تولد المحبة

محبة الوالدين لطفلهما تولد محبة الطفل لهما كرد فعل. تتجلى محبتهما له من خلال النوايا الواضحة للعناية به؛ وتتجلى له النوايا بوضوح من خلال:

  • مساعدته على تلبية ”مصالحة الذاتية العقلانية“
  • دعم شعوره بالاعتبار الذاتي وتأكيد تصوره لذاته
  • دعم رغبته في الاستقلال وفي تحمل المسئولية

والنتيجة: تشكل مشاعر وعاطفة جديدة لدى الطفل.

يمكن صياغة القانون السيكولوجي الأول بطريقة أخرى:

عندما يعترف الطفل بحب والديه له من خلال إدراكه لنواياهما الواضحة للعناية به يطمئن على نفسه لإيمانه أن أولئك الذين يمثلون السلطة في محيطه يعتبرونه شخصا جديرا بالاحترام بوصفه قيمة في ذاته. أي أنه أصبح يعتقد أن حب والديه له غير مشروط: لا يحبونه لانضباطه، بل لأن في حضوره متعة. وتكون النتيجة:

q      تنامى الشعور بالاعتبار الذاتي لدى الطفل..

q      وعن هذا الشعور ينشأ حبه لوالديه.

  تنامي المشاعر الأخلاقية لدى الطفل

تتشكل المشاعر الأخلاقية كنتيجة للقانون السيكولوجي الأول. فإذا كان الطفل يحب والديه، ويثق بهما، وحصل أن انساق مع المغريات وخرق القواعد فإنه لابد أن

q      يشعر بالذنب.

q      ويعترف بالخطأ.

الشعور بالذنب شعور أخلاقي ناتج عن القانون الأول. ويدل انعدام الشعور بالذنب على انعدام المحبة والثقة. ولكن لا يجب الخلط بين الشعور بالذنب والخوف من العقاب، لأن الخوف من العقاب لا يعتبر شعورا أخلاقيا.

2. أخلاق التشارك

إذا كانت أخلاق السلطة تتكون من القواعد والتوجيهات (الأوامر والنواهي)، فإن أخلاق التشارك تتألف من المعايير الأخلاقية والنماذج المثلى المرتبطة بالمواقع والأدوار في المنظمات الاجتماعية. تطبع هذه المعايير في نفس الفرد بواسطة مواقف الاستحسان والاستهجان الصادرة عن مراكز السلطة وأعضاء المجموعة التي ينتمي إليها (الأسرة، المدرسة..)

كيف تتشكل وتنمو أخلاق التشارك ؟

كلما تقدم المرء في السن، وانتقل من موقع اجتماعي إلى آخر، ومن دور إلى آخر، يكتسب النماذج المثلى لما ينبغي أن يكون عليه صاحب الموقع الجديد والدور الجديد: التلميذ النموذجي، الأستاذ النموذجي، الزوج النموذجي. ومع مرور الوقت، يكتسب الفرد القدرة على فهم النماذج الجديدة وتفسيرها في ضوء أهداف التنظيم، ويتشكل لديه تصور عن نظام التعاون الشمولي الذي يحدد طبيعة المنظمة ووظائفها وأهدافها

ما هي القدرات المطلوبة لاكتساب أخلاق التشارك ؟

إن اكتساب أخلاق التشارك المتمثلة في التأليف بين نماذج مثلى عديدة يتطلب توفر القدرة على رؤية الأشياء من زوايا نظر متعددة وإدراك الروابط التي تجعل منها  نظام تعاون واحد. ولا يمكن النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين ما لم يكتسب الفرد القدرة على إدراك نواياهم ومقاصدهم ومشاعرهم؛ ذلك لأن الفرق بين الطفل والراشد هو أن الطفل تعوزه القدرة على إدراك نوايا الآخرين ومقاصدهم. إن إدراك النوايا والمقاصد والمشاعر هو ما يجعل الفرد قادرا على التحكم في سلوكه وتوجيهه وفقا لتوقعات الشركاء الذين يحتلون مواقع أخرى في المنظمة. إن القدرة على إدراك نوايا ومقاصد الآخرين تؤدي إلى تنامي الحس الخلقي وتدفع الفرد إلى الانخراط في التعاون.

القانون السيكولوجي الثاني

عندما تتحقق قدرة الشخص على إدراك مشاعر زملائه في العمل أو التنظيم الاجتماعي، وتتشكل الروابط العاطفية بينهم بحكم القانون السيكولوجي الأول، وعندما يفصح زملاؤه عن نية واضحة في العمل وفقا لما يقتضيه الواجب، تتنامى مشاعر الصداقة والثقة في الآخرين. وهذا هو القانون السيكولوجي الثاني.

وهذه صياغة أخرى للقانون الثاني:

عندما يلج المنظمة عضو جديد، ويشعر أن الأعضاء القدماء يؤدون أدوارهم وفقا للمثل العليا التي تتناسب مع مواقعهم في التنظيم، ويشعر أنهم يؤدوها بنية واضحة لإيمانهم بأن المبادئ التي يقوم عليها التنظيم عادلة ومنصفة، يكون من نتائج ذلك كله تنامي مشاعر الصداقة والثقة المتبادلة بين أعضاء المنظمة، وهذا ما يجعلهم أكثر ارتباطا بالمثل الأخلاقية المرتبطة بمواقعهم في نظام التعاون. وعندما تتعزز الروابط، تتنامى مشاعر التعاون والتشارك، ويشعر الفرد بالذنب عندما يتخلف عن أداء مهمته وهكذا تتشكل المشاعر الأخلاقية الموازية لاكتساب النماذج المثلى المرتبطة بالمواقع والأدوار في المنظمات تحت تأثير القانون السيكولوجي الثاني

بقول راولز:

”إن غياب هذه الميول [الشعور بالذنب] يدل على غياب روابط الصداقة والثقة المتبادلة“ إن الشخص الذي ينقصه الشعور بالذنب لا يحس بالعبء الملقى على كاهل الآخرين، ولا يصاب بالحرج والانزعاج إزاء شعورهم بالخيبة من نكثه للعهد وخرقه للثقة الموضوعة فيه"[1]

خلاصة

  • فكما أن روابط المحبة تنشأ في المرحلة النمائية الأولى (أخلاق السلطة) داخل الأسرة وفقا للقانون السيكولوجي الأول، كذلك تنمو روابط الصداقة والثقة بين الشركاء في المنظمات الاجتماعية خلال المرحلة النمائية الثانية.
  • في كل مرحلة توجد قوانين طبيعية تقف خلف تشكل المشاعر الأخلاقية.
  • ويدل غياب المشاعر الأخلاقية على غياب الروابط الاجتماعية الحميمة التي يقوم عليها نظام المجتمع بوصفه نظام تعاون منصف.

3. أخلاق المبادئ

إذا كان الشخص في المرحلة النمائية الثانية (أخلاق التشارك)  يبدي نية واضحة للعمل وفقا للنماذج المثلى والمثل العليا المرتبطة بالموقع الذي يحتله في المنظمة، فإن الشخص في المرحلة الثالثة يميل إلى الارتباط بمبادئ العدالة الأكثر سموا وإنصافا. فإذا كان الشخص في المرحلة الثانية يريد أن يكون أستاذا نموذجيا، فإنه أصبح الآن يرغب في أن يكون عادلا.

يقول راولز:

”إن فكرة الفعل العادل والعمل على تطوير المؤسسات العادلة، أصبح لها عنده [في المرحلة الثالثة] جاذبية شبيهة بجاذبية النماذج المثلى..“[2]

القانون السيكولوجي الثالث

حسب هذا القانون، إنه عندما تتشكل مشاعر المحبة ومشاعر الصداقة والثقة المتبادلة بمقتضى القانون الأول والقانون الثاني، يظهر الميل إلى الاعتراف بعدالة المؤسسات إذا شعر الجميع أنهم يستفيدون منها بطريقة منصفة. ويكون من نتائج ذلك تشكل وتنامي الإحساس بالعدالة

يتجلى الإحساس بالعدالة بطريقتين:

  1. يتجلى من خلاف الاعتراف بالمؤسسات العادلة، وقبول سلطتها للاعتقاد بأنها تخدم مصالح الجميع، ولذلك يسعى الجميع، كرد فعل إيجابي، إلى الحفاظ على نظامها واستقرارها، ويشعر الفرد بالذنب إذا أخل بواجباته والتزاماته إزاءها
  2. ويتجلى من خلال الرغبة في العمل من أجل بناء المؤسسات العادلة أو إصلاح المؤسسات القائمة، والرغبة في توسيع مجال تطبيق مبادئ العدالة.

ويشعر الشخص بالذنب إن هو تصرف بطريقة تناقض إحساسه بالعدالة وهنا يأخذ الشعور بالذنب معنى مختلفا عن المعنى الذي يكون له في المرحلتين السابقتين

دلالة الشعور بالذنب لدى الطفل

إن ما يميز الطفل هو عدم قدرته على إدراك النوايا والمقاصد وعلى فهم المثل الأخلاقية. ولذلك، فإن مشاعر الذنب الناشئة عن الإخلال بالمبدأ ليس لها وجود في التجارب الوجودية للطفل

دلالة الشعور بالذنب في أخلاق التشارك

تتشكل المشاعر الأخلاقية في مرحلة التشارك حول روابط الصداقة والثقة في بعض الأشخاص والمجموعات. ويتأسس السلوك الأخلاقي في هذه المرحلة على الرغبة في الحصول على رضا الشركاء وتقديرهم. إذ كثيرا ما يكون الدافع الذي يقف خلف قيام المواطنين بأدوارهم هي الروابط التي تربطهم ببعض الشخصيات المتميزة أو بالمجموعات التي ينتمون غليها، فيخشون من أن تتغير نظرتهم إليهم

دلالة الشعور بالذنب في أخلاق المبادئ

لا ترتبط أخلاق المبادئ بالرغبة في تحقيق رغد العيش أو نيل رضا الآخرين وتقديرهم. تتشكل أخلاق المبادئ بناء على تصورنا للحق بغض النظر عن العوامل العرضية، فخلال هذه المرحلة يصبح الحس الأخلاقي مستقلا عن الظروف العرضية كما هو الحال في الوضعية الأصلية التي وصفناها. يفسر الشخص في هذه المرحلة الشعور بالذنب استنادا إلى المبادئ؛ يفسره بعدم الوفاء للمبادئ. ولكن روابط الصداقة تزيد من قوة الشعور بالذنب.

وخلاصة القول:

عندما يتصرف الشخص وفقا لمبادئ العدالة، بالمعنى الكانطي للكلمة، فإنما يعبر بذلك عن طبيعته بوصفه كائنا عاقلا ومعقولا. والحقيقة أنه:

”بدون إحساس مشترك بالعدالة لن يكون لروابط الحياة المدنية وجود“[3]



[1] John Rawls (1971). Theory of justice, p. 471.

[2] John Rawls (1971). Theory of justice, p. 473.

[3] John Rawls (1971). Theory of justice,

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 6 mai 2008 2 06 /05 /Mai /2008 14:51

الأخلاق المتعالية

أحمد أغبال

"تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، كغاية، ولا تعامل أحدا البتة كما لو كان مجرد وسيلة فقط"

.

تنطوي هذه القولة على مبدأ أخلاقي عام،: وهو الأمر المطلق غير المقيد بشروط والذي أسس عليه كانط نظريته في الأخلاق. إن هذا المبدأ هو القاعدة الأخلاقية الأساسية التي يجب أن توجه سلوكنا، وتقضي بأن نحترم الآخرين ونحترم أنفسنا، وأن نلتزم دائما بعدم استغلال الآخرين أو التعامل معهم كما لو كانوا مجرد مطية لبلوغ مآربنا الأنانية. تنطوي القولة، إذن، على المبدأ الذي تنبني عليه نظريته في الأخلاق، وتبين كيفية تطبيقه على المستوى العملي في حياتنا اليومية.

إن الأمر المطلق هو القاعدة الوحيدة الممكنة والضرورية لتأسيس الأخلاق على اعتبار أن العقل هو مصدرها وليس التجربة. وإذا أردنا أن نعبر عن هذه الفكرة بلغة كانط ومفاهيمه لقلنا إن مبدأ الأمر المطلق هو مبدأ قبلي ومتعالي، أي سابق على التجربة، وهو مطلق وغير مقيد بشروط،  ومعنى ذلك أنه مستقل عن أية مصلحة شخصية وعن الملابسات الظرفية والأهداف الخاصة، ولا يعبر بالتالي إلا عما ينبغي أن يكون باعتباره الواجب الذي لا مناص منه، ولهذه الاعتبارات يسمي كانط مبدأه الأخلاقي هذا بمبدأ استقلال الإرادة. ويدل مفهوم الاستقلال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على التعالي، والمقصود بذلك أنه متعالي عن ظروف الزمان والمكان ولا يتأثر بها، ومعنى ذلك أيضا أنه مبدأ ذو صلاحية كونية. فما هو دليل كانط على أن لهذا المبدأ صلاحية كونية ؟ 

إن ما يبرر الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي في نظر كانط هو وجوده القبلي في العقل الخالص؛ فبما أن العقل واحد بالنسبة للبشرية جمعاء فإنه لابد أن تكون له صلاحية كونية. إن وجوده القبلي في العقل الخالص هو الذي يجعل منه قانونا أخلاقيا يفرض نفسه على الضمير البشري كواجب يجب أن  يلتزم به كل فرد دائما وأبدا مهما كانت الظروف. وكذلك فإن ما يبرر دعوة كانط إلى الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي هو إيمانه بأن الإرادة الخيرة التي تهتدي في وجودها بمبدأ معين  هي الشيء الوحيد الذي يعتبر خيرا في ذاته، إن الإرادة الخيرة التي تريد الخير لنفسها ولغيرها هي الخير في ذاته. وإذا كان لابد للإرادة الخيرة أن تكون مبدئية في مساعيها فإن المبدأ الوحيد الذي يجب أن تعمل به بحكم طبيعتها الخيرة  فهو مبدأ الأمر المطلق الذي يقضي بأن ننظر إلى أي إنسان على أنه قيمة في حد ذاته، وبسبب ذلك وجب احترامه احتراما غير مشروط.

يتمثل المعنى الجوهري للاحترام في الفلسفة الأخلاقية لكانط في التعامل مع الغير باعتباره غاية لا باعتباره وسيلة أو مطية لتحيق المصالح الأنانية. ذلك لأن ما يعتبر غاية في ذاته هو كل ما يستمد قيمته من ذاته ويتمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي يعني استقلال الإرادة. ولذلك يعتبر كانط استقلال الإرادة أساس الكرامة الإنسانية، وجعل منه القانون الأخلاقي الكوني الذي يجب على كل فرد احترامه. يقتضي هذا المبدأ بأن يختار كل فرد بحرية الأهداف والغايات التي يريد تحقيقها. إن ما يجعل من الإنسان شخصا ذو كرامة هو استقلال الإرادة وحرية اختيار الأهداف والغايات وفقا لمبدأ الواجب الأخلاقي. وهذا ما جعل كانط يعتبر احترام الاختيارات العقلانية لأي شخص أسمى الفضائل الأخلاقية.

  إن السلوك الأخلاقي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هو السلوك الذي يخضع للمبدأ الكوني المتمثل في الأمر المطلق، والذي يلزمنا بأن تتصرف في ظروف معينة بنفس الطريقة التي يجب أن يتصرف بها كل فرد في نفس الظروف. إن التصرف وفقا للمصلحة الخاصة أو الأهداف الخاصة لا يمت إلى الأخلاق بصلة. فإن كنت تعتقد، مثلا، بأن الالتزام بقول الحقيقة دائما هو سلوك جيد، لأن قول الحقيقة يبعث في نفسك مشاعر الارتياح والسعادة، فإن سلوكك هذا لا يعتبر أخلاقيا في نظر كانط ما دام الباعث عليه هو الدافع السيكولوجي المتمثل في الرغبة في تحقيق نوع من السعادة أو الرضا عن النفس؛ ولا يمكن اعتباره سلوكا أخلاقيا ما لم يكن الباعث هو مبدأ الواجب الأخلاقي. إن قول الصدق إرضاء للنفس لا يكتسي أية دلالة أخلاقية في نظر كانط. 

ولبيان هذه الفكرة ضرب لنا كانط نفسه مثلا في كتابه "المبادئ الأساسية لميتافيزيقا الأخلاق" برجل يفكر في الانتحار؛ وكان هدفه من وراء هذا المثال هو إقناع القارئ بأن سلوك الانتحار ليس له مبرر كوني. وأما دليله في ذلك فهو استحالة أن يصير قرار الانتحار في ظروف معينة قاعدة بالنسبة لكل من يواجه نفس الظروف. يقول كانط بالحرف الواحد: "إن المنتحر على خطأ، لأنه لو كان مصيبا في قراره بقتل نفسه لوجب أن يدمر كل واحد نفسه". والمقصود بهذا القول هو أن الانتحار ليس واجبا كونيا يُلزم كل من وجد نفسه قي ظروف مماثلة لظروف المنتحر بوضع حد لحياته، ولا يمكن أن يصير قاعدة ذات صلاحية كونية ما دامت البواعث السيكولوجية كحب الذات أو عدم الرضا عن الحياة هي التي تقف خلفه؛ وطالما أنه لا يستند إلى قاعدة كونية ملزمة فلا قيمة له من الناحية الأخلاقية.

ولما كان مبدأ حرية الإرادة والاختيار هو مصدر الأخلاق فإن الانتحار يعني تدمير أسس الأخلاق والكرامة الإنسانية. يقول كانط بهذا الصدد: "إذا كانت الحرية هي شرط الحياة، فإنه لا يمكن استعمالها للقضاء على الحياة، لأنه باستعمالها ستكون قد دمرت وألغت نفسها. إن استعمال الحياة لتدمير الحياة ذاتها، أو من أجل فقدان الحياة [ينطوي على] تناقض ذاتي". وما يمكن استخلاصه من هذا المثال هو أن الحفاظ على الحياة هو مبدأ أخلاقي كوني يجب احترامه، لأن تدمير الحياة (الجسد) هو تدمير للإرادة أيضا.

لقد جاء كانط بفلسفة جديدة في الأخلاق تختلف اختلافا جوهريا عن الفلسفات السابقة وعلى رأسها فلسفة الأخلاق الأرسطية التي نالت حظوة خاصة في الأوساط الفلسفية واللاهوتية على امتداد قرون عديدة. ولذلك سنكتفي هاهنا بإجراء مقارنة بين أخلاق كانط وأخلاق نيكوماخوس لبيان ما إذا كانت العلاقة بينهما هي علاقة نفي وتجاوز وقطيعة.

نرتكز فلسفة الأخلاق الأرسطية على مصادرة مفادها أن غاية الحياة هي الخير الأسمى المتمثل في السعادة. وإذا كان أرسطو قد جعل من السعادة أسمى الفضائل الأخلاقية كلها فلأنه كان يعتقد أنها غاية الغايات أو الغاية النهاية المطلوبة لذاتها؛ وأما الفضائل الأخلاقية الأخرى فهي بالنظر إلى الخير الأسمى وسائل أو غايات مرحلية على الطريق المؤدية إليه. ما وجد الإنسان إلا ليعيش حياة سعيدة، هذا هو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه فلسفة الأخلاق عند أرسطو والذي يجب أن يوجه السلوك العقلاني للإنسان. يمكن القول بعبارة واحدة: إن الفضيلة هي العمل بالعقل في اتجاه الخير الأسمى، وهو السعادة التي يعتبرها أرسطو غاية في ذاتها..

لا يتفق كانط مع هذه النظرية جملة وتفصيلا، ولذلك حاول نفيها وتقويض أسسها. ومن مآخذه الأساسية على أرسطو أنه أسس نظريته في الأخلاق على مبدأ أمبريقي سيكولوجي (السعادة)؛ ذلك لأنه لا يمكن تأسيس أخلاق ذات صلاحية كونية بناء على نزعة ما من نوازع الطبيعة الإنسانية، ولا يجوز أن نجعل من رغبتنا في السعادة مبدأ الأخلاق لأن الرفاهية لا تنسجم دائما مع الخير والفضيلة، إذ "من الصعب، حسب تعبير كانط، أن تجعل المرء سعيدا انطلاقا من جعله خَيِّرا"، هذا بالإضافة إلى أن مفهوم السعادة إذا نظرنا إليه من وجهة نظر تحليلية فسنجد أنه لا يتضمن مفهوم الخير الأسمى ولا يمكن استنباطه منه منطقيا. وبالتالي فإن هذا المفهوم لا يصلح كمعيار للتمييز بين الفضيلة والرذيلة ولا يُمَكِّنُ من تقدير ما إذا كانت للسلوك قيمة أخلاقية أم لا. هنا يكمن النقص الأساسي في نظرية الأخلاق الأرسطية في نظر كانط.

وإذا كان كانط يتفق مع أرسطو في أن الإنسان كائن عاقل وأن عليه أن يهتدي في تصرفاته بنور العقل، فإنه يختلف معه في أن يكون العقل دائما هو القوة الوحيدة التي تحرك الإنسان في سعيه نحو تحقيق السعادة، فكثيرا ما تكون الغريزة هي الدافع إلى ذلك. يبدو وكأن أرسطو لا يفصل بين الفكر والرغبة، بين المبدإ العقلي والمبدإ السيكولوجي (الرغبة) في السلوك الأخلاقي. ولما كانت الرغبات تختلف من فرد لآخر فإنه لا يمكن الارتقاء بالمبدإ الأخلاقي الأرسطي إلى مستوى الصلاحية الكونية. ولذلك اقترح كانط ضرورة الاعتماد في بناء الأخلاق على مبدأ قبلي متعالي غير مستمد من التجربة وهو الأمر المطلق غير المشروط بأية رغبة أو نزعة من نوازع النفس الإنسانية. إن تحرير المبدأ الأخلاقي من الرغبة هو الشرط الضروري الذي لا غنى عنه لمعرفة ما إذا كان السلوك أخلاقيا أم أنه خال من أية قيمة أخلاقية، وهو السبيل أيضا إلى تحقيق الصلاحية الكونية للأخلاق من خلال مقاومة الرغبات الذاتية. ومن هذا المنطلق رفض كانط أن تكون السعادة هي الخير الأسمى. وكان لابد أن يعيد تحديد مفهوم الخير الأسمى، حيث عَرَّفَه بأن الخير غير المشروط بأية رغبة أو مصلحة خاصة. وكأنما أراد أن يقول: قم بالواجب امتثالا للقانون الأخلاقي ولا تنتظر أية مكافأة مادية أو معنوية. هذا ما يضفي على السلوك قيمة أخلاقية. وعندما يكون الهدف هو تحقيق رغبة أو نزوة مهما كانت جيدة وبريئة وخَيِّرَةََ فإن السلوك لا تكون له أية قيمة أخلاقية، ولا يمكن القول عنه بأنه أخلاقي أو لاأخلاقي، إنه سلوك محايد من الناحية الأخلاقية.

وخلاصة القول: إن السلوك الأخلاقي في نظر كانط هو السلوك الذي يمليه مبدأ الواجب وليس مبدأ الرغبة مهما كانت خَيِّرَةََ. ومعنى ذلك أيضا أن الخير لا يصلح لأن يكون معيارا للأخلاق، لأن ما يسعد البعض قد لا يسعد البعض الآخر؛ ومما يترتب عن ذلك أن عدم القدرة على فعل الخير لا يعتبر إخلالا بالمسؤولية الأخلاقية، على اعتبار أنه لا يوجد في الأمر المطلق ما يلزم بكسب السعادة، لآن السعادة مثل أعلى مصدره الخيال لا العقل. وعلى العكس من ذلك فإن عدم الالتزام بالواجب هو إخلال خطير بالمسؤولية الأخلاقية المتمثلة في ضرورة احترام الأمر المطلق المتأصل في العقل الخالص. وإن كان هناك شيء يمكن اعتباره خيرا في ذاته فهو الإرادة الخيرة، وليس السعادة كما يعتقد أرسطو

.

 

 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Dimanche 24 février 2008 7 24 /02 /Fév /2008 17:05

 

مفهوم العدالة عند أرسطو
أحمد أغبال
تعريف أرسطو للعدالة
يحيل مفهوم العدالة عند أرسطو إلى دلالتين: عامة وخاصة؛ فهو يشير في دلالته العامة إلى علاقة الفرد بالمؤسسات الاجتماعية، وهنا يكون مرادفا للفضيلة بالمعنى الدال على الامتثال للقوانين؛ فالإنسان الفاضل هو الذي يعمل وفقا للقانون، شريطة أن يكون هذا القانون مبنيا على أساس مبدإ الفضيلة. ومع ذلك فإنه لابد من الإشارة إلى وجود فرق طفيف بين مفهوم العدالة الكونية ومفهوم الفضيلة من حيث أن الأولى تقتصر على العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، بينما تشمل الثانية علاقات الأفراد فيما بينهم. وأما العدالة بالمعنى الخاص فتدل على ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الفرد في تعامله مع غيره من أفراد المجتمع، وهنا تقترن العدالة بالفضيلة باعتبارها جزءا لا يتجزأ منها، وتدل على السلوك الفاضل في جميع مجالات النشاط الإنساني. إن العدالة بهذا المعنى تقتضي أن يقنع المرء بقسمته ولا يطمع بما في أيدي الناس وفي حقوقهم، وتعني الاعتدال، وهو الحد الوسط بين قيمتين متطرفتين أو بين الزيادة والنقصان، ومعنى ذلك أن يسعى الإنسان الفاضل دائما إلى الحصول على القسمة التي تمثل القيمة التي تقع بين الحد الأدنى والحد الأعلى، وهذا ما تدل عليه العبارة الأرسطية المشهورة: "الفضيلة هي الوسط". تدل هذه العبارة من الناحية العملية على أن يقنع الشخص الفاضل بأقل قدر ممكن.
أنواع العدالة في فلسفة الأخلاق لدى أرسطو
يميز أرسطو بين العدالة الكونية والعدالة الخاصة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ويميز في العدالة الخاصة أيضا بين نوعين وهما:
1. عدالة التوزيع، وتشمل توزيع الخيرات والشرف والمناصب أو أي شيء يمكن توزيعه على أفراد الجماعة الإنسانية. ويستلزم تحقيق هذا النوع من العدالة وجود شخصين وشيئين يراد توزيعهما بينهما؛ وتقضي العدالة أن تظل وضعية كل واحد من الطرفين كما كانت قبل التوزيع، ومعنى ذلك أن يتم توزيع الأشياء بما يتناسب مع ما يستحقه كل طرف، هذا مع العالم أن معيار الاستحقاق يختلف باختلاف النظم الاجتماعية: ففي الأنظمة الديمقراطية يكون المعيار هو الحرية، وتكون الثروة هي المعيار في الأنظمة الأوليغارشية، وهو الفضيلة في الأنظمة الأرستقراطية. وأخذا بعين الاعتبار الفروق التي تقيمها هذه المعايير بين الأفراد، فإنه يمكن مع ذلك إقامة العدل بينهم، وذلك وفقا لمبدإ التناسب الهندسي؛ فإذا كان هناك شخصان "أ" و "ب" يريدان تقاسم شيئين "ج" و "د"، وكان الشخصان متماثلان من حيث درجة الاستحقاق، وكانت قيمة "ج" مساوية لقيمة "د"، فإن العدالة تقتضي أن يتم التوزيع وفقا للمعادلة التالية:
أ  ¸  ب = ج   ¸  د
وبالنظر إلى مبدإ التوزيع العادل، فإنه يتعين أن يحصل "أ" على "ج" كلها، وأن يحصل "ب" على "د" كلها، بحيث تصبح الوضعية بعد التقسيم على النحو التالي 
أ + ج) ¸  (ب + د) =  أ  ¸ ب )
 
 وهذا يعني أن وضعية كل طرف بالنسبة إلى الطرف الآخر بعد التوزيع ظلت كما كانت عليه قبل التوزيع، بمعنى أن أي أحد لم يحقق أية مكاسب على حساب الآخر؛ وهذه هي العدالة التوزيعية التي تقوم على مبدإ التناسب الهندسي الذي تمثل حصيلته الحد الوسط بين الزيادة والنقصان في الحصة التي يستحقها كل طرف، فلا إفراط ولا تفريط. ومعنى ذلك أن الشخص غير العادل هو الذي يرغب في الحصول على أكثر مما يستحق وفقا لمبدإ التناسب الهندسي.
ومع أن العدالة التوزيعية تخص التعاملات بين الأفراد فإنه يمكن تطبيقها أيضا على التعامل بين مؤسسات الدولة والمواطنين فيما يتعلق بتوزيع الخيرات والمناصب والخدمات كالتعليم والصحة. تقتضي العدالة أن تقوم الدولة بتوزيع هذه الموارد بالتساوي على المواطنين مع مراعاة استعداداتهم ومؤهلاتهم وقدراتهم، وبغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية وما إلى ذلك. وتقتضي العدالة أن تقدم الدولة الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة مثلا لجميع المواطنين دون تفضيل أو تمييز بعضهم على بعض. فإذا كانت سياسة الدولة تقوم على مبدإ المعاملة التفضيلية لبعض الفئات على حساب فئات أخرى عندما تقوم بتقديم هذه الخدمات، كأن يتلقى أبناء الأعيان والطبقات العليا تعليمهم في مدارس أفضل منالمدارس التي يدرس فيها أبناء الطبقات الشعبية، أو أن يتلقوا العلاج في مستشفيات وعيادات فاخرة بينما يتلقى أبناء الطبقات الشعبية علاجهم في مستشفيات قذرة تفتقر إلى التجهيزات الضرورية، إذا كان الأمر كذلك فإن الدولة ستكون دولة جائرة تفتقر إلى المشروعية، ويكون من حق الشعب أن يقاومها ويعيد بناءها من جديد على أساس مبدإ العدالة.  
2. العدالة التصحيحية، وتكمن وظيفتها في إعادة الحق المنتهك إلى نصابه، والحقوق المهضومة إلى أصحابها في مجال التعاملات بين الناس. يميز أرسطو في هذا النوع من العدالة بين نوعين وهما: العدالة المتعلقة بالمعاملات الإرادية أو الاختيارية بين الأفراد كالبيع والشراء والإيجار والسلف وما إلى ذلك؛ والعدالة المتعلقة بالمعاملات غير الإرادية، السرية منها والعنيفة كالسرقة وإتلاف ممتلكات الغير أو إهانته أو مضايقته في عمله أو سكنه الخ. ففي مجال التعاملات الإرادية أو التعاقدية يكون هدف الحاكم أو القاضي هو التصحيح لا العقاب،. وتقتضي العدالة في هذه الحالة أن يتعامل القاضي مع المتنازعين على قدم المساواة، وأن يمسك عن إصدار أي حكم معياري ولا ينظر إلى أي أحد منهما على أنه طيب أو خسيس. وأما ما يجب أن يقوم به فهو بيان الحيف الذي لحق أحدهما وتصحيحه وإعادة الأمور إلى نصابها وإلى ما كانت عليه قبل المعاملات.  وأما في مجال السلوك الإجرامي فإن الهدف يكون هو العقاب وتصحيح الضرر وإعادة الاعتبار للمعتدى عليه.
ويرى أرسطو أن العدالة التصحيحية تقوم على مبدإ التناسب الحسابي، وهذا مثال يوضح هذا المبدأ: لنفترض أن شخصين "أ" و "ب" اللذان يوجدان في وضعية متساوية ( أ = ب) وتعرض أحدهما لتعامل سري من الطرف الآخر، حيث إن الشخص "أ" اعتدى على الشخص "ب" وأخذ منه القيمة "ج"، وعلى إثر ذلك أصبحت وضعيتهما هي: (أ ج)، (ب – ج). ولإعادة الأمور إلى نصابها دون إفراط ولا تفريط يقوم القاضي بإعادة "ج" إلى "ب"، وعندئذ تصبح الوضعية كما يلي: (أج – ج) = (ب – ج + ج). وهكذا تعود المعادلة إلى ما كانت عليه في الوضعية الأصلية.
مفهوم الوسط في أخلاقيات العدالة عند أرسطو
يتبين من التحليل السابق أن نظرية العدالة عند أرسطو تقوم على ثلاثة قيم، اثنتان منهما تمثلان الرذيلة وهما الزيادة والنقصان أو الإفراط والتفريط، وتمثل القيمة الثالثة الفضيلة وهي الوسط. تتعارض كل قيمة من هذه القيم مع القيم الأخرى، ولكن ليس بنفس القوة أو الحدة، وأشد ما يكون التعارض بين القيم المتطرفة (الزيادة المفرطة والنقصان المفرط)، وكذلك يوجد تعارض بينهما وبين قيمة الوسط. وأما المتوسط فإنه يتعارض مع القيم المتطرفة من حيث أنه يمثل الزيادة بالنسبة للقيمة الدنيا والنقصان بالنسبة للقيمة العليا. فالرجل الشجاع يبدو متهورا في نظر الجبان، وجبانا في نظر المتهور؛ ولهذا السبب ينظر كل متطرف في هذا الاتجاه أو ذاك إلى من يقف في الوسط بين طرفي النقيض على أنه مذنب. وكثيرا ما تبدو القيمة المتطرفة مشابهة لقيمة الوسط ومختلفة اختلافا جذريا عن القيمة التي تقع في الطرف النقيض: فالتهور يبدو في بعض الأحيان مشابها للشجاعة ومناقضا للجبن، والتبذير مشابها للكرم ومناقضا للبخل، ذلك لأن العلاقة بين القيم المتطرفة هي على العموم علاقة تناقض، وأما العلاقة بين القيم المتطرفة والقيمة الوسطى فهي علاقة تشابه وتماثل، بحيث يكون من الصعب في بعض الوضعيات التمييز بينها.
وفي بعض الأحيان تكون إحدى القيم المتطرفة أكثر تعارضا مع القيمة الوسطى بالمقارنة مع القيمة المتطرفة الأخرى، فالجبن مثلا يبدو أكثر تعارضا مع الشجاعة من التعارض الموجود بين التهور والشجاعة. وكذلك فإن التعاطف وإظهار المشاعر الذاتية أقرب إلى التحكم في الذات وأبعد ما يكون عن انعدام الحس أو الحساسية. ويرجع السبب في ذلك إلى أنه عندما يشعر المرء بأن إحدى القيم المتطرفة شبيهة بالقيمة الوسطى فإنه يميل إلى اعتبار القيمة المتطرفة الأخرى مناقضة للقيمة الوسطى. وكذلك فإنه كلما كان المرء أكثر انجذابا إلى قيمة ما فإنه يميل إلى اعتبار القيمة الوسطى مناقضة لقيمته، فإذا كان شديد الميل إلى تحقيق اللذة والمتعة وأقل قدرة على التحكم في الذات، فإنه سيميل بطبيعة الحال إلى اعتبار الاعتدال في الإقبال على المتعة منافيا لمبدإ التحكم في الذات.
نخلص من ذلك كله إلى القول بأن العدالة هي الفضيلة، وأن الفضيلة هي الوسط بين رذيلتي الإفراط والتفريط أو الزيادة والنقصان على مستوى الانفعالات والسلوك. وتقتضي الحكمة من وجهة النظر هذه اكتساب القدرة على تحديد القيمة الوسطى بنزاهة، ولكن تحقيق هذه المهمة يكون على قدر كبير من الصعوبة في بعض الأحيان لاعتبارات ذاتية صرفة. ولعل من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في الشخص من أجل تحقيق هذه الغاية: الوعي بالذات وما تنطوي عليه من نوازع وميولات خاصة، والقدرة على التحكم في الذات. إن هذه الصفات هي التي تساعد المرء على عدم الانسياق وراء الرغبات المتطرفة التي تتعارض مع الحد الوسط الذي يسعى إليه، إن امتلاك هذه الصفات هو ما يجعله قادرا على اكتشاف القيمة المتطرفة الأكثر تعارضا مع القيمة الوسطى بالقياس إلى القيمة المتطرفة الأخرى، حتى إذا لم يتمكن من الاهتداء إلى القيمة الوسطى أمكنه الاختيار على الأقل بين أهون الضررين. إن الوعي بالنوازع الذاتية يعصم من الوقوع في الزلل ويساعد على مقاومة الإغراء والأهواء، ويدفع المرء إلى السير في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي كان ينوي السير فيه من جراء ميله إلى التمركز حول الذات لتلبية رغباتها الأنانية. إن التخلص من نزعة التمركز حول الذات هو السبيل القويم إلى الاهتداء إلى القيمة الوسطى التي تمثل الفضيلة.   
  البعد الاجتماعي والسياسي للعدالة
إن العدالة بالمعنى السياسي للكلمة تدل عللا علاقة الدولة بمواطنيها، ولا تتحقق العدالة في هذا الإطار إلا إذا كان جميع المواطنين يتمتعون بنمط عيش مشترك يلبي حاجاتهم الأساسية، ويوفر لهم إمكانية الاستقلال الذاتي والحرية والمساواة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية بناء على مبدإ التناسب الهندسي أو مبدإ التناسب الحسابي حسب طبيعة النظام الاجتماعي-السياسي. ففي الأنظمة الأرستقراطية تتحدد المساواة بين المواطنين وفقا لمبدإ التناسب الهندسي، لأن توزيع الحقوق في هدا النظام يتم بالنظر إلى وضعية الأفراد واستحقاقاتهم، ويتحدد مفهوم المساواة في الأنظمة الديمقراطية وفقا لمبدإ التناسب الحسابي ما دام كل مواطن حر يتمتع بنفس الحقوق والواجبات.
ولما كانت وظيفة القوانين والتشريعات هي التمييز بين العدل والجور فإنه لا يمكن الحديث عن العدالة السياسية في مجتمع لا تخضع فيه العلاقات بين الأفراد للقوانين؛ ما وجدت القوانين في الواقع إلا بسبب قابلية الإنسان لأن يكون عادلا أو جائرا، بل إن طبيعته الأنانية، وميله إلى التمركز حول الذات يؤهلانه لأن يكون أكثر ميلا إلى الظلم منه إلى العدل، وخاصة إذا تمركزت السلط بين يديه وتوفرت له أسباب القوة. ولهذا السبب يكون نظام الحكم الفردي أكثر الأنظمة السياسية ظلما وجورا وفسادا؛ لأن الحاكم المستبد يجعل مصالحة الأنانية فوق مصلحة الأمة أو الوطن. ولذلك يقال بأن القانون هو الحاكم الفعلي في الدولة العادلة، ويقتصر دور القادة فيها على السهر على تطبيق القوانين وتحقيق العدالة ولو على أنفسهم. ولقد ضربت الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك مثالا للعالم عندما مثل الرئيس كلنتون أمام العدالة في قضية مونيكا التي باتت مشهورة.
ويجمع المفكرون في الوقت الراهن على أن العدالة التصحيحية لا يمكن أن تتحقق في إطار أي نظام سياسي ما لم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ويعتبر مبدأ فصل السلط الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية العادلة. ولابد من الإشارة هنا إلى أن مشكلة الحكم الديمقراطي العادل ما زالت هي المشكلة الرئيسية التي يعاني منها المغرب وغيره من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وما زالت هذه البلدان تقاوم كل دعوة إلى إصلاح أنظمتها القضائية والإدارية سواء كان مصدر هذه الدعوة داخليا أو خارجيا.
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Jeudi 14 février 2008 4 14 /02 /Fév /2008 20:57

مسالة الموضوعية في العلوم الإنسانية
أحمد أغبال
على ماذا يدل مفهوم الموضوعية في العلوم الإنسانية؟ وماذا يعنى القول بأن نظرية اجتماعية ما تمثل تحليلا علميا موضوعيا لمجموعة من الظواهر الاجتماعية؟  هناك عدة أطروحات تستحق المناقشة، ولسوف نستعرضها بشكل مركز فيما يلي.
                       I.          دلالات وأبعاد مفهوم الموضوعية في العلوم الإنسانية
1. هناك أطروحة تقول بأن الوقائع الاجتماعية التي يجعل منها الباحثون موضوعا لدراساتهم توجد في استقلال عن أجهزتهم المفاهيمية ونظرياتهم. يتعلق الأمر هنا بالاعتقاد بوجود عالم موضوعي قائم بذاته؛ وهذا ما يسمى بالموضوعية الأنطلوجية. إن ما يميز هذه الأطروحة هو إيمانها بأن الحقائق العلمية لابد أن تكون لها صلاحية كونية ما دامت الوقائع تتمتع بوجود موضوعي بسبب وضعها الأنطلوجي المستقل عن تصورات الملاحظ. إن البنيات والعمليات الاجتماعية، من وجهة النظر هذه، توجد في استقلال عن الملكات العقلية الذاتية؛ ويكون هدف النظريات العلمية في هذه الحالة هو وصف البنيات الاجتماعية وآليات اشتغالها والكشف عن القوانين التي تفسر المعطيات الملاحظة بعيدا عن تصورات الناس لما ينبغي أن تكون عليه وعن كل ما يتصل برغباتهم وأهوائهم بشأنها. يرتكز هذا التصور للوقائع الاجتماعية على مصادرة مفادها أن الظواهر الاجتماعية تتشكل كنتيجة لقوانين موضوعية مستقلة عن إرادة البشر ورغباتهم.
2. وهناك أطروحة التي تقول إنه بإمكان نظرية تتعلق بمجموعة من الوقائع الاجتماعية أن تتبلور يناء على المعرفة الدقيقة بالوقائع وأن تستند في بنائها على مبادئ وقواعد معقولة، بحيث يكون البناء النظري متناسبا مع المعطى الأمبريقي؛ وهذه هي الموضوعية بالمعنى الإبستملوجي. إن ما يميز هذه الأطروحة عن الأطروحة السابقة – التي تنطلق في تحديها لمفهوم الموضوعية من الموضوع - هو أنها تركز في تصورها لشرط الموضوعية في العلوم الإنسانية على الإجراءات المنهجية وطريقة البحث. يستفاد من هذه الأطروحة أن ما يميز النظريات العلمية في المقام الأول هو منهجها العلمي الذي يتعامل مع المعطيات الأمبريقية بطريقة موضوعية؛ ومعنى ذلك أنه يجب أن يستند الباحثون في دراساتهم على مجموعة من الإجراءات الواضحة التي يمكن الاحتكام إليها في تقييم النظريات المتنافسة ومقارنة بعضها ببعض فيما يتعلق بدرجة علميتها.
  3. وتذهب الأطروحة الثالثة إلى أن الوقائع الاجتماعية توجد في استقلال عن وعي الفاعلين الاجتماعيين المنخرطين فيها. وهذا هو التصور الوضعي للوقائع الاجتماعية الذي يمثله أوجست كونت ودوركايم خير تمثيل والذي يقف في مقابل التصور الفينومينولوجي أو التأويلي للظواهر الاجتماعية الذي ترجع جذوره إلى ديلتي مرورا بماكس فيبر.
4. وتقول الأطروحة الرابعة بأن البحث العلمي يستلزم اتخاذ موقف الحياد من الناحية القيمية والمصلحية، تنطلق هذه الأطروحة من الاعتقاد بإمكانية استبعاد أحكام القيمة استبعادا كليا أثناء مزاولة البحث العلمي، وهو ما لا يتفق معه ماكس فيبر الذي يعتقد بأن بعض الاختيارات الفيمية والأخلاقية لا تقلل من القيمة الموضوعية للبحث العلمي إذا تمكن الباحث من التحكم فيها خلال عملية التحليل..
5. وتقول الأطروحة الخامسة إن الموضوعية لا تتحقق إلا من خلال ميل الباحثين إلى الإجماع حول خصائص الوقائع الاجتماعية، وذلك عير تقاطع نتائج بحوثهم الأمبريقية والنظرية. ويرى الباحثون أن البحث العلمي في مجال معين يسير في اتجاه تقارب وجهات النظر وتقاطع نتائج البحوث العلمية مما يجعل الإجماع بين العلماء أمرا ممكنا. إن النظرية العلمية الموضوعية أو الصحيحة، من وجهة نظر برنارد وليامز (1985)، هي النظرية التي يجمع عليها العلماء من خلال اتفاقهم على إجراءات البحث العلمي.
يمكن التأليف بين بعض الأطروحات والنظر إليها باعتبارها تمثل مختلف أبعاد مفهوم الموضوعية في مجال العلوم الإنسانية مثلما فعل ماكس فيبر؛ فهو وإن كان يأخذ بالأطروحة الأولى التي تعترف بوجود وقائع اجتماعية موضوعية، فإنه يستبعد الأطروحة الثالثة التي تقول بأن الوقائع الاجتماعية توجد في استقلال عن وعي الفاعلين الاجتماعيين، ويعترف، على العكس من ذلك، بأن الوقائع الاجتماعية هي وقائع "ذاتية" من حيث ارتباطها بوعي الأفراد الذين يصنعونها من خلال إضفاء دلالات خاصة عليها، كما يعترف بالأطروحة الثانية التي تقول إنه من الممكن تقديم وصف أمبريقي ونظري موضوعي لهذه للوقائع.
وإذا كان ماكس فيبر لا يرى مانعا في الأخذ بالأطروحة الأولى، فإن بعض المفكرين من ذوي الاتجاه البنائي l’approche constructiviste يرفضونها جملة وتفصيلا، بدعوى أنه ليس هناك عالم واحد، بل عوالم تتعدد بتعدد الأجهزة المفاهيمية التي تستعمل لوصف التجارب الإنسانية. ولما كانت المقاربة البنائية لا تؤمن بوجود نظرية أو طريقة واحدة مثلى لفهم الواقع الاجتماعي كان لابد أن ترفض الأطروحة الثانية التي تقوم على التصور الإبستملوجي للموضوعية. ومع ذلك أنه يمكن، في إطار هذا التوجه، استبعاد الأطروحة الأولى مع الاحتفاظ بالأطروحة الثانية، بمعنى الإقرار بوجود نظرية علمية مثلى بخصوص مجموعة معينة من الظواهر الاجتماعية مع الاعتراف بأن الوقائع التي تصفها لا تتمتع بوجود موضوعي بالمعنى الأنطلوجي للكلمة..
ومهما يكن من أمر ذلك فإن التوجه العام السائد في الوقت الراهن يسير في الاتجاه الذي رسم ماكس فيبر معالمه، ويجمع بين الأطروحة الأولى والثانية والخامسة. هناك، إذن، ميل عام إلى الاعتراف بوجود واقع موضوعي قائم بذاته، وطريقة موضوعية مثلى للتعامل معه، مع الإقرار أيضا بأن نتائج البحوث في مجال معين تتقاطع فيما بينها وتؤدي إلى حصول نوع من الإجماع بين الباحثين على اختلاف توجهاتهم النظرية ومرجعياتهم القيمية والفلسفية. وتكمن أهمية الإجماع في أنه يحد من مفعول العناصر الذاتية، ويضمن بذلك درجة عالية من الموضوعية.
ونظرا لأهمية الحل الذي اقترحه ماكس فيبر لمسألة الموضوعية في العلوم الإنسانية، قررنا أن نخصص له فقرة نتناول فيها بنوع من التفصيل تصوره لمسألة الموضوعية والحلول التي اقترحها من أجل إضفاء أكبر قدر من الموضوعية على البحث العلمي.
                 
(*) Edward Bryan Portis(1986),Max Weber and political commitment: Science, politics and personality.      Philadelphia: Temple University Press.
(**) Weber, Max. 1895/1994. “The Nations State and Economic Policy (Freiburg Address)” in Weber: Political
      Writings. ed./trans. P. Lassman and R. Speirs. Cambridge: Cambridge University Press.
(*) Weber: Political Writings (op. cit), Introduction by Lassman and Speirs
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 13 février 2008 3 13 /02 /Fév /2008 21:07

 

مسالة الموضوعية في العلوم الإنسانية
أحمد أغبال
                           I.      مسألة الموضوعية من وجهة نظر ماكس فيبر
أشرنا فيما سبق إلى أن ماكس فيبر يؤمن بوجود واقع موضوعي قائم بذاته، ويعترف في نفس الوقت بأن الوقائع الاجتماعية هي وقائع ذاتية من حيث أن لها دلالات خاصة عند الفاعلين الاجتماعيين؛ ومن هنا تطرح مسالة الموضوعية على اعتبار أن الباحث نفسه متورط في الواقع الذي يجعل منه موضوعا لبحوثه، وله مواقفه وقيمه الخاصة وتوجهاته الأيديولوجية والسياسية. فكيف يمكن والحالة هذه أن يتعامل مع الموضوعات التي يعالجها بطريقة موضوعية؟ هل باستطاعته أن يقوم بدراستها بنوع من التجرد والحياد؟ وهل يمكنه أن يتخلى عن التزاماته الأخلاقية والقيمية عندما يتناول بالدراسة والتحليل الوقائع الاجتماعية؟ وبعبارة أخرى، إذا كانت الموضوعية شرطا ضروريا من شروط البحث العلمي، وكان الباحث جزءا من الواقع الذي يقوم بدراسته، فكيف يتسنى له تحقيق هذا الشرط؟ ماذا تعني الموضوعية بالنسبة لماكس فيبر؟
ينطلق ماكس فيبر في بلورة موقفه من مسألة الموضوعية في العلوم الإنسانية من التمييز بين أحكام الواقع والأحكام المعيارية، بين القضايا التي تصف الواقع والقضايا المعيارية التي تعبر عن التوجهات القيمية للفرد. ويرى ماكس فيبر أنه يجب على الباحث أن يكون على وعي بهذه القضايا وألا يخلط بعضها ببعض حتى لا تؤثر أحكامه القيمية في تصوره للوقائع. ولكن الباحث كائن اجتماعي ينتمي بالضرورة إلى مجتمع معين وطبقة اجتماعية وفئة مهنية معينة لها ثقافتها وقيمها ومعاييرها الخاصة؛ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن تحليل الوقائع بعيدا عن تأثيرات القيم والمعايير الشخصية أو الطبقية أو المهنية؟ وهل يدل التمييز بين أحكام الواقع والأحكام المعيارية على أن الوقائع شيء وأن القيم شيء آخر؟ وكيف تتحدد العلاقة بين القيم والموضوعية؟ أم أن مبدأ الموضوعية لا ينطبق إلا على الوقائع؟
وقبل أن نقدم جواب ماكس فيبر عن هذه الأسئلة يجدر بنا أن نتوقف قليلا عند مفهوم الوقائع الاجتماعية أو القضايا التي تنطوي على حكم الواقع لبيان مدلولها حسب التعريفات الشائعة في العلوم الإنسانية. ولعل أكثر التعريفات تداولا للقضية التي تنطوي على حكم الواقع هو أنها القضية التي تحدد واقعة أو مجموعة من الوقائع الاجتماعية وتنسب إليها خاصية أو مجموعة من الخصائص والعلاقات. وتعتبر القضية صحيحة إذا كانت الواقعة التي تشير إليها تتوفر بالفعل على الخصائص المعبر عنها وتحكمها العلاقات التي تشير إليها. يمكن صياغة هذه القضايا على النحو التالي: [تكون لـ"أ" الخاصية "خ" في الزمن "ز"]، كقولنا: بلغ عدد السواح الذين زاروا المغرب سبعة ملايين ونصف المليون سائح عام 2007، أو كقولنا: توجد فروق جوهرية في مواقف الرجال ومواقف النساء من مسألة الحرية في المغرب. وتكون هذه القضايا صحيحة إذا توفرت البيانات التي تدعمها والتي جمعت بطريقة موضوعية.
ولكن المسالة ليست بهذه البساطة، لأن جمع البيانات يتطلب توفر الباحث على خطة لجمع البيانات وجهاز مفاهيمي قابل للأجرأة. لنفترض أننا نريد دراسة وتتبع تطور مستوى العيش لدى الطبقة العاملة في بلد ما بين فترتين زمنيتين محددتين. تتمثل الصعوبة هنا في أن مفهوم مستوى العيش فضفاض، ويحتاج في تحديده وقياسه إلى معايير ومؤشرات قد يختلف الباحثون حولها، يحتاج الأمر ببساطة إلى اتخاذ قرارات ترتكز بالضرورة على تأويلات مختلفة لمفهوم مستوى العيش وعناصره الأساسية في ضوء التوجهات القيمية للأفراد؛ ولذلك كان لابد أن تختلف تقديراتهم لمستوى العيش عندما ينظر إليه كل واحد من زاوية نظره الخاصة.    
ومن هنا تطرح مسألة العلاقة بين الموضوعية والوقائع والقيم؛ استرعت هذه الإشكالية اهتمام ماكس فيبر واستقطبت انتباه العديد من الباحثين من بعده وعلى رأسهم Edward Bryan Portis(*). يرى هذا الباحث بأن ما يميز موقف ماكس فيبر من المسألة المطروحة هو إيمانه بثنائية القيم والواقع، على الرغم من أنه كان يفضل إضمار موقفه هذا. وأما دليل بريان بورتيز على أنه كان يتبنى فكرة ثنائية القيم والواقع فهو تصريحه وإيمانه بأنه لا سبيل للعلم لدحض الأحكام المعيارية ولا مساعدة الناس على الاختيار بين التوجهات أو المنظومات القيمية أو المعيارية؛ ومعنى ذلك أنه ليس هناك معيار علمي للتمييز بين القيم أو ترتيبها حسب الأفضلية وبطريقة موضوعية. إن البحث العلمي لا يمكنه أن يقيم الدليل الموضوعي على تفوق قيم على أخرى أو نظام ديني أو سياسي أو اجتماعي على نظام آخر، ولا يمكن إصدار حكم متحرر من القيم بهذا الخصوص؛ ومعنى ذلك أن كل حكم من هذا القبيل لا بد وأن يستند فيه المرء على قيمه الخاصة، سواء أكان ذلك عن وعي أو عن غير وعي.
ولما كان من غير الممكن التحرر من القيم والمعايير، فإنه يتعين على الباحث أن يكون على وعي بقيمه وتوجهاته المعيارية، وأن يصرح بها قبل أن يشرع في تحليل الوقائع أو المقارنة بين مختلف النظم الاجتماعية. هذا هو الشرط الأساسي لتحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية في نظر ماكس فيبر؛ ولذلك دأب على التصريح في بداية بحوثه بقيمه ومعاييره ومثله العليا داعيا القارئ إلى الانتباه إلى دوافعه ومفاهيمه المعيارية وأهدافه ومقاصده، حيث نجده يمجد الحرية الفردية، والديمقراطية، والروح القومية، ونوعية الحياة في النظم الاجتماعية، وهي كلها من العناصر التي تندرج ضمن منظومة القيم البرجوازية. ويرى ماكس فيبر أن ثقافة المجتمع تؤثر في نظرة الباحث إلى موضوعه، وهو ما يدل عليه قوله في شرحه لقواعد منهج التحليل في الاقتصاد السياسي:
"يرتبط [هذا المنهج] بدافع من الدوافع الخاصة للنوع البشري المتضمنة في الطبيعة الإنسانية. إن الاقتصاد السياسي للدولة الجرمانية وكذا المعيار القيمي المعتمد من طرف المنظرين الاقتصاديين الألمان لا يمكن أن يكونا شيئا آخر غير السياسة الألمانية والمعيار الألماني"(**).
ويرى ماكس فيبر أن القيم التي يتبناها الباحث، سواء أكانت قيما ثقافية أو قومية أو إنسانية ليست متضمنة في موضوع الدراسة، كما أنها لا تمثل خاصية ينفرد بها سياقه، ولذلك أمكن التمييز، في نظره، بين القيم والوقائع؛ وهذا يعني أن التوجهات القيمية للباحث ليست مستمدة من موضوع البحث ولا من نتائج الدراسات السابقة؛ "الحقيقة، يقول ماكس فيبر، هي أن المثل التي ندرجها في موضوع العلم إن لم تكن غريبة عنه فهي ليست نتيجة من نتائجه" إنها توجد خارجه، متعالية عليه. ولا عيب في أن ينظر الباحث إلى موضوع بحثه من زاوية نظر معينة، في ضوء القيم والمعايير والمثل التي يتبناها، بل العيب في أن يضمرها ولا يصرح بها. تقتضي الموضوعية في نظر ماكس فيبر أن يكون الباحث على وعي بهذه العناصر الذاتية وأن يصرح بها، ويعمل بالتالي جاهدا للحد من تأثيرها على تحليلاته.
لا ينكر ماكس فيبر، إذن، على الباحث أن يتحيز إلى منظومة قيمية معيارية دون غيرها، بل يطالب الباحثين بالتصريح بها منذ البداية والتحكم فيها بعد ذلك حتى لا تؤثر في نتائج التحليل التي ينبغي أن تكون موضوعية إلى حد كبير. وتقتضي الحكمة في نظره أن يتم التمييز بين الذاتية والتوجه القيمي، ذلك أن التوجه القيمي الواعي لا يعني الذاتية بالضرورة ما دام الباحث قادرا على التحكم فيه. وما يأخذه ماكس فيبر على الباحثين من ذوي التوجه الماركسي هو أنهم وإن كانوا يصرحون بتوجههم الأيديولوجي فإنهم لا يقيمون بينه وبين تحليلاتهم وتقييماتهم المسافة الضرورية بدعوى أن أيديولوجيتهم علمية أو أنها نتاج البحث العلمي. والحال أن أية منظومة فيمية أو معيارية، سواء كانت ليبرالية ديمقراطية، أو شيوعية اشتراكية أو دينية، لا يمكن إثبات صحتها بالوسائل العلمية، ولذلك لزم التحرر منها خلال عملية التحليل لاعتبارات منهجية علمية.
وإذا كان ماكس فيبر لا يمانع في أن يتبنى الباحث المذهب الأيديولوجي الذي يختاره بحرية وأن يدافع عنه، فلماذا يطالبه بعد ذلك بالتحرر منه خلال عمليات البحث والتقصي والتحليل؟ أليس في الأمر مفارقة؟ لو كان السؤال طرح على ماكس فيبر لأجاب بأن الانتماء المذهبي المعياري لا يعني الذاتية بالضرورة ولا يلغي الموضوعية إذا توفرت الشروط السابقة الذكر،. وعلى الرغم من اعتقاده بعدم وجود معيار علمي يمكن من اختيار القيم "الصحيحة"، فإن ذلك لا يمنع الباحث من الدفاع عن القيم التي اختارها بسبب أن "التوتر القائم بين منظومات القيم المتنافسة ضروري للحيلولة دون حدوث ركود ثقافي"(*). ومع ذلك، فإنه يجب الاعتراف بأنه من الصعب جدا العثور على أدلة موضوعية للدفاع عن قيم ذاتية طالما أنه لا يوجد أي معيار علمي موضوعي لترتيب القيم حسب درجة الأفضلية، وهو ما يعترف به ماكس فيبر نفسه. وإنما يأخذ الناس بهذه المنظومة القيمية أو تلك لاعتبارات ذات صلة بالإيمان وبالأمور الميتافيزيقية أو شيء من هذا القبيل. ولذلك لا يمكن إيجاد حل للتوتر القائم بين منظومات القيم على أساس عقلاني، لأنها تتجاوز العقل.
فهل يعني ذلك أنه من المستحيل تأسيس علم موضوعي لدراسة الظواهر الثقافية والاجتماعية؟ إن رأي ماكس فيبر بهذا الخصوص هو أنه لا يوجد علم موضوعي مستقل استقلالا تاما عن أي منظور قيمي مهما كان نوعه. ومع ذلك ظل يؤمن على خلاف نتشه بأن الموضوعية ممكنة في العلوم الإنسانية، لكنها لا تتحقق إلا بعد أن يعلن الباحث صراحة عن المنظور الذي ينطلق منه. فعندما يصرح الباحث بقيمه ودوافعه ومقاصده يمكنه بعد ذلك أن يعمل على تحقيقها بالوسائل العلمية الموضوعية، وهذا ما يمكنه من إيجاد حلول ناجعة للمشكلات الاجتماعية؛ ومعنى ذلك أنه يمكن تحقيق الغايات التي لا يسندها دليل عقلي منطقي ولا دليل علمي موضوعي بالوسائل العقلانية والعلمية. يبدو في الأمر تناقض، ولكن الإبستمولوجيا المعاصرة تقر بأن العلم ينطوي بالضرورة على عناصر غير عقلانية أو عشوائية لم يقم الدليل يوما على صحتها. فالعلم، حسب طوماس كوهن، بما في ذلك العلم الطبيعي، لا يعدو أن يكون مجرد نظرة إلى العالم، تتغير بتغير المصادرات والمنظور الإرشادي الذي تؤسسه.
وبسبب الغموض وعدم اليقين اللذان يكتنفان أسس العلوم، سواء تعلق الأمر بالعلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية، كان من الضروري أن يلتزم الباحثون الصدق والأمانة والدقة في جمع البيانات وفي قول الحقيقة، وهو التزام أخلاقي لا مناص منه.    
 
 
 
 
     
 


(*) Edward Bryan Portis(1986), Max Weber and political commitment: Science, politics and personality. Philadelphia: Temple University Press.
(**) Weber, Max. 1895/1994. “The Nations State and Economic Policy (Freiburg Address)” in Weber: Political
      Writings. ed./trans. P. Lassman and R. Speirs. Cambridge: Cambridge University Press.
(*) Weber: Political Writings (op. cit), Introduction by Lassman and Speirs
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Catégories

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Février 2012
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29        
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés