Vendredi 1 janvier 2010 5 01 /01 /Jan /2010 23:07

تحليل نص لأفلاطون حول الفضيلة

أحمد أغبال

أجرت الباحثة مارالي هارل Maralee Harrell تجربة عبر سلسة من الدروس تندرج في المدخل إلى الفلسفة شملت 139 طالبا؛ وكان الهدف من هذه التجربة هو التحقق من الفرضية التالية: إن استعمال خطاطات الاستدلال الفلسفي يساعد على تنمية قدرة التفكير النقدي لدى الطلبة. وتوصلت إلى أن استعمال خطاطة الاستدلال يزيد من قدرة المتعلمين على الفهم والتحليل وتقييم البراهين والأدلة والتفكير النقدي([1]). سنقدم فيما يلي الخطاطة التي رسمتها الباحثة لأحد البراهين التي قدمها أفلاطون في محاورة مينون لإثبات أطروحته على لسان سقراط، وذلك تعميما للفائدة.  

تقديم النص

النص المقترح للتحليل هو الجزء الخامس من محاورة مينون تحت عنوان"عود إلى تحليل الفضيلة ونظرية الرأي الصائب". من المعلوم أن محاورات أفلاطون هي من نوع الخطاب الذي يمتزج فيه الأسلوب الجدلي الحجاجي بالأسلوب البرهاني المنطقي. وقد تنبه فيلسوف قرطبة، أبو الوليد ابن رشد، إلى هذه المسألة في شرحه واختصاره لـ"جمهورية" أفلاطون؛ وأسقط من المحاورة أبوابا كاملة بسبب كونها خطابية أو جدلية، يقول: "وأما المقالة الأولى من هذا الكتاب، فكلها أقاويل جدلية، وليس فيها برهان إلا ما كان عرضا.وكذلك فاتحة (المقالة) الثانية. ولذلك لم نفسر شيئا مما فيها"([2]). وسوف نقدم في خاتمة هذه المقالة مثالا من كتاب "الضروري في السياسة" يبين طريقة ابن رشد في التعامل مع نصوص أفلاطون وكيف ميز فيها بين الأسلوب الجدلي الذي يقوم على الحجاج والأسلوب البرهاني الذي يقوم على القياس المنطقي.   

 وبسبب هذا التداخل بين الأساليب الخطابية والجدلية والبرهانية في نصوص أفلاطون يكون من الصعب بالنسبة للقارئ المبتدئ أن يهتدي إلى الأطروحة التي يدافع عنها الفيلسوف وأن يكشف عن القضايا الاستدلالية التي تدعمها. وتزداد هذه الصعوبة لدى الأفراد الذين يعيشون في ظل ثقافة يطغى فيها البيان بحجاجه على الاستدلال والمنطق، حيث لا توجد كلمات تميز تمييزا واضحا بين فعل persuader وفعل convaincre. في هذا السياق، يصبح كل ما يفحم المخاطَبَ دليلا مقبولا سواء أكان مبنيا على أساس علمي رصين أو على أساس مغالطي. يبدو وكأن الإبستومولوجيا المهيمنة توجهها الروح المكيافيلية.

اختير هذا النص لكونه يلخص نتائج الفصول السابقة كلها، ويشتمل على جميع القضايا الاستدلالية التي تندرج في بنية البرهان، ويعلن عنها بوضوح أكبر. ومع ذلك، فإن الأسلوب الخطابي-الجدلي كثيرا ما يلقي بظلاله على الأسلوب البرهاني ويجعل من الصعب إدراك العلاقات بين القضايا. لم تكن وظيفة الأسلوب الخطابي-الجدلي في المحاورة هي الإقناع، وإنما كان الهدف منه، في المقام الأول، هو خلق الاضطراب في نفس مينون من خلال إيقاعه في التناقض، ودفعه إلى الشك في معتقداته كخطوة أولى لقبول نتائج البرهان.

وكان الغرض من اختيار هذا النص هو بيان أهمية الدور الذي يلعبه رسم خطاطة الاستدلال الفلسفي في بناء الدرس، من جهة، وفي تنمية القدرة على الفهم والتحليل والمناقشة والتفكير النقدي لدى المتعلمين، من جهة أخرى. وسوف نغتنم هذه الفرصة لبيان بعض الإجراءات المنهجية لتحليل النصوص الفلسفية.

صاغ أفلاطون الإشكالية التي كانت مطروحة في زمانه بوضوح تام في الفقرة الأولى من القسم الأول من محاورة مينون. ولقد جعلنا من هذه الفقرة مقدمة للجزء الخامس الذي قررنا معالجته. يتعلق السؤال الذي طرحه أفلاطون في بداية المحاورة، والذي لا يزال مطروحا حتى اليوم، بما إذا كانت الفضيلة تعلم أم لا تعلم. كان لهذه الإشكالية في زمانه بعد سياسي خاص إضافة إلى بعدها التربوي والأخلاقي. ذلك لأن من يتولى الحكم وتدبير شأن المدينة-الدولة اليونانية لم يكن له دائما من العلم قسط وافر. وانطلاقا من هذه الخلفية، كان لابد من طرح السؤال المتعلق بما إذا كانت للفضيلة علاقة بالعلم، من جهة، وبالظن الصحيح أو الحدس السليم، من جهة أخرى؛ وبعبارة أخرى، ما هو مصدر الفضيلة ؟ إن الجواب على هذا السؤال سيفضي بصاحبه منطقيا إلى إصدار حكم بخصوص من يتولون تدبير شؤون المدينة. فإذا كان مصدرها هو التربية والتعليم، لزم أن يكون الحكام من فئة الفلاسفة والعلماء. وإذا كانت الفضيلة على صلة وثيقة بالرأي السديد المبني على ضرب من ضروب الحدس فقط، فما هو منبعها الأصلي ؟ وإذا كان مصدرها شيئا آخر غير العقل، فإنه من المحتمل أن يكون مصدرها إلهيا. هذه هي أطروحة أفلاطون أو سقراط؛ وهي على ما يبدو، لا تنسجم تمام الانسجام مع النظرية السياسية لأفلاطون التي قضت بأن يكون حاكم المدينة الفاضلة فيلسوفا. ومهما يكن من أمر ذلك، فإن المهمة التي ما فتئت تشغل اهتمامنا تتعلق ببناء خريطة الاستدلال الفلسفي لنص مينون. ولسوف تيسر لنا هذه العملية الإجراءات المتعلقة بمناقشة الأطروحة الأفلاطونية وبيان مدى أهميتها وحدودها.

بناء خريطة الاستدلال كوسيلة لتنمية القدرة على التفكير النقدي

تعتبر تنمية التفكير النقدي أحد الأهداف الرئيسية للعملية التعليمية-التعلمية. ويستلزم التفكير النقدي امتلاك العديد من القدرات وفي مقدمتها الفهم، والتحليل، وتقييم الأدلة والبراهين وأساليب الاستدلال. ولذلك يمكن القول: إن القدرة على التفكير النقدي هي قدرة بالغة التعقيد وصعبة المنال. يرى بعض الباحثين ممن يهتمون بدراسة وتطوير طرق وأساليب تدريس الفلسفة أن رسم خريطة الأدلة الفلسفية هي من أكثر طرق التدريس فعالية لأنها تيسر الفهم والتحليل والتقويم، وتساعد بالتالي على تنمية القدرة على التفكير النقدي.

يعرف الاستدلال الفلسفي بأنه سلسلة من القضايا تمثل القضية الأخيرة فيها النتيجة وتسمى القضايا السابقة بالمقدمات التي تدعم الحصيلة النهائية. وأما خريطة الاستدلال فهي عبارة عن رسم بياني بشخص القضايا ويبين العلاقات المنطقية الاستدلالية التي تربط بعضها ببعض.

في محاورة مينون، مثلا، حاول أفلاطون أن يبرهن على لسان سقراط أن الفضيلة هبة من الله. هذه هي الأطروحة التي حاول الدفاع عنها أمام خصومه والتي ستصبح هي نتيجة البرهان. فما هي القضايا التي تدعمها ؟ وكيف تنتظم وتتسلسل ؟ لابد من الاعتراف بأن اكتشاف كيفية تسلسل القضايا مهمة صعبة بالنسبة للتلميذ، لأن الطبيعة الخطابية للنص تلقي بظلالها على بنية البرهان وتحيطها بنوع من اللبس والغموض، وتخلق الارتباك لدى القارئ. ولذلك لزم أن يكون هدف القراءة في لحظة أولى هو عزل القضايا التي تندرج في بنية البرهان. يتطلب تحقيق هذا الهدف امتلاك القدرة على التمييز والانتقاء. ومن المؤشرات الدالة على وجود أو عدم وجود هذه القدرة، هو تصور القارئ للقراءة. تكمن أهمية التصور في أنه يوجه السلوك؛ فإذا نظر القارئ إلى القراءة على أنها عملية انتقائية، يكون قد وفر لنفسه إمكانية تنمية القدرة على الانتقاء. يدل مفهوم الانتقاء، من وجهة نظر علم النفس المعرفي، على القدرة على توجيه الانتباه نحو المعلومات الأساسية وحفظها في الذاكرة القريبة المدى أو النشيطة. وعندما يتعلق الأمر بنص فلسفي، فإن المعلومات الأساسية هي القضايا التي تتشكل منها بنية البرهان. ويكون من الصعب على القارئ اكتشاف هذه القضايا ما لم يكن قد اكتسب القدرة على التمييز بين العبارات الخطابية والقضايا الأساسية التي تدعم أطروحة الكاتب.

ومن هنا تأتي أهمية التفكير الاستراتيجي الذي يستهدف الكشف عن القضايا الأساسية، ويعيد تركيبها في شكل ملموس يبرز بنية البرهان. وعندما تتضح بنية البرهان يكون من السهل تقييمها وإخضاعها للنقد. تلك، إذن، هي مراحل منهج تنمية وتطوير التفكير النقدي، وتحتل فيه القدرة على رسم خريطة القضايا الاستدلالية التي تظهر عناصر البرهان وعلاقاتها بشكل ملموس موقعا مهما للغاية. وهذا نموذج يمثل خريطة القضايا الاستدلالية التي تكشف عن بنية البرهان في نص مينون.

Nouvelle image (1).jpg

اقرأ الخطاطة في اتجاه السهم، بدءا بالمصادرتين: "يمكن تعليم شيء ما إذا كان له معلم" هذا مبدأ عام؛ "لا يوجد معلمون للفضيلة" هذه ملاحظة أو حكم من واقع الحياة.      

يتوقع أن يساعد اكتساب مهارة رسم خريطة القضايا الاستدلالية التلاميذ والطلبة على تنمية قدراتهم على تحليل ومناقشة أساليب البرهان الطويلة المعقدة، بحيث يمكن القول إنه كلما ازدادت القدرة على رسم هذه الخريطة إلا وازدادت القدرة على التعامل مع هذا النوع من البراهين. يرى الباحثون المتخصصون في مجال التربية أنه يكون من الصعب على التلاميذ والطلبة التعامل مع البراهين التي تثير لديهم نتائجها ردود فعل عاطفية-وجدانية قوية لاعتبارات دينية أو اجتماعية أو أيديولوجية أو غيرها. ويتوقع أن تساعد القدرة على رسم خريطة القضايا الاستدلالية التلاميذ على التعامل مع هذه البراهين بهدوء وموضوعية أكبر. ويتوقع في النهاية أن تساعد تنمية هذه المهارة التلاميذ على تطوير قدرتهم على الكتابة الإنشائية.

تمييز ابن رشد بين الجدل والبرهان في نصوص أفلاطون

قال ابن رشد:
        "فقد تبين من اختصار هذا القول مراتب هذه المدن و[مراتب] السعادة، والشقاء، ومراتب الولاة فيها، وأن أسعدهم هو الملك [الفاضل..]، كما أن أشأمهم هو وحداني التسلط.

"فهذا ما يراه أفلاطون في تحول تلك المدن وأهلها، وتحول بعضها إلى بعض. ولقائل أن يقول: إن كان الأمر كما ظن، من أن في هذه المدن ما يشبه الطرفين المتقابلين، وهما السياسة الفاضلة وسياسة وحدانية التسلط، وفيها ما يشبه الوسط بين المتقابلين، فإنه لا يلزم أن يكون ما تؤول إليه المدن على ذلك الترتيب (الخماسي الذي ذكره أفلاطون: الحكم الدستوري ملكية أو أرستقراطية، التيمقراطية أو الكرامية أي السعي وراء المجد، الأوليغارشية أو حكم القلة من الأغنياء، والديمقراطية مدينة الحرية والفوضى، والطغيان وحدانية التسلط). وإنما هذا يوجد في الأشياء الطبيعية، إذ الطبيعة هي التي من شأنها أن يأتي المتقابلان [فيها] عن طريق الوسائط. وأما هذه الأمور، وهي إرادية كليا وجميع هذه الطبائع، أعني التي وصفنا، توجد في هذه المدن، فكيف أمكن لكل مدينة منها أن تتحول إلى أخرى ؟

"قلنا: إن الذي قاله أفلاطون لاشك أنه ليس ضروريا، إنما هو الأكثر. وسبب هذا هو أن السياسة القائمة لها أثر في إكساب الناشئ عليها خلقا ما، وإن كان منافيا لما طبع عليه من التهيؤ للأخلاق، ولذلك صار ممكنا أن يكون معظم الناس فاضلين بالفضائل الإنسانية، وناذرا ما يمتنع ذلك. وقد تبين هذا في الجزء الأول من هذا العلم، إذ قيل هناك إن طرق بلوغ الفضائل العملية هو التعود، كما أن طريق بلوغ العلوم النظرية هو التعليم. ولما كان ذلك كذلك، فإن تحول الإنسان من خلق إلى خلق إنما يكون تابعا لتحول السنن ومرتبا على ترتيبها. ولما كانت النواميس، وخاصة في المدينة الفاضلة، لا تتحول من حال إلى حال فجأة، وهذا أيضا من قبل الملكات والأخلاق الفاضلة التي صار على نَهْجِهَا أصحابها وربوا عليها، وإنما تتحول شيئا فشيئا، وإلى الأقرب فالأقرب. كان تحول الملكات والهيئات بالضرورة على ذلك الترتيب حتى إذا فسدت النواميس غاية الفساد، برزت هناك الأخلاق القبيحة غاية القبح.

"ويتبين لك ذلك مما طرأ عندنا من الملكات والأخلاق بعد العام الأربعين [540هـ] لدى أصحاب السيادة والمراتب. وذلك أنه لما انقطعت أسباب السياسة الكرامية التي نشأوا عليها، صار أمرهم إلى الدنيويات التي هم عليها الآن، وإنما يثبت منهم على الخلق الفاضل من كانت به فضيلة الشريعة القرآنية، وهم فيهم قلة.

"ولما انتهى أفلاطون من القول في هذا، أراد كذلك أن يقيس بين اللذات الحاصلة لكل واحد من هؤلاء، لأن هذا من تمام المقايسة بينهم – وبهذا ينقضي كلامه في الأجزاء الضرورية من هذا العلم الذي قصدنا نحن بيانه – فشرع يقول: لما كانت أخلاق النفس تتوزع على ثلاثة أصناف [من الرجال]، وكذا الحال في المدن: النوع الأول المحب للحكمة، والثاني الغضبي، إما بالعفة فيكون كراميا، وإما بالإفراط فيكون متسلطا، والثالث الشهوي المحب للربح، كانت أنواع اللذات هي بالضرورة ثلاثة أصناف، لكل واحدة من هذه، لأنه قد تبين أن هذه اللذات كالظل [لكل واحد منهم].

"بدأ أفلاطون مستعملا الأقاويل الجدلية لبيان أي من هذه اللذات أفضل، وذلك أنه قال: كل واحد من أصحاب هذه اللذات الثلاث يجد أنه إنما يختار اللذة التابعة لسلوكه، وبعد ذلك عمل موضعا مشهورا(=أسلوب من أساليب الجدل) من المواضيع المذكورة في الثاني من كتاب طوبيقا، وهو كتاب الجدل، وقال: إلا أن ما يفضله صاحب الفلسفة والعلم هو أفضلها، وأكد ذلك الموضوع بأن قال: وذلك أن صاحب الفلسفة والعلم هو الذي عنده الآلتان اللتان بهما تنتظم الأمور، وهما التجربة والقياس. وصاحب الفلسفة هو الذي يتفق له وحده أن يرتب هذه اللذات الثلاث بالتجربة والقياس. أما بالتجربة فذلك لأنه هو الذي سبق أن ذاق تلك اللذات منذ طفولته، وأما الآخرون، فإنهم لم يذوقوا لذة الحكمة أصلا. وأما أن صاحب الحكمة هو الذي يمكنه أن ينهج نهج البرهان فهذا بين بنفسه. فنحن نرى العامة إنما يتذكرون اللذات حينما يقرنونها بأضدادها، فيقولون في وقت المرض أن الصحة هي ألذ الأشياء، ويقولون حين الحاجة إن الاستغناء [الثراء] هو ألذ الأشياء. والأشياء اللذيذة بما هي لذيذة لا يلزم أن يسبقها ضد، مثال هذا: الإبصار وغير ذلك، لكن أشرف اللذات هي التي على غير هذه الصفة، ولذلك كانت توجد على أكمل وجه. وأفلاطون أطال في هذا الغرض، أعني في بيان جهل من سوى الفلاسفة بالحكم على اللذات، وقدرة الفلاسفة على فعل هذا. ومع كل هذا لا يصل بهذا القول إلى أن يكون برهانيا، فنتركه ونأخذ بما قاله بعد ذلك – مما يبدو أنه برهاني، وكان قد استعمل في هذا قولا آخر- وهو هذا:

"قال: إن الجوع والعطش إفراغ للجسم وفراغ يعرض له. كذلك الجهل وعدم المعرفة إفراغ للنفس وفراغ لها. ولما كان ذلك كذلك فهما رجلان يمتلئان، أعني الذي يتناول الطعام والذي يكتسب المعرفة. والملء الحقيقي هو في الشيء الأشرف، وهو (العقل) أشرف شيء في الوجود، وهو الأكثر حضورا والأكثر حقيقة. والأشياء إنما تتفاضل في هذا الأمر تبعا لقربها من الأشياء الأزلية ذات الوجود الخالص، الدائمة البقاء.

"ولما كان ذلك كذلك، فالشيء الذي به تمتلئ النفس هو الأقرب إلى الحقيقة من الشيء الذي يملآ الجسد. والنفس أقرب إلى جوهر تلك الأشياء [الأزلية] من الجسد، وخاصة إذا كان إدراكها إدراكا أزليا. وبما أن الملء، أعني الإدراك، يكون لذيذا بالجملة، فإن الذي يدرك ما هو في جوهره أفضل وأقرب إلى الحقيقة وأولى بالدوام، فله، بالضرورة، أفضل اللذات. وكذلك لذة العقل مع سائر اللذات، لأن اللذات هي سريعة الفساد إذا ما خالطتها الأضداد، ولذة العقل ليس لها ضد، فهي خالدة أزلية، وأما إن فسدت، فذلك لتغير طرأ عليها. وهذا لعمري هو القول البرهاني، لا الذي سبق.

"ثم قال أيضا: أما معظم لذات العقل، فإنها تصير أفضل بفعل العقل لها، وما كان سببا في وجود أمر ما أفضل، فهو أفضل، ولما كان ذلك كذلك، فالحكيم هو الذي يدرك جميع اللذات على أفضل ما تكون عليه. وهذا لعمري حق، غير أن القول الذي قال فيه إن كل ما كان سببا في كون شيء على الصفة الأفضل، هو أفضل، هو قول مشهور، وإن لم يبين ذلك. وجالينوس لجهله بالطرق المنطقية، يظن أن هذه كلها أقاويل برهانية. والقول البرهاني، في المقايسة بين هذه اللذات، إنما هو القول السابق لهذا"[1]

أسئلة حول النص

1.     يقول ابن رشد: " وأفلاطون أطال في هذا الغرض، أعني في بيان جهل من سوى الفلاسفة بالحكم على اللذات، وقدرة الفلاسفة على فعل هذا. ومع كل هذا لا يصل بهذا القول إلى أن يكون برهانيا". ما لذي يبرر هذا القول ؟ لماذا اعتبر ابن رشد القول السابق قولا غير برهاني ؟

2.     أورد ابن رشد بعد ذلك قولا لأفلاطون اعتبره برهانيا، حاول أن ترسم لهذا القول خريطة القضايا الاستدلالية.

 

 


([1]) ابن رشد المصدر السابق، ص. 203-206



 


 

([1])  Maralee Harrell. “Using Argument Diagrams to Improve Critical Thinking Skills”, in Introductory

     Philosophy. Carnegie Mellon University, Department of Philosophy 135 Baker Hall, Pittsburgh, PA, 15213

 

 

  ([2])  ابن رشد. الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. نقله عن العبرية إلى العربية الدكتور أحمد شحلان. مركز دراسات

      الوحدة   العربية. الطبعة الثانية بيروت 2002. ص. 208.

 

 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Jeudi 26 novembre 2009 4 26 /11 /Nov /2009 14:08

تأثير خطاب الأزمة على الروح المعنوية للمتعلمين

أحمد أغبال

(نص المداخلة التي ألقيتها في الندوة التي نظمتها "جمعية بلا حدود" بمدينة مكناس)

من الصعب تحديد مفهوم الأزمة. هناك تضارب في تصورات الباحثين والخبراء لما يوصف بحالة الأزمة. ويرجع السبب في ذلك إلى اختلاف المقاربات التي ينطلقون منها لتحليل أسبابها وآلياتها، وتشخيص أعراضها، وبيان النتائج المترتبة عنها. وعندما يتخطى الحديث عن الأزمة حدود دائرة الخبراء والأكاديميين والمعنيين المباشرين بها (رجال المال والأعمال ومؤسسة الدولة) لينتقل إلى العموم في شكل خطاب أيديولوجي تكون للأزمة تداعيات غير متوقعة على المستوى السيكولوجي لدى الجمهور. ويشكل الناس عنها تصورات خاصة بهم، وتكون لهذه التصورات آثار سلبية وأحيانا مدمرة على علاقتهم بالمؤسسات التي يتعاملون معها. تسعى هذه المداخلة إلى تسليط الضوء على النتائج المترتبة عن "خطاب الأزمة" العالمية الراهنة في ما يتعلق بعلاقة مختلف مكونات المجتمع بالنظام التعليمي. تتلخص المداخلة في الإجابة على السؤالين التاليين:

-         ما هي الكفايات المطلوبة في عصر المعلومات والعولمة الذي يتميز بالتغيرات السريعة والغموض وعدم اليقين ؟

-         ما هي العوائق التي تحول دون اكتساب هذه الكفايات في سياق ما بات يعرف بالأزمة العالمية التي ليست في جزء منها سوى التعبير الصارخ عن خصائص عصر المعلومات والعولمة السابقة الذكر؟  

 

1.    تعريف مفهوم الأزمة

اسمحوا لي أن أبدأ بتحديد الدلالة اللغوية لكلمة "أزمة" التي تستعمل الآن في اللغة العربية كترجمة لكلمة "crise" الفرنسية أو "crisis" الإنجليزية. يرجع أصل هذه الكلمة في اللغات اللاتينية إلى كلمة "krisis" التي كانت تستعمل في اللغة اليونانية القديمة للإشارة إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور وضعية ما يكون فيها من الضروري اتخاذ القرار المناسب للمرحلة الجديدة. تحيل الكلمة الأصلية (krisis) في اللغات اللاتينية على فكرة التطور أو التغير، وفكرة اتخاذ القرار المناسب لكل مرحلة مراحل التطور أو التغير؛ وهذا شيء مهم للغاية من حيث أن لهذه الدلالة قيمة منهجية كبيرة، كما سيتبين لنا ذلك بعد قليل.

ولكلمة "أزمة" في اللغة العربية، حسب تعريف ابن منظور لها في قاموسه "لسان العرب"، معنى خاصا له علاقة بمشاعر القوم إزاء عوادي الدهر والتقلبات المناخية في المناطق الصحراوية. نقرأ في "لسان العرب" ما يلي:

"والأَزْمُ: الجَدْبُ والمَحْل".

وقال ابن سيده: "الأَزْمة الشدّة والقَحْط، وجمعها إِزَمٌ"  

ويقال أيضا "الأَزْبَةُ"، وهي مرادف "الأَزْمةِ"، "وهي الشّدَّةُ، وأَصابتنا أَزْبَةٌ وآزِبةٌ أَي شدَّة"

"ويقال: نزلتْ بهم أَزامِ وأَزُومٌ أَي شدَّة. والمُتَأَزِّمُ: المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزمان؛ أَنشد عبد الرحمن عن عمه الأَصمعي في رجل خطَب إِليه ابنَته فردَّ الخاطِبَ: قالوا:

تَعَزَّ فَلَسْتَ نائِلَها،

حتى تَمَرَّ حَلاوَةُ التَّمْرِ

لَسْنا من المُتأَزِّمينَ، إِذا

فَرِحَ اللَّمُوسُ بثائبِ الفَقْرِ

أَي لَسْنا نُزَوِّجك هذه المرأَة حتى تَعود حَلاوةُ التَّمْر مَرارةً، وذلك ما لا يكون. والمُتَأَزِّمُ: المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزَّمان وشدَّتِه، واللَّمُوسُ: الذي في نَسَبه ضَعَةٌ، أَي أَن الضعيفَ النسَب يفْرَح بالسَّنة المُجْدبة ليُرْغَب إِليه في ماله فيَنْكِحَ أَشْراف نِسائهم لحاجَتهم إلى ماله".

وفي الحديث: اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي، قال: الأَزْمَة السَّنة المُجْدِبة. يقال: ِإن الشدَّة إِذا تَتابَعت انفرجت وإِذا تَوالَتْ تَوَلَّت. وفي حديث مجاهد: أَن قُرَيْشاً أَصابَتْهم أَزْمةٌ شديدةٌ وكان أَبو طالب ذا عيالٍ. والأَوزامُ: السِّنُون الشدائد كالبَوازِم. وأَزَمَ عليهم العامُ والدهرُ َأْزِمُ أَزْماً وأُزُوماً: اشتدّ قَحْطُه، وقيل: اشتدَّ وقَلَّ خَيرُه؛ وسنة أَزْمَةٌ وأَزِمَةٌ وأَزُومٌ وآزِمةٌ؛ قال زهير: إِذا أَزَمَتْ بهم سَنةٌ أَزُوم"

تحيل كلمة "أزمة" في اللغة العربية إلى الحالة النفسية التي يوجد عليها الناس في مواجهتهم لظروف القحط في صحراء مترامية الأطراف. ولما كانت سنوات القحط تتكرر بكثرة وبنوع من الانتظام، اكتسبوا القدرة على الصبر والتحمل، وهو ما يشير إليه الحديث الذي نسبه ابن منظور إلى النبي (ص): "اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي"، وكذا القول المأثور الذي أورده بعد ذلك: " ِإن الشدَّة إِذا تَتابَعت انفرجت وإِذا تَوالَتْ تَوَلَّت". وهو ما يدل على قدرة أهل الصحراء على التكيف مع ظروف الأزمة بالمعنى المشار إليه في هذا السياق.

ولدلالة الأزمة في اللغة العربية أهمية كبيرة من الناحية النظرية في ما يتعلق بفهم ردود الفعل العاطفية-الوجدانية إزاء ظروف الأزمة كما يتصورها الناس.

يمكن القول في ضوء ما سبق، إنه إذا كانت كلمة "أزمة" في اللغة اليونانية تحيل، في المقام الأول، إلى ما يجري في العالم الخارجي، فإنها تشير في دلالتها اللغوية العربية، قبل كل شيء، إلى ما يجري في العالم الداخلي. يمكن النظر إلى هاتين الدلالتين على أنهما متكاملتان، تساعدان معا على الإحاطة بمختلف ظواهر الأزمة وأبعادها في عالمنا المعاصر.

وأما فيما يتعلق بالدلالة الاصطلاحية لمفهوم الأزمة، فإنه يحيل، حسب تعريف إدغار موران، على الوضعية التي يكون فيها من المستحيل اتخاذ قرار ما)[1](. يصف هذا المفهوم الانقطاع الحاصل في تطور ظاهرة ما بحيث يصبح من الصعب اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، أي قبل أن تتفاقم الإختلالات الحاصلة في النظام.

2.   المقاربات النظرية للأزمة

هناك مقاربتان أساسيتان لتفسير ظواهر الأزمة، وهما: المقاربة الحدثانية التي تركز على أعراض الأزمة، وتنصب على تحليل طبيعة المعلومات ذات الصلة بالحدث العارض المتعلق بالأزمة وبنتائجه التي لم تعد تخفى على أحد، والمقاربة الإجرائية التي تضع الأزمة في سياقها المتعدد الأبعاد من أجل توفير المعلومات لمراكز القرار حول جذور الأزمة وديناميتها.

تنظر المقاربة الحدثانية إلى الأزمة على أنها حدث مفاجئ وصادم يكون من الصعب التمييز بينه وبين الحدث العارض الذي رافق بروزها والذي يتسبب في ظهور بعض الأعراض في زمان معين ومكان محدد. وما يميز الأزمة بهذا المعنى هو طابعها المفاجئ، وعشوائيتها، وخروجها عن دائرة الاحتمال والتوقع، وعدم اليقين، وشح المعلومات عنها. وبسبب هذه الخصائص يكون وقعها على النفس قويا، وتتسبب في التوتر والقلق والضغط النفسي والارتباك، مما يجعل اتخاذ القرار أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا. ولذلك يتم التركيز في تناولها على الأحداث العرضية التي تفجرها والأعراض المترتبة عنها.

وإذا كانت المقاربة الحدثانية تركز في تناولها للأزمة على الجوانب العرضية غير المتوقعة أو غير المحتملة الوقوع، فإن المقاربة الإجرائية تنطلق من رصد الإختلالات الوظيفية الخفية من أجل التكهن بالأزمة ومعالجتها قبل وقوعها. تنطلق هذه المقاربة من مصادرة مفادها أن كل نسق معرض للاختلال وفقا لقانون الأنثروبيا الذي يمثل النزعة التدميرية في مختلف أنواع النظم الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية أو البيولوجية. يدل هذا القانون على أن الاختلال والقابلية للتعرض للمخاطر شيء طبيعي في كل نسق من الأنساق مهما كان نوعه. ولذلك فإن توقع الأسوأ يساعد على تفادي الصدمة ويزيد من قدرة الفاعلين على مواجهة التحديات، ويعزز قدرتهم على التحمل والصمود والتكيف مع الظروف المتقلبة مثلما هو الحال بالنسبة لسكان الصحراء.

تنظر المقاربة الإجرائية إلى النظم الاقتصادية الحديثة على أنها نظم بالغة التعقيد، معرضة بحكم درجة تعقدها العالية للمخاطر. تتألف هذه النظم من عدد لا حصر له من العناصر المتفاعلة فيما بينها. وبسبب الترابط العضوي التفاعلي بين هذه العناصر، فإن الاختلالات عندما تظهر يؤثر بعضها في بعض، مما يؤدي إلى تفاقمها وانتشار لهيبها بسرعة مذهلة ليشمل كل مناحي النسق. ومن خصائص النظم الحديثة أيضا الارتفاع المتزايد في وتيرة التغير، مما يتسبب في الغموض وعدم اليقين. ولذلك يفترض أن تكون أسباب الأزمة ملازمة للنظم الحديثة وإن كانت خفية وغامضة، ويتوقع أن تكون لها آثار مدمرة على المستويات التقنية والاجتماعية والنفسية؛ ويكون من اللازم أن يكتسب الإنسان الذي يعيش في كنف هذه الأنساق المعقدة الشديدة الحركية والتغير، المتسمة بالغموض وعدم اليقين، قدرة كبيرة على التكيف ومواجهة الصعوبات.

3.   الكفايات المطلوبة في عصر المعلومات والعولمة

التكيف، إذن، أو التهميش وتفكك الشخصية والروابط الاجتماعية. ومن هنا يبرز دور الأنظمة التعليمية في بناء الشخصية القادرة على التأقلم مع الظروف المتغيرة التي تتميز،  إضافة إلى ما ورد ذكره آنفا، بالمنافسة الشديدة بين الأفراد والمنظمات والدول. فما هي المهارات المطلوبة في زمن العولمة والتغيرات السريعة والغموض وعدم اليقين ؟

يمكن تقسيم هذه المهارات إلى ثلاثة أنواع، وهي المهارات المعرفية والمهارات فوق المعرفية، والمهارات البيشخصية أو الاجتماعية ذات الصلة الوثيقة بالمهارات فوق المعرفية.

تشمل المهارات المعرفية ما يعرف بالمهارات الأساسية كالقراءة والحساب، والمهارات العقلية كالقدرة على الحفظ والتذكر، والفهم، والتحليل، والتركيب، والحكم، والاستقراء، والاستنباط، والقدرة على حل المشكلات إلى غير ذلك من المهارات التي لم تعد تخفى على أحد. تندرج هذه المهارات ضمن ما يسمى بالجهاز المعرفي. ويشمل هذا الجهاز القدرة على جمع المعلومات، وتنظيمها، ومعالجتها، وتأويلها، وتقييمها، واستعمالها، وتبليغها للآخرين، وهو ما يتطلب استعمال أجهزة الكمبيوتر لمعالجة المعلومات، والقدرة على التعامل مع النظم التكنولوجية، وفهم النظم الاجتماعية وهياكلها التنظيمية.

يرى المختصون في مجال علم النفس المعرفي أن هذا الجهاز لا يشتغل من تلقاء نفسه، وإنما يخضع في اشتغاله لجهاز آخر يتحكم فيه، وهو الجهاز فوق-المعرفي. يتألف هذا الجهاز من مجموعة من العناصر الإبستيمية وغير الإبستيمية، كالقدرة على التخطيط وتحديد الأهداف والاستراتيجيات، والحوافز، والقدرة على ضبط النفس، والثقة في القدرات الذاتية أو الفعالية الذاتية، والاعتبار الذاتي، والقدرة على بذل المجهود، والقدرة على الصبر والتحمل ومواجهة الصعاب، وروح المسئولية، ومحاسبة النفس.

وأما المهارات البيشخصية فتشمل العمل بروح الفريق، ويتجلى ذلك من خلال القدرة على التعاون مع الآخرين لحل المشكلات، واتخاذ القرارات، وتحقيق الأهداف من خلال العمل الجماعي، والقدرة على تعليم المهارات الجديدة للآخرين وإرشادهم وتوجيههم، والقدرة على خدمة الآخرين، ويتطلب ذلك التوفر على المهارات القيادية، ومهارات التفاوض والإقناع، والقدرة على التعامل مع أشخاص ينتمون إلى مختلف الثقافات والبيئات الاجتماعية. تمثل هذه المهارات السياق الاجتماعي الذي يحدد المستوى الأمثل لنمو القدرات فوق-المعرفية، التي تحدد بدورها مستوى نمو القدرات المعرفية ودرجة فعاليتها في أداء وظائفها.

يتبين من هذا التحليل بأن العقل هو قبل كل شيء نتاج اجتماعي، ويتأثر سلبا أو إيجابا بما يجري في الواقع الاجتماعي-الثقافي.

دعونا الآن نتأمل في ضوء هذا التحليل الآثار المحتملة لـ"خطاب الأزمة" على الفاعلين في الأنظمة التعليمية. الملاحظ أن هذا الخطاب يميل إلى التركيز أكثر على الأعراض عندما يخرج إلى العموم من دوائره المغلقة، فيتحول على الفور إلى خطاب الرعب، ويزرع الخوف من المستقبل في نفوس المتعلمين والمعلمين على حد سواء، وتنتشر مشاعر التشاؤم واليأس على نطاق واسع، وتموت الحوافز المدرسية لفقدان الأمل في الارتقاء الاجتماعي الذي يجعل منه معظم الأفراد الغاية من دراستهم. ذلك لأن الغاية من الدراسة لدى الغالبية العظمى من المتعلمين لم تعد تتمثل في تحقيق الذات من خلال تنمية القدرات الذاتية، بل في الحصول على الوظيفة التي أصبحت محط منافسة قوية. يؤدي تنامي الاتجاهات السلبية تحت تأثير خطاب الأزمة إلى إضعاف القدرات فوق-المعرفية ومن ثمة كبح الجهاز المعرفي وتعطيل قدراته. وتكون النتائج بالنسبة لمن وضع هدف الدراسة خارج الذات عكسية؛ لأن القدرة على التكيف في زمن المعلومات والعولمة تتطلب توفر الفرد على قدرات عالية جدا.    



([1])  Morin, E. Pour une crisologie, Connexions, vol.25, p.149-163   

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Dimanche 17 mai 2009 7 17 /05 /Mai /2009 00:57

مبادئ الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا

أحمد أغبال

تقوم الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا على مصادرة أساسية مفادها أن الأنظمة السياسية ليست أنظمة طبيعية بل هي أنظمة مبتكرة، صنعها الإنسان من أجل تحقيق بعض الأهداف. ويرتبط عنده الدافع إلى تأسيسها بالطبيعة الإنسانية. تتحدد فلسفته السياسية، إذن، بتصوره للطبيعة الإنسانية، منها استنبط مبادئها وغاياتها، وعليها أسس مفهومه لطبيعة النظام السياسي الصالح للبشر. ولذلك لزم البدء بالتعريف بتصور سبينوزا للطبيعة الإنسانية.

1.     تصور سبينوزا للطبيعة الإنسانية

سار سبينوزا على نهج هوبز في بناء فلسفته السياسية. كلاهما انطلق من فكرة أن الأهداف والغايات السياسية تستنبط من الطبيعة الإنسانية كما هي في الواقع لا كما ينبغي أن تكون. تمثل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أن بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأما المبدأ الأساسي الذي يتحكم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبر عنه سبينوزا بقوله: "كل شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد:

"ولما كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنه بقضي بأن يحب كل امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا ويرغب إلا بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكل تأكيد، بأن يكافح كل فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أن هذا الأـمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أن الكل أكبر من الجزء"[1]

إن قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيا بامتياز. هذا هو تصور سبينوزا للإنسان: إنه أناني بطبعه.  تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنها عبارة عن مبدإ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. ومما يلزم عن هذا المبدإ أن يتصرف كل امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة.

وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهلا – بالفطرة -  لأن يكون لغيره عدوا. وإذا تصورناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإن وضعه لا بد أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبيونوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله:

"..يتحدد الحق الطبيعي لكل إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهلا طبيعيا للتصرف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إن جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلا أنهم يكونون في غضون ذلك مضطرين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلة غير تابعة لغيرها[=متحررة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنور مثلما أن القط ليس مضطرا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمة في طبيعة الأسد. ومن ثمة، فإن كل ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوة انفعالاته، يكون له الحق المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوة أو التحايل أو التوسل أو أية وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنه لابد أن ينظر إلى كل من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنه عدو له"[2]  

في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرف في ضوء العقل السليم، لأن معظم تصوراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أن الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أن لكل موجود حق مطلق على ما يقع في نطلق قدرته، وأن كل شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوة من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإن كل من يتصرف وفقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقه الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، و"تمتد حقوق الفرد إلى الحد الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]"

ولما كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أن الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإن هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوة. لا حق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.

وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا:

"من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب"

ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا:

"إن الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية"

ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى. ولكن القوة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوة تتعطل آليات الكاناتوس وتتقلص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع.  

إن الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأن التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل فرد. فإذا كان العقل يحث الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإن الغرائز الشهوانية تدفع كل فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلبت الغرائز على العقل، أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد.

نخلص من ذلك كله إلى القضية التالية: الشهوة تفرق الشمل والعقل يجمعه. إن للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنه يمثل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأما الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنه من شأنها أن تقوض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد:

"إنه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنهم أكثر قوة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولما كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوا"

الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمر للوجود البشري. إن الصراع، بطبيعته المدمرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأما يجعل الإنسان قادرا على تجنب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع.

2. أهمية السلطة السياسية ودورها في حياة الإنسان

لا يشك سبينوزا في أن الاسترشاد بالعقل هو السبيل الأمثل للخلاص، ما دام كل فرد يرغب في التخلص من القلق الناتج عن العيش في مناخ يزخر بمشاعر الحقد والكراهية والصراع؛ هذا فضلا عن أن انعدام التعاون بين الناس يجبرهم على العيش في فقر مدقع وخوف رهيب. واهتدى الناس، من خلال استرشادهم بالعقل، إلى ضرورة بناء مجتمع على أساس نوع من التعاقد يفوض فيه كل فرد حقوقه الطبيعية للجماعة. يقول سبينوزا:

"يتبين لنا بوضوح تام أنه من اللازم أن يتوصل الناس إلى اتفاق للعيش مع بعضهم البعض في أمان وعلى أفضل نحو ممكن إن هم أرادوا التمتع جميعهم بالحقوق التي تعود إليهم بشكل طبيعي بوصفهم أفرادا؛ وينبغي ألا تكون حياتهم مشروطة بقوة ورغبات الأفراد، بل ينبغي أن تكون مشروطة بقوة وإرادة الجماعة. ولا يمكنهم بلوغ هذا الهدف إذا كانت الرغبة الشهوانية هي موجههم الوحيد (لأن قوانين الرغبة تدفع كل فرد للسير في اتجاه مختلف)؛ ويجب عليهم، بالتالي، أن يتخذوا قرارا صارما بإصدار تشريع يقضي بأن يخضعوا لتوجيهات العقل في كل شيء (والذي لا يجرؤ أحد على مخالفته صراحة حتى لا ينظر إليه على أنه مجنون أخرق)، وأن يعملوا على كبح جموح رغباتهم إذا كانت ستلحق الأذى بالآخرين، ومعاملة الجميع بمثل ما يحبون أن يعاملوا به، وصيانة حقوق الجار كما لو كانت حقوقهم الخاصة"    

والمراد بالقول هو أن الإنسان بحكم وقوعه تحت قانون الكاناتوس، وميله الفطري إلى تحقيق ما يرى فيه مصلحته، لا يمكنه أن يعيش في مأمن من المخاطر التي تهدد وجوده  بدون عقد اجتماعي يتنازل فيه كل فرد عن حقه الطبيعي على كل شيء؛ وهي فكرة نجدها أيضا لدى طوماس هوبز.

وللبرهنة على هذه الأطروحة، ساق سبينوزا تفسيرا سيكولوجيا لسلوك الإنسان يبين من خلاله الآليات أو القوانين الطبيعية التي تحكمت في اختيار السلطة السياسية كحل لمسألة الحفاظ على البقاء. وانطلق في تفسيره من المصادرات التالية التي تمثل القوانين المتضمنة على نحو أبدي في الطبيعة الإنسانية:

-    لا أحد يمكنه أن يفوت على نفسه فرصة يتوقع أن يجني منها نفعا عظيما إلا أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إما الحصول على نفع أعظم إذا لزم أن يختار بين بديلين، وإما الخوف من أن يلحقه منه أذى عظيم وخاصة إذا كان الأذى أعظم من النفع.

-    لا أحد يمكنه أن يتحمل أي نوع من الأذى إلا أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إما أن تحمل هذا الأذى يجنبه الوقوع في مشكلة يكون أذاها أعظم، وإما أن يتوقع الحصول بعد ما تعرض له من الأذى على خير عظيم.

-    وعن هاتين المصادرتين تنشأ مصادرة ثالثة مفادها أنه إذا كان على الفرد أن يختار بين أمرين نافعين، فإنه سيختار أكثرهما نفعا، وإذا كان عليه أن يختار بين شيئين كلاهما مضر بمصلحته، فإنه سيختار أهون الضررين.

وإذا نظرنا إلى هذه المصادرات في ضوء مبدإ الكاناتوس أو الشهوة تبين لنا أن الإنسان، بحكم كونه عقلانيا، يميل إلى تقدير قيمة الأشياء، بما تنطوي عليه من خير أو شر، في ضوء تقديره للإمكانيات التي توفرها له للحفاظ على وجوده. ومن هذه المقدمات (الأكسيومات) استنبط سبينوزا القضية التالية: إن الإنسان، بسبب حصول الوعي له بمصلحته العليا، اختار التخلي عن حالة الطبيعة والتنازل عن حقه الطبيعي على كل شيء وقبول سلطة الدولة حين رأى فيها خيرا أعظم أو شرا أقل مما وجده في حالة الطبيعة، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحفاظ على البقاء والأمن والرقي والرفاهية. والحقيقة أنه لولا خوف الإنسان من شر أعظم أو طمعه في خير أكبر لما قبل التنازل عن حقوقه الطبيعية والتزام بالعقد الذي أبرمه مع بني جنسه. ومن هنا يتبين أن قيمة العقد الاجتماعي تتحدد بمقدار ما يجلب من المنفعة ويدرأ من الضرر. يقول سبينوزا:

"..إن المنفعة وحدها هي التي تجعل العقد صالحا، وإذا انتفت يصبح فارغا ولاغيا. ومن ثمة، يكون من الغباء أن يُطَالَبَ المرء بالوفاء بالعهد الذي قطعه معنا إلى الأبد ما لم نُبين له أن خرق العهد الذي قطعناه على أنفسنا سيجلب للناكث من الضرر أكثر مما يجلب له من الخير. وسيكون لهذا الاعتبار الوزن الأكبر في تأسيس الدولة"

وإذا كان الإنسان قد فضل العيش في كنف الدولة بدل العيش في حالة الطبيعة، فليس لأن الدولة خير في ذاتها، بل لأنها تمثل أهون الضررين. إنها شر لا بد منه؛ وهذا الشر يمكن التحكم فيه، لأن الدولة من صنع الإنسان وليست قدرا محتوما. وأما الشر الملازم لحالة الطبيعة، فلا سيطرة للإنسان عليه. نفهم الآن لماذا فضلت البشرية الانتقال من حالة الطبيعة، التي يخضع فيها السلوك البشري لحتمية القوى الفطرية العمياء والغرائز الشهوانية، إلى حالة المدنية التي تنظمها القوانين التي شرعها العقل.

لننتقل الآن إلى مناقشة تصور سبينوزا لكيفية الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية والدولة. سبقت الإشارة إلى أن مفهوم الحق لدى هذا الفيلسوف مرادف لمفهوم القوة أو القدرة على دفع المعتدي والدفاع عن النفس. فعندما قال بأن لكل فرد الحق في الحياة والحرية والملكية، فإنما يقصد بذلك أنه يمتلك القدرة على الحفاظ على حياته وحريته وملكيته ودَفْعِ المعتدي على حقوقه، وأن الدفاع عن النفس ومعاقبة المعتدي هو حق طبيعي. إذا كان الأمر كذلك، فإنه يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان التعاقد يستلزم تجريد الناس من هذا الحق، وعما إذا كان من الممكن تفويض الحق الطبيعي إلى طرف آخر.

المسألة بالنسبة لهوبز محسومة. وأما فيما يتعلق بسبينوزا، فإن موقفه منها يشوبه نوع من اللبس والغموض. فهو يرى، من جهة، أنه "يجب على كل فرد أن يفوض للمجتمع كل ما له من قدرة، بحيث يكون لهذا الأخير الحق الطبيعي المطلق على كل شيء"- كما ورد في الفصل السادس عشر من رسالته في اللاهوت والسياسة -   ويذهب، من جهة أخرى، في الفصل السابع عشر من نفس المؤلف إلى أنه "لا يستطيع أي فرد أن يفوض قدرته، وبالتالي حقوقه، تفويضا تاما لغيره، وإلا فإنه سيكف بعدئذ عن أن يكون إنسانا، كما أنه لا يمكن أن توجد سلطة لها من السيطرة ما يجعلها قادرة على تحقيق أية رغبة ممكنة". وخلص إلى القول: "يجب التسليم، إذن، بأن كل فرد يحتفظ لنفسه بجزء من حقه، ويضعه تحت تصرفه، في منأى عن [تأثير] أي شخص آخر". ومن الحقوق الطبيعية والقدرات التي لا يمكن لأي فرد تفويضها لغيره بأي حال من الأحوال، حقه أو قدرته على التفكير الحر في كل شيء، لأن عقل الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر" (الفصل العشرون). ولا يمكن للدولة أن تخضع العقول لمشيئتها إلا بالعنف، وتكون أشد عنفا عندما تقف ضد حرية التفكير، وقد تذهب في ذلك إلى حد إصدار أحكام بالإعدام على من يخالفونها الرأي، ولكن هذه الأحكام تظل مخالفة للعقل السليم الذي هو مبدأ تأسيس الدولة ذاتها. وهذا ما جعل سبينوزا ينكر على الدولة حقها المطلق في ذلك.    

وإذا كان الحق في التفكير الحر لا يُفَوَّضُ، فما المانع من سحب هذا الحكم على الحقوق الطبيعية الأخرى ؟ وإذا كان الحق عند سبينوزا مرادفا لمفهوم القدرة، فهل يمكن تفويض القدرات للغير؟. وإذا ثبت أنه من غير الممكن ولا من الجائز تفويض القدرات للغير، فما الذي يجب تفويضه ؟ يمكن القول في ضوء نتائج التحليل التي توصل إليها سبينوزا في الفصل العشرين من رسالته في اللاهوت والسياسة إن ما يمكن للأفراد تفويضه للدولة التي تمثل إرادة الجماعة هي سلطة القرار في كل ما يتعلق بكيفية استعمال القدرات وتقييم نتائجها لتحديد ما يصلح منها للمجتمع وما لا يصلح له. وأما تفويض القدرات فهو بمثابة سلب مقومات الهوية الإنسانية للأفراد، وتحويلهم إلى مجرد آلات أو بهائم. يقول بالحرف الواحد:

"لا، ليس القصد من إقامة الحكومة هو تحويل الناس من كونهم كائنات عاقلة إلى بهائم أو دمى متحركة، بل المقصود منها هو تمكينهم من تنمية قدراتهم العقلية والجسدية في أمن"

ويتجلى موقفه بوضوح على المستوى العملي بخصوص ما يمكن تفويضه في الخطاب الذي توجه به إلى حكومة بلاده في ختام الفصل المذكور. يقول:

"وهكذا أكون قد أنجزت المهمة التي اعتزمت معالجتها في هذه الرسالة. ولم يبق لي سوى التنبيه إلى أنني لم أكتب شيئا مما لم يكن في نيتي أن أتقدم به لمن يتولون مقاليد الحكم في بلدي ليقوما بفحصه والحكم عليه، وأنني على استعداد للتراجع عن كل ما سيثبت لهم أنه مخالف للقوانين أو ضار بالمصلحة العامة. إنني أدرك أنني بشر، وأنني معرض بوصفي إنسان للخطأ. لقد اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لتجنب الوقوع في الزلل، وحرصت على البقاء في انسجام تام مع قوانين بلدي بروح الولاء والأخلاق"

هذه الفقرة الختامية ترديد لصدى أقوال وردت في مقدمة الكتاب.

 

       



[1] Benedict de Spinoza. The ethics. Translated from the latin R.H.M. by Elwes. Web edition published by

  eBooks@Adelaide.  Part  IV. http://ebooks.adelaide.edu.au/s/spinoza/benedict/ethics/

كل الاستشهادات مقتطفة  من هذا الكتاب باستثناء ما تمت الإشارة إليه 

[2] Benedict de Spinoza. َ A theologico-political treatise. Translated from the latin R.H.M. by Elwes. Web edition  

  published by  eBooks@Adelaide, The University of Adelaide LibraryUniversity of Adelaide South Australia  

 50052007. 2007. http://ebooks.adelaide.edu.au/s/spinoza/benedict/treatise/

كل الاستشهادات التي سترد أسفله مقتطفة  من هذا الكتاب باستثناء ما تمت الإشارة إليه 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires
Jeudi 16 avril 2009 4 16 /04 /Avr /2009 01:42

نظرية العقد الاجتماعي لدى طوماس هوبز

أحمد أغبال

طوماس هوبز (1588-1679) فيلسوف إنجليزي عاش في القرن السابع عشر، في فترة تميزت بالاضطرابات والقلاقل، عانى خلالها المجتمع الإنجليزي من ويلات الحرب الأهلية. تابع هوبز مجريات الأحداث في بلده باهتمام كبير حتى أنه جعل من مسألة السلطة السياسية شغله الشاغل، فانكب على دراستها لبيان أسباب الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي. ولتحقيق مشروعه الفلسفي، سعى هوبز إلى الكشف عن المبادئ العقلانية التي تنبني عليها السياسة المدنية الكفيلة بتعطيل مفعول العوامل الداخلية التي تتسبب في تفكك النظام السياسي وانهياره. وانطلق في ذلك من فكرة مفادها أن مصائب الحكم المستبد "أقل وطأة على النفس من البؤس والويلات التي تنجم عن الحرب الأهلية". ومعنى ذلك أن أي نظام حكم مهما كان نوعه أفضل من الحرب الأهلية. وإلى جانب هذه المصادرة الأساسية وضع هوبز مصادرة أخرى مفادها أن جميع أنظمة الحكم معرضة للاضطراب والوقوع في الحرب الأهلية والانحلال باستثناء نظام الحكم المطلق. وبما أن الناس عقلانيون ويميلون بالفطرة إلى طلب الأمن من أجل الحفاظ على البقاء، فإنهم سيفضلون العيش في كنف نظام سياسي مطلق يضمن لهم الأمن والاستقرار ويجتبهم الوقوع في الحرب الأهلية. وهكذا، فإن رغبة الناس في الاستقرار والأمن يفرض عليهم عدم القيام بما من شأنه أن ينال من هيبة الدولة ويضعف قوتها، ويلزمهم بتقديم الولاء اللامشروط للحاكم مهما كان مستبدا، وأن يطيعوه ولا يتمردوا عليه أبدا مهما كانت الظروف. ومن هنا يتبين أن ما حاول هوبز إثباته وتأكيده هي الأطروحة التي تقول بوجود علاقة تأثير متبادل بين الامتثال للسلطة السياسية والسلم. يمكن صياغة هذه الأطروحة بعبارة أخرى: إنه إذا أقر الناس بنظام حكم ما وامتثلوا لأمر الحاكم، فإن ولاءهم له يضمن لهم السلم، وإذا تحقق السلم تقوى نظام الحكم وزادت درجة امتثال الناس للحاكم.

ولإثبات هذه الأطروحة دعانا هوبز إلى التفكير معه فيما يمكن أن يترتب عن وجود الإنسان في حالة الطبيعة بخصوص علاقته بالآخرين وأحواله النفسية ونوعية الحياة بصفة عامة. ومن هنا يتبين أن مفهوم حالة الطبيعة إنما يكتسي عنده أهمية منهجية بالدرجة الأولى، فهو بمثابة مقدمة أو مصادرة من المصادرات الأساسية التي يتأسس عليها أسلوبه في البرهنة على الأطروحة المشار إليها. يدل هذا المفهوم عنده على وضعية مفترضة لا وجود فيها لسلطة الدولة، وقدم لنا وصفا تحليليا دقيقا لما يمكن أن تكون عليه أحوال الناس وهم على هذه الحال في كتابه "اللوفيتان"* « Leviathan » الصادر عام 1651، يقول في الفصل الثالث عشر من هذا المؤلف المشهور:

"كل ما هناك لازم كنتيجة منطقية لزمن الحرب حيث يكون كل امرئ عدوا لما سواه من الناس؛ ومن الأمور الملازمة لزمن الحرب أيضا أن الناس يعيشون دون أن يكون لهم مما يضمن الأمن غير قوتهم الخاصة والوسائل الخاصة المبتكرة. لا مكان للصناعة في مثل هذه الظروف، لأن ثمارها تكون غير مضمونة. ومما يترتب عن ذلك انعدام زراعة الأرض والملاحة، وعدم إمكانية استعمال السلع التي يمكن استيرادها عن طريق البحر؛ وكذلك يتعذر توسيع مجال العمران، وتنعدم وسائل التنقل ووسائل نقل الأشياء التي يتطلب تحريكها قوة كبيرة؛ ولا يكون في هذه الظروف مجال لقيام المعرفة بأديم الأرض، ولا اعتبار للوقت، ولا فنون، ولا أدب، ولا مجتمع؛ والأسوأ من ذلك كله انتشار الخوف المستمر ومخاطر التعرض للعنف المميت؛ وتكون حياة الإنسان حياة عزلة، وفقر، ورداءة، ووحشية، وتكون قصيرة"      

كيف يفسر طوماس هوبز وجود هذه الوضعية ؟ يُرجع السبب في ذلك إلى الطبيعة الإنسانية. ذلك لأن الطبيعة ساوت بين بني البشر، وجعلتهم سواسية كأسنان المشط فيما يتعلق بالقدرات الجسدية والعقلية، وذلك على الرغم من وجود أفراد يتمتعون بقوة عضلية هائلة أو بدرجة ذكاء عالية. فعندما يؤخذ الكل بعين الاعتبار وينظر إلى الناس كافة بدون تمييز، فإن الفوارق بينهم تبدو غير ذات أهمية. إن تدخل بعض العوامل يبطل الفروق في درجة القوة بين من يبدو قويا ومن يبدو ضعيفا، ويكون بإمكان الضعيف حينئذ أن يقتل القوي، إما بالتحايل عليه أو بالتعاون مع من يشكل القوي خطرا عليهم.

ويرى هوبز أن الناس متساوون في القدرات العقلية الفطرية أكثر مما هم متساوون في القدرات الجسدية. ومن الأشياء التي فطروا عليها التعقل والاحتراس والقدرة على تقدير عواقب الأفعال. وأما ما قد يعرض المساواة في القدرات العقلية للشك فهو تصور الفرد المغلوط لقدراته الذاتية، لأن معظم الأفراد يميلون إلى المغالاة في تقدير قدراتهم الذاتية مقارنة بقدرات عامة الناس، ويحصل لهم الاعتقاد بأن مستوى قدراتهم العقلية لا يوجد له مثيل إلا لدى فئة قليلة من الناس. والناس في هذا متساوون، لأن المباهاة هي من طبيعة البشر. وتدل المباهاة على ميل الفرد إلى أن يقنع بقسمته من العقل، والناس في هذا متساوون أيضا.

وعن المساواة في القدرات ينشأ الاختلاف. لأن تساوي القدرات يؤدي إلى تساوي الطموح لتحقيق الأهداف. فإن وُجِدَ شخصان يرغبان في شيء واحد، وكان من غير الممكن أن يستمتعا به معا على حد سواء، أصبح الواحد منهما عدوا للآخر، يحاول بقدر المستطاع القضاء على غريمه أو إخضاعه لإرادته. وهكذا، فقد يحصل التنافس بين الناس على الأرض ومواردها، ويترامى الأقوياء على أراضي الضعفاء، ويستولون على خيراتها، ويفقد أصحاب الأرض خيراتهم وحريتهم، وربما فقدوا حياتهم أيضا، وقد يلقى المهاجم نفس المصير إذا تعرض لهجوم من هو أقوى منه.

وهكذا تنشأ الحرب عن الاختلاف، لأن الاختلاف يجعل الأمن مستحيلا. وعندما يشعر المرء بانعدام الأمن فإن أحسن وسيلة للدفاع عن النفس هي الهجوم، أي اللجوء إلى الاستراتجيات الهجومية التي يعتمد فيها الأفراد على القوة أو الردع للتحكم في الآخرين إلى أن يستتب لهم الأمر ويتأكدوا من عدم وجود قوة تشكل خطرا عليهم. إنه قانون الحفاظ على البقاء في زمن حرب الكل ضد الكل، بمعنى أن الحفاظ على البقاء يستلزم السيطرة على الآخرين. إن الغرض من السيطرة هنا هو الحفاظ على البقاء فقط. ولكن قد يوجد بين الناس من لا يكتفي بذلك، فيزهو بقوته ويتباهى بعظمته، ويجد المتعة في السيطرة على الآخرين، ويذهب في ذلك إلى أبعد مما تتطلبه الحاجة للحفاظ على البقاء وذلك طلبا للمجد.

هذا بالإضافة إلى أن الإنسان لا يمتلك الرغبة أصلا في مرافقة الغير أو معاشرته طالما لم توجد قوة يخشاها جميع الأفراد ويحترمونها في نفس الوقت. يرجع السبب في ذلك، حسب هوبز، إلى أن كل فرد يرغب في أن ينظر إليه الغير بنفس النظرة التي ينظر بها هو إلى نفسه، وبحب أن يقدره الغير بمقدار ما يقدر هو نفسه. وإذا بدا له من تصرفات الغير إزاءه ما يدل على الكراهية أو التقليل من قيمته، عمل جاهدا على انتزاع نوع من الاحترام منه بالقوة.

ومن هذا التحليل خلص هوبز إلى النتيجة التالية المحتومة: تنطوي الطبيعة الإنسانية على ثلاثة أسباب رئيسية للنزاع بين البشر وهي: التنافس، والاختلاف، والرغبة في تحقيق المجد. يجعل السبب الأول الناس متلهفين إلى استقصاء الربح والحصول على ما تشتهيه أنفسهم بلا حدود، ويدفعهم السبب الثاني إلى طلب الأمن، وأما السبب الثالث فيدفعهم إلى طلب السمعة والرياء. تستعمل نزعة التنافس القوة كوسيلة للتحكم في الآخرين سواء أكانوا أبناء أو زوجات أو إخوة، الخ... ويدفعه الشعور بالاختلاف إلى استعمال القوة للدفاع عنهم وحمايتهم، وأما هاجس السمعة فيتطلب استعمال القوة لمواجهة كل من تسول له نفسه التقليل من شأنهم والمس بكرامتهم من خلال الاستهزاء بهم ونشر الأقاويل التي تسيء إليهم وتحط من قدرهم إلى غير ذلك مما يتسبب في الإساءة إلى أفراد الأسرة أو الأقارب أو أفراد الجماعة التي ينتمي إليها ويتعصب لها.

تلك إذن هي القوى والانفعالات التي تتحكم في سلوك البشر في حالة الطبيعة أو عند غياب سلطة الدولة. إن غياب الدولة يعني غياب قانون يحتكم إليه الناس ويحميهم جميعا، ومع انعدام القانون تحل الفوضى، ويصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، وتنتشر مشاعر الخوف والحذر، ذلك هو زمن الحرب. "إبان حرب الكل ضد الكل هذه، لا شيء ينظر إليه على أنه غير عادل، وهذه نتيجة منطقية أيضا. لا مكان في هذه الوضعية لمفاهيم الصواب والخطأ ولا لمفاهيم العدل والجور. ذلك أنه حيث لا توجد سلطة مشتركة لا يكون للقانون وجود؛ وحيث لا وجود للقانون، لا يكون لما ليس بعادل وجود. في الحرب تكون القوة والخداع هما الفضيلتان الأساسيتان. وأما العدالة والظلم فلا يمتان إلى القدرات العقلية أو الجسدية بأية صلة تذكر، لأنه لو كانت على صلة بها لوجدت لدى الإنسان المنعزل أو المتفرد في العالم مثلما توجد لديه حواسه وانفعالاته. إنها من الصفات المرتبطة بالإنسان الذي يعيش في المجتمع لا بالإنسان الذي يعيش في عزلة. ومما يترتب عن ذلك ولنفس الأسباب، أنه لا وجود للملكية ولا للمزارع وأنواع العقار في زمن الحرب، ولا تمييز فيه بين ما بحوزتي وما بحوزتك؛ إن ما يملك المرء هو ما يقدر على أخذه بالقوة، ويظل بحوزته ما دام قادرا على الذود عنه والحفاظ عليه".

في مثل هذه الظروف تكون الحرية هي الحق الطبيعي الأساسي الذي يتمتع به لإنسان. والمقصود بذلك الحرية المتاحة لكل فرد لاستعمال كل ما لدية من قوة للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته. ومعنى ذلك أيضا أن دافع الحفاظ على البقاء يخول لكل فرد الحق في استعمال كل الوسائل المتاحة بحرية تامة لتأمين حياته. يدل مفهوم الحرية هنا على عدم وجود قوة خارجية تحول دون استعمال القدرات والوسائل المتوفرة للفرد لتلبية رغباته وتحقيق أهدافه. ومما يترتب عن الحرية بوصفها حقا طبيعيا الصراع بين مختلف الإرادات.   

ومع ذلك يوجد لدى الإنسان نزوع إلى السلم؛ ومن الانفعالات التي تدفعه للجنوح إليه، الخوف من الهلاك، والرغبة في تحسين ظروف العيش من خلال العمل والإنتاج. وبفضل العقل اهتدي الناس إلى القواعد التي ينبني عليها السلم واتفقوا عليها. يطلق هوبز على هذه القواعد اسم القوانين الطبيعية. يعرف هوبز القانون الطبيعي بأنه: "قاعدة عامة اهتدى إليها العقل، تمنع الإنسان من فعل كل ما من شأنه أن يدمر حياته، ولا تبيح له أن يحرم نفسه من الوسائل التي تضمن له الحفاظ عليها، أو أن يتخلى عن كل ما يظن بأنه أحسن وسيلة للحفاظ عليها. ومع ذلك، اعتاد الناس الخلط بين الحق والقانون في حديثهم عن هذا الموضوع؛ ولذلك لزم الآن التمييز بينهما، لأن الحق يعني حرية الاختيار بين فعل شيء أو عدم فعله، بينما يلزمنا القانون بأحدهما ويحدد ما يجب وما لا يجب القيام به. وهكذا فإن الفرق بين القانون والحق كالفرق بين الإلزام والحرية اللذان يكونان قي حالة تنافر عندما يتعلق الأمر بنفس الموضوع".

ومما يترتب عن وجود الإنسان في حالة الطبيعة بوصفها حالة "حرب الكل ضد الكل" أن "لكل فرد الحق في كل شيء" حسب تعبير هوبز. لا يخضع الفرد في مثل هذه الظروف إلا لما يمليه عليه عقله الشخصي، فيدرك أن من حقه أن يستعمل كل الوسائل المتاحة لمقاومة أعدائه من أجل صيانة حياته. وهكذا، فإن غاية الحفاظ البقاء تمنحه الحق في كل شيء بما في ذلك بدن الغير وممتلكاته. وطالما ظل هذا الحق الطبيعي سائدا فلن يكون هناك مجال للسلم، ولن يشعر أي أحد بالأمن مهما كانت قوته العضلية والعقلية.

يتمثل الحق الطبيعي الأساسي، حسب طوماس هوبر في "أن كل فرد يلزم نفسه بالسعي في طلب السلم طالما أنه لم يفقد الأمل في الحصول عليه. وإن هو لم يتمكن من الحصول عليه لجأ إلى استعمال كل وسائل الحرب والخداع". يتألف هذا القانون من شقين، أولهما، "طلب السلم والسير على نهجه"، وثانيهما، "الدفاع عن النفس بكل الوسائل". ومن هذا القانون الطبيعي الأساسي استنبط هوبز القانون الطبيعي الثاني، ومفاده "أن المرء يرغب في شيء عندما يرغب فيه الآخرون أيضا، مثلما هو الحال بالنسبة للسلم والدفاع عن النفس الذي يعتبره ضروريا. فهو يرغب، عندما يرغب الآخرون، في التناول عن حقه في كل شيء، وإذا كان يرغب في التصدي للآخرين بكل حرية فلأنه يسمح للآخرين بمواجهته. لأنه طالما أن لكل امرئ الحق في أن يفعل ما يريد فسيظل الناس في حالة حرب. وإن لم يقبل الآخرون التنازل عن حقهم..فلن يكون هناك أي مبرر لأي أحد للتنازل عن حقه". ومعنى ذلك أن مصلحة أي فرد تستلزم العدول عن السعي إلى تحقيق الغايات من خلال استعمال أية وسيلة من الوسائل بعض النظر عما يمكن أن تلحق من الأذى بالآخرين.

والمقصود بالتخلي عن الحق في كل شيء هو التنازل عن الحرية في الحصول والاستمتاع بشيء على حساب الآخر الذي يمتلك الحق في الاستمتاع به أيضا. ذلك لأن تنازل المرء عن حقه لا يخول لغيره حقا لم يكن يتمتع بها من قبل، لاسيما وأن القانون الطبيعي يخول لكل فرد الحق في كل شيء. ولذلك لا يجوز لمن يرغب في السلم حقا أن يتمتع بحق طبيعي ويحرم الآخرين منه. ولذلك يتطلب تحقيق السلم ضرورة تخلي كل فرد عن حقوقه الطبيعية إما بالتنازل عنها أو بتفويضها إلى غيره. يتنازل عنها إذا كان واثقا من أن تنازله لا يعزز موقع الغير على حسابه، ولا يجعل حياته في خطر. عبر عن هذه القاعدة بقوله: "ليس لدي الحق في فعل أي شيء مهما كان نوعه من أجل البقاء على قيد الحياة بغض النظر عمن سيستفيد من ذلك". ويقوم بتفويضها بوضعها في يد الغير إذا كان يتوقع أن يجني من وراء ذلك منفعة ما. ولكن التنازل عن الحقوق الطبيعية هو في حقيقة الأمر خرق للقانون الطبيعي الأساسي، إذ ليس هناك ما يبرر التنازل عن الحق في الدفاع عن النفس. وأما تفويضها لسلطة ما بناء على عقد متفق عليه فإنه ينسجم تمام الانسجام مع القانون الطبيعي. حيث يكون من المنطقي أن يقبل الفرد بمبدإ عدم الاعتداء على الغير إذا قبل الغير بهذا المبدإ أيضا. وبناء عليه يتفق الجميع على أن تتولى سلطة مشتركة مهمة حفظ أمن وسلامة كل فرد. ذلك لأن التعاقد على عدم الاعتداء المتبادل لا يضمن في حد ذاته الالتزام ببنود العقد، ولذلك يحتاج المتعاقدون إلى وجود سلطة تلزم الجميع بالوفاء بالعهود والمواثيق المبرمة.

ولكن، ما الذي يجعل سلطة الدولة ضرورية لإلزام الأفراد بالوفاء بالعهود التي قطعوها على أنفسهم ؟ ألا يكفي القانون الطبيعي المتمثل في الميل الفطري إلى طلب السلم لضمان التزامهم بالعقد الاجتماعي الذي وضع أصلا لتحقيق أمن وسلامة الجميع ؟ يقتضي الجواب عن هذه الأسئلة استحضار المصادرتين التاليتين: (1) إن الإنسان كائن عقلاني، (2) ويتميز أيضا بكونه أناني وشهواني. فقد تأمر النفس الشهوانية أي فرد باستغلال ثقة الآخرين أو غفلتهم لتحقيق بعض المصالح على حسابهم. ومعنى ذلك أن كل فرد معرض للوقوع في إغراء الإفلات من العقاب، فيستولي على ممتلكات الغير. وإنه لمن الطبيعي أن يلجأ المرء إلى تحقيق مصلحته على حساب الغير؛ وهذا في حد ذاته سلوك عقلاني. فإن كنتَ تملك 100 درهم وكنتُ أنا أملك نفس المقدار من المال، واتفقنا على ألا يسرق بعضنا بعضا، فإن الاتفاق في حد ذاته لا يضمن الحيلولة دون وقوع السرقة بيننا. لا يؤدي العقد الاجتماعي، إذن، بالضرورة إلى إبطال مفعول العوامل الطبيعية السابقة الذكر. فإن سولت لي نفسي الاستيلاء على أموالك، فماذا أخسر؟ إن فشلت خطتي فلا ربح ولا خسارة هناك، وإن نجحت فستكون بحوزتي 200 درهم. وبذلك نكون قد عدنا إلى مرحلة ما قبل معاهدة السلم وعدم الاعتداء.

لنفترض الآن وجود سلطة تلزم الأفراد باحترام وتطبيق بنود المعاهدة بسن قانون يفرض عقوبة مقدارها 300 مائة درهم لكل من سرق 100 درهم. في هذه الحالة سأجد نفسي أمام ثلاث احتمالات: إما أن تفشل خطتي في الاستيلاء على أموالك، وإما أن أسرق أموالك وأنجو، ويكون مجموع ما لدي 200 درهم، وإما أن أسرق ويُلقى القبض علي وأدفع غرامه مقدارها 300 مائة درهم. وإذا كانت الغرامة (300 درهم) وكان مقدار عوائد السرقة 100 درهم، فإنني سأفضل بوصفي عقلاني عدم الاعتداء عليك ما دامت قيمة الخسارة المحتملة (الغرامة) أعظم من قيمة العائدات المحتملة التي تذرها السرقة. من الحكمة في هذه الحالة ألا يجازف المرء بالاعتداء على الغير والاستيلاء على ممتلكاته. وهكذا، فإن الالتزام بالعقد يقتضي بالضرورة وجود قوة رادعة.

ومن القانونين الطبيعيين السابقين استنبط هوبز قانونا طبيعيا ثالثا وهو "أن على الناس أن ينفذوا ما اتفقوا عليه وإلا أصبحت الاتفاقية بلا جدوى أو كلاما فارغ ليس إلا، ولظل حق الإنسان في كل شيء قائما، ولَكُنَّا حينئذ ما زلنا في حالة الحرب". يمكن صياغة هذا القانون بعبارة أخرى على النحو التالي: إن من مصلحة الإنسان أن يطبق بنود الاتفاقيات والمعاهدات، لأن ما يجنيه من تطبيقها (السلم) أعظم قيمة مما ستؤول إليه أحواله (الحرب وانعدام الأمن والثقة) إن نكث العهود. وعن هذا القانون الثالث تصدر العدالة. إذ من العدالة أن يلتزم الجميع بالعقد الاجتماعي الذي اتفقوا على إبرامه، وتقتضي العدالة أن يكون المواطنون متساوون أمام القانون. وبالتالي، فإن الظلم يكمن في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق المبرمة عن طواعية واختيار وفي عدم تطبيق القانون على الناس بشكل متساو. ومن القانون الطبيعي الثالث استنبط هوبز جملة من المبادئ والقيم الأخلاقية التي يلخصها المبدأ الأخلاقي الذي يأمر بأن "لا تفعل لغيرك ما لا ترغب في أن لا يفعله الغير لك ".

وإذا كانت الدولة بقوانينها ضرورية لإلزام الناس باحترام العقد الاجتماعي لضمان الأمن وتحقيق السلم والاستقرار في المجتمع، فهل القانون كافي لإجبار الناس على الالتزام بالمواثيق والعهود ؟ هل السلطة كافية لردعهم ؟ وهل يكفي الخوف من العقاب لإجبار الناس على الامتثال للقوانين ؟ ألم يوجد القانون إلا ليخرق، كما يقال ؟ وإذا كان القانون غير كاف وحده لردع الناس، فما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في الفرد ليكون قادرا على التعاقد والالتزام بالعقود ؟ هذه هي الأسئلة التي حاول الفيلسوف الأمريكي جون راولز الإجابة عليها في مؤلفه المشهور "العدالة كإنصاف" في محاولة منه لتطوير نظرية العقد الاجتماعي التي ترجع أصولها إلى طوماس هوبز وجون لوك وجون جاك روسو وغيرهم ممن جاؤوا بعدهم (أنطر مقالتنا "الليبرالية السياسية وفكرة العدالة لدى جون راولز").         

* كل النصوص الموضوعة بين مزدوجتين مقتبسة من النسخة الأصلية لكتاب

  Thomas Hobbes. Leviathan

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires
Lundi 30 juin 2008 1 30 /06 /Juin /2008 20:25

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

أحمد أغبال

. 1. وضعية المدرس

إذا كان الباحثون في علوم التربية قد أولوا مكانة خاصة للمدرسين في بحوثهم، فإن اهتماماتهم انصب في معظم الأحيان على أدوارهم البيداغوجية والتربوية، وعلى مكانتهم في نظام التعليم باعتبارهم فاعلين تربويين. وإلى عهد قريب، ظلت نظرية الدور théorie des rôles المرتبطة بالنظرية الوظيفية توجه معظم البحوث التي تناولت المدرسين لما توفره من إمكانيات هائلة للقيام ببحوث ميدانية لسهولة أجرأة مفاهيمها(Grace, 1978) . ولا يختلف الأمر بالنسبة للاتجاهات النقدية في علم الاجتماع ممثلة ببرنشطاين وبورديو، والتي أولت عناية خاصة لعلاقات المدرسين بالطبقات الاجتماعية والدولة، وانشغلت بدراسة دورهم السياسي-الأيديولوجي باعتبارهم عناصر فعالة في عملية معاودة الإنتاج على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. يبدو وكأن هؤلاء الباحثين يتعاملون مع المدرس كما لو كان مجرد آلة في الجهاز التعليمي مسخرة لخدمة أهداف هذا الجهاز لا غير، كما لو أنه كائن يعمل لتحقيق حاجات الآخرين دون أن تكون له هو مصلحة خاصة في العمل الذي يقوم به، أو حاجة يسعى ألى تلبيتها من خلال كدحه. ولذلك تم إغفال الواقع الوجودي للمدرس وتجربته الذاتية في العمل.

إن رجل التعليم هو مربي، هذا صحيح، ولكنه ليس مربيا على الطريقة المثالية السقراطية. كان سقراط يتسكع في شوارع أثينا وسخا عاري القدمين يعلم الحكمة للشباب ويوصيهم بالنظافة والأناقة، ولا يتقاضى أجرا على ذلك .(Encyclopédie de la Pléiade, 1974) ما هو مورد رزقه؟ وماذا كان يجني من عمله ؟ مورد رزقه أهملته ذاكرة المؤرخين، ربما لأن سقراط نفسه قلل من قيمته وتعالى عليه. وأما بخصوص المسألة الثانية، فلا شك أنه كان يجني المتعة في تبليغ الرسالة وتحقيق الذات. لم يشتغل سقراط في إطار مؤسساتي، ولكن في فضاء الأغورا، متحررا من ضغوط العمل والمراقبة المؤسساتية، فهو المشرع والمبرمج والمنفذ، تلك هي مقومات البطولة.

كان سقراط بطل زمانه الأكبر. كان يواجه مختلف القوى الاجتماعية مؤمنا بقدرته على التأثير فيها. لم يطمح إلى الارتقاء ماديا، ولكن إلى التسامي الروحي. فلو كان طموحه هو الترقية المادية وتسلق السلم الاجتماعي لكان حرمانه من مورد الرزق كافيا لعقابه وردعه، لذلك توجه العقاب إلى صد الروح عن تساميها بقتله.

رجل التعليم في زماننا كادح بالمعنى المعاصر لكلمة الكدح. إنه بروليتاري، بغض النظر عن طبيعة العمل الذي يقوم به والذي هو عمل فكري أو ثقافي .(Orga and Lawn, 1981) يشير  مفهوم البلترة عند أورغا إلى العملية التي تحصل عندما يفقد العامل القدرة على برمجة أعماله وعلى إنجازها، تتمثل تلك العملية أساسا في نقل مهاراته خارج ميدان العمل. يترتب عن هذه الوضعية تقلص دائرة استقلال المدرس الكادح، واشتداد المراقبة عليه، وتدني مهاراته، وتوتر علاقاته مع الإدارة. كانت هذه المشاكل تخص عمال المصانع في مرحلة أولى، ثم انتشرت بعد ذلك لتعم أوساط المدرسين وجميع ذوي الياقات البيضاء.

2. العمل والحاجات البشرية.

لقد اتجهت الأعمال في عصرنا الراهن نحو مزيد من التجانس، وبدأت تنمحي الفوارق بين العمل اليدوي والعمل الفكري. لذلك لزم أن ننظر إلى المدرس على أنه عامل بروليتاري قبل أن يكون مربيا، وظف لتربية الناشئة وفقا لبرامج وأهداف لم يخترها ولم يشارك في وضعها، وربما تعارضت مع ما يطمح إليه، وهو يتقاضى أجرا مقابل خدماته، وليست له سيطرة على الوضعية التعليمية التي تحكمها مبادئ بيروقراطية تخرج عن نطاق إرادته وتحكمه.إن ضغوط العمل التي تميل إلى سحق ذات المدرس الكادح، وفقدان القدرة على السيطرة على الأوضاع  هي الخصائص الأساسية التي يعبر عنها مفهوم البلترة، وهي التي تحدد حقيقة وجوده كمدرس. لذلك اعتبرت مسألة الشغل من القضايا الأساسية التي تهم جميع الكائنات البشرية، وأصبح مفهوم الشغل يحتل مكانة مركزية في جميع العلوم (Galtung ;1985). هذا ما عبر عنه الباحث رشارد براون بقوله أن أهم الأسئلة وأكثرها خصوبة في علم الاجتماع هو ذلك السؤال الذي نطرحه على الناس لمعرفة ماذا يعملون، لأنه يمكننا من معرفة حقيقة تجربتهم في الحياة ( أورد. (Burgess, 1986 وهذا ما ذهب إليه هوغس Hughes أيضا حين قال بأن مفهوم العمل هو مفتاح معرفة حياة الإنسان ووجوده الاجتماعي وهويته ( اورده هارتنت Hartnett (1982). وقد سبق لولر (Waller, 1932) أن طرح هذا السؤال بالنسبة للمدرسين قبل عدة عقود وصاغه على الشكل التالي : ماذا يصنع فعل التعليم بالمعلمين ؟ وما هي محددات مهنة التعليم ؟ غير أن الجواب عن هذا السؤال ظل عالقا زهاء نصف قرن، ولم يبدأ الاهتمام بشكل جدي بقضايا العمل التربوي ودلالاته بالنسبة للمدرسين، وضغوطه عليهم، وآثاره على نفسيتهم وروحهم المعنوية إلا في بداية السبعينيات. وتعتبر أعمال كيدي (Keddie, 1971). وأعمال شارب وغرين.(Sharp and Green, 1975) رائدة في هذا المجال. فقد حاولوا تسليط الضوء على الواقع الذاتي للمدرسين في علاقته بضغوط العمل في إطار وضعية محددة. ثم درس رنلد غراس بعد ذلك تأثير ظروف العمل على وعي المدرسين البريطانيين من منظور اجتماعي-تاريخي على إمتداد النصف الثاني من القرن التسع عشر والقرن العشرين (Grace, 1978).

وإذا كان المدرس من جملة الكادحين الذين يشتغلون في وضعيات وظروف قاهرة، فإنه إنسلن يتميز بما لديه من إرادة ونزوع إلى الحرية والاستقلال، وبما له من حاجات فيزيولوجية وسيكولوجية. لذلك، فإن أية نظرية في العمل لابد وأن تنطوي على تصور معين لدوافع الإنسان وحاجاته. ذلك لأن مفهوم الحاجة يساعد على فهم حقيقة وجوده الاجتماعي وواقعه الذاتي في تفاعله مع مختلف عوامل محيط العمل. وقد حاول بعض الباحثين المهتمين بدراسة ظاهرة الشغل في المنظمات الصناعية وغيرها بلورة نظرية عن الحاجات على أساس تصور معين لطبيعة الإنسان. ولعل من أشهر الإنجازات التي تحققت في هذا المجال تلك التي ترتبط بأسماء كل من أبرهام ماصلو (Maslow,1954) وفردريك هرزبرغ(Hertzberg,1966) وجوهان غالتونغ (Glatung,1985).

يرى ماصلو أن القوة الدافعة في العمل هي الرغبة في تلبية مجموعة من الحاجات. ولكن هذه الحاجات لا تفرض نفسها على الفرد دفعة واحدة وفي وقت واحد، بل تظهر الواحدة منها تلو الأخرى وفقا لمنطق الأوليات الذي يحكم تراتبها. وأول ما يظهر من الحاجات عند الفرد، في نظره، هي الحاجات الفيزيولوجية التي تفصح عن نفسها بواسطة الشعور بالجوع والعطش الخ. تليها الحاجة إلى الأمن، وهي تفصح عن نفسها من خلال الخوف من انقطاع الموارد التي تلبي الحاجات السابقة، ثم تأتي بعدها الحاجات الاجتماعية، وهي تتمثل في الرغبة في إقامة علاقات ذات معنى ودلالة مع الآخرين، وتليها الحاجة إلى الاعتبار الذاتي، ويقصد بها اعتبار الشخص لذاته وتقدير الآخرين له. وعندما تتحقق هذه الحاجات كلها يشعر الشخص بالرغبة في تحقيق الذات self actualization وهي اسمى الحاجات كلها على الإطلاق، وتتحقق عندما يشعر الشخص بأن ما يفعله يتطابق تماما مع ما ينوي ويقصد فعله. ويرى ماصلو أن الحاجات العليا لا يستشعرها المرء إلا إذا استطاع تحقيق ما دونها في الرتبة أو على الأقل تحقيقها بنسبة مهمة.

وأما هرزبورغ فإنه انطلق من نظرية ماصلو ليؤسس نظريته المشهورة باسم " نظرية الحوافز والوقاية الصحي"Motivator hygiene theory، ويميز فيها بين نوعين من الحاجات :

أ- الحاجات التي يتوقف إشباعها على ما يسميه هرزبرغ عوامل الوقاية الصحية hygiene factors  في محيط العمل. يتعلق الأمر بالحاجات الفيزيولوجية والاجتماعية والحاجة إلى الأمن. وأما عوامل الوقاية الصحية فيقصد بها سياسة المنظمة وإدارتها وأجهزة المراقبة والأجور والعلاقات البيشخصية وظروف العمل. يحول إشباع هذه الحاجات دون تولد الشعور بالأسى والألم، ولكنه لا يخلق الشعور بالمتعة والرضا. وأما عدم إشباعها فإنه يولد الألم والقلق والانزعاج والشعور بالحرمان وعدم الرضا.

ب- الحاجات التي ينم إشباعها عن ارتقاء الذات وتناميها  كالحاجة إلى اعتبار الذات والحاجة إلى تحقيقها، وهي ترتبط بالعوامل المحفزة motivator factors كالإنجاز والمسئولية والاعتراف بالإنجاز وتقديره وإمكانيات الترقية وطبيعة الشغل ذاته. عندما يتسنى للشخص إشباع هذه الحاجات فإنه يشعر بالمتعة والرضا والارتياح. ولكن عدم إشباعها لا يولد الشعور بالأسى والألم ولا بالحرمان وعدم الرضا.

تختلف العوامل التي تفسر ظاهرة الاستياء وعدم الرضا عن العمل، حسب هذه النظرية، عن العوامل المسئولة عن تنامي الشعور بالرضا عن العمل. ذلك لأن الرضا عن العمل يرتبط بعوامل الوقاية الصحية، فإن كان تقدير الفرد لهذه العوامل سلبيا فإنه سيكون عرضة لمشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا عن العمل، وإذا كان تقديره لها إيجابيا أمكنه التخلص من هذه المشاعر. ولكن الاتجاه الإيجابي نحو عوامل الوقاية الصحية، وإن كانت تساعد على التخلص من مشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا، فإنها مع ذلك لا تولد الشعور بالارتياح والرضا عن العمل.  وأما الرضا عن العمل فإنه يرتبط بالعوامل المحفزة:  فإن كانت نظرة الفرد إليها إيجابية، أدى ذلك إلى تنامي الشعور بالرضا عن العمل. وأما النظرة السلبية إليها فلا يعتبرها هرزبورغ كافية للإيقاع بالفرد في ورطة الشعور بالحرمان.

ولقد استعمل أرجرس Agiris نظرية ماصلو لتفسير ظاهرة الاستلاب وانسلاخ الفرد عن واقع العمل، وعزى ذلك إلى التعارض القائم بين خصائص المنظمة وحاجات الفرد السامية، من حيث أن المنظمة لا توفر للفرد الشروط الضرورية لإشباع الحاجة إلى اعتبار الذات وتحقيقها.

وعلى الرغم من أهمية نظرية ماصلو وخصوبتها المتجلية فيما استلهمته من أعمال، فإنها تعرضت لانتقادات عديدة؛ إلا أن هذه الانتقادات لا تقلل من قيمتها، بل تشهد على خصوبتها بطريقة أخرى. ذلك لأن النقد لم يؤد إلى أحداث قطيعة نهائية معها، بل ساعد على تطويرها من خلال تعديلها وإغنائها. ولعل أهم ما يؤخذ على ماصلو قوله إن الحاجات لا تظهر دفعة واحدة وفي وقت واحد؛ ونفى بعض الباحثين أن تكون متراتبة ومتفاوتة من حيث قيمتها وأهميتها بالنسبة لحياة الإنسان(Galtung, 1985)..

وإذا كانت بنية الحاجات قد أخذت شكلا هرميا في نظرية ماصلو فإن غالتونغ قدم لنا تصورا آخر عنها، وميز فبها بين مجموعتين وهما : الحاجات المادية أو الفيزويلوجية والحاجات اللامادية أو الروحية. وقسم كل مجموعة منهما إلى قسمين، وهي الحاجات التي يتوقف إشباعها على السلوك الفعلي للشخص العياني المحدد، والحاجات التي يتوقف إشباعها على الإمكانيات التي تتيحها طريقة اشتغال البنيات الاجتماعية. ويترتب عن هذا التقسيم وجود أربعة أنواع من الحاجات، نوردها في الخطاطة التالية مرفقة بنقائضها موضوعة بين قوسين.

أنواع الحاجات ونقائضها

 

الحاجات التي يتوقف أشبعها على نشاط الفرد

الحاجات التي يتوقف إشباعها على طريقة اشتغال البنيات

الحاجات المادية

ضمان العيش والبقاء

(العنف، الموت)

 

الرفاهية والرخاء

(الفقر، الموت)

الحاجات اللامادية

الحرية

(القمع)

إثبات الهوية

(الاستلاب)

                  المصدرGaltung، 1985، ص 131.

يقصد بالرفاهية والرخاء الحالة التي يكون عليها الإنسان عندما تتحقق له كل شروط العيش كالمأكل والملبس والمسكن والادخار والتعليم والصحة ووسائل النقل والاتصال؛ ويمتد بعضها إلى مشارف الحياة النفسية أو الروحية للإنسان. وما يميز الحاجات المادية هو كونها معرضة باستمرار للانتفاء، إما بسبب العنف المباشر المؤدي إلى الموت، وإما بسبب العنف غير المباشر المرتبط بطريقة اشتغال البنيات، والذي يؤدي عبر الفقر إلى الموت البطيء. وأما الحاجات اللامادية فإنها ملازمة لحياة الإنسان، ولا يتوقف طهورها على ولوج مرحلة الرفاهية والرخاء، بل ربما وجدت لدى الحيوان أيضا، ولعل ما يدل على ذلك هي حالة الاكتئاب التي تظهر على الحيوانات البرية التي تمضي حياتها في سجن الحدائق.

ولما كانت نظرية العمل تقتضي بالضرورة نظرية الحاجات لزم النظر إلى المدرس باعتباره إنسانا يسعى، قبل كل شيء، من خلال نشاطه المهني، إلى ضمان العيش والرخاء، يلازمه في ذلك طموح إلى الحرية ولاستقلال وإثبات الهوية. ولكن، ماذا لو أدت طريقة اشتغال بنيات المنظمة  التي يعمل فيها إلى سلب حريته وهويته ؟

 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Catégories

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Février 2012
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29        
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés