نساء قبيلة بني ورياغل في ضوء الأنثربولوجيا الأنثوية
قراءة في كتاب 'وراء باب الفناء' لأرسولا كينغسميل هارت
أحمد أغبال
أرسولا كينغسميل هارت هي زوجة عالم الأنثربلوجيا المشهور دافيد مونتغومري هارت. رافقته في رحلاته إلى شمال المغرب وساعدته على إنجاز بحثه الميداني بإحدى قبائل منطقة الريف. تتميز هذه المنطقة الريفية بالفصل الصارم بين النساء والرجال، ولذلك كان لا بد أن يلعب عامل الجنوسة دورا أساسيا في تحديد إمكانية ولوج ميدان البحث وجمع المعطيات. كانت مهمة أرسولا تتمثل في اختراق ودراسة عالم النساء الموجود 'وراء باب الفناء'. كان زوجها يتوقع منها مراعاة قواعد المنهج الميداني المتعارف عليها. إلا أن عملية جمع البيانات تشكلت تحت تأثير مقومات هويتها الأنثوية وسمات شخصيتها المتميزة. وتميزت تجربتها الميدانية بعلاقاتها الودية مع نساء الريف وانخراطها الحميمي في حياتهن اليومية. وكشفت هذه المقاربة الذاتية عن الأبعاد الخفية لحياة النساء القرويات في تلك الفترة المفصلية من تاريخ المغرب الحديث. وهي مقاربة ذاتية بمعنى أن الباحثة أخذت بعين الاعتبار التجارب الوجودية للنساء، وشاركتهن همومهن واستمعت لما بداخلهن، واستعملت ضمير المتكلم في سرد الوقائع. والدراسة الحالية هي محاولة لتحليل وتأويل المعطيات الإتنوغرافة التي جمعتها أرسولا كيتغسميل هارت والقضايا التي قامت بإثارتها وتحديدها.
Ursula Kingsmill hart is the wife of the famous anthropologist David Montgomery Hart. She accompanied and assisted him in fieldwork in the northern Morocco amongst Rifian tribes. In this rural area, characterized by a sharp gender segregation, the access to the field and collecting of data would necessarily be determined by gender to a significant extent. Ursula’s mission was to investigate the world «Behind the courtyard door». She was expected to follow strictly the established data collection rules. But, it clearly appears that the process of data collection was fundamentally shaped by her gender identity and other personality traits. Her fieldwork experience was marked by friendship and by her intimate engagement with women’s daily lives This subjective approach reveled the hidden dimensions of the rural women’s life in a pivotal time of Moroccan modern history. It is subjective in the sense that the researcher takes account of peoples existential experience and takes part in it using the first-person narrative perspective to present events. The present study is an attempt to analyze and interpret the ethnographic data collected by Ursula Kingsmill Hart and the key issues she has identified.
أنثربلوجيا وجودية من أجل فهم المرأة الريفية
ربما كانت أرسولا هي أول امرأة غربية تمكنت من اختراق عالم المرأة الأمازيغية المنغلق في منطقة الريف الواقعة شمال المغرب. إنها أرسولا كينغسميل هارت، زوجة الأنثربولوجي الأمريكي دايفيد مونتغومري هارت صاحب كتاب "أبت ورياغل"*. لم يكن باستطاعة هذا الباحث أن ينفذ إلى عالم المرأة القبلية الريفية بسبب التفرقة الصارمة التي يقيمها أهل الريف بين الرجال والنساء. كان عليه أن يستعين بزوجته أرسولا من أجل اختراقه. تعرف عليها لأول مرة عام 1958 ثم تزوجها. لم يسبق لأرسولا أن اشتغلت بالأنثبرولوجيا، ولكن زوجها أهلها من خلال تلقينها أساسيات البحث الميداني. أخبرها بأن عالم النساء يزخر بشخصيات متنوعة ومختلفة تربط بينها علاقات شديدة التوتر، وبأن البحث الميداني "هو الكد والتعب بدون أدنى وسائل الراحة" (ص. 323)، وحذرها من الانحياز إلى أي طرف بقوله: "لا تنحازي إلى جانب أحد، اقتصري على أن تكوني مجرد ملاحظة" داعيا إياها إلى أن تنتبه لأبسط التفاصيل، وتسجلها بدقة على الفور، وأن لا تثق بذاكرتها.
لم يكن بوسع أرسولا، التي وصفها زوجها الأنثربولوجي بأنها "رومانسية وعصبية"، أن تكتفي بدور الملاحظ الخارجي: "رباه إ كم هو مغرور، قلت في نفسي. ابتسمت في أعماقي. أن أكون غير منحازة، وأن لا أتورط، سيكون الأمر صعبا في هذا العالم الصغير، عالم منغلق ومتجانس" (ث. 48). وتورطت حتى البكاء. بكت بحرارة مع النساء أثناء مراسيم الحناء ليلة الزفاف. "الجميع يبكي خلال هذه المراسيم. أما دايف، فقد نصحني أن أكون يقظة، بينما أنا كنت أقول في نفسي: إذا بكى الجميع، فمن من المؤكد أن أبكي أنا كذلك. لا يمكنني أن أظل مجرد ملاحظة فقط" (ص. 75). دونت مشاعرها وملاحظاتها في كتاب أشبه ما يكون بكتب السيرة الذاتية، وصفه زوجها بقوله في تقديم الترجمة الأسبانية: "إن هذا العمل كتب بعطف وحنان إنساني" (ص. 15)، ويقصد بذلك أنه لم يراع قواعد المنهج الأنثربولوجي المتعارف عليها في الأوساط الأكاديمية.
لقد قررت أرسولا أن تخالف قواعد الأنثربولوجيا ذات التوجه الوضعي لتتعاطف مع النساء الريفيات وتعيش معهن تجاربهن الشعورية بحلوها ومرها، فحزنت بحزنهن، وشدت بشدوهن ورقصت، وشاركتهن هموم المرأة ومشاغلها واهتماماتها؛ تزينت مثلهن متباهية بمفاتن المرأة، وعانت مثلهن من ضعف قدرة الرجال، حتى ولو كانوا أنثربلوجيين مثل زوجها، على فهم خصوصيات النفس الأنثوية وعلى إدراك الفروق بين شخصية الرجل وشخصية المرأة، تلك الفروق التي كشفت عنها دراسة ري كارلسن. أظهرت هذه الباحثة أن "الذكور يمثلون تجارب الذات والآخرين والمكان والزمان بطرق فردانية وموضوعية وغير ودية، في حين أن الإناث يمثلن التجارب بطرق بيشخصية نسبيا، وذاتية ومباشرة" وتوصلت كودورو في دراستها للفروق بين شخصية الذكر وشخصية الأنثى إلى أن الرجل أكثر موضوعية، ويميل إلى التواصل بأشكال أكثر تجريدية؛ وأما المرأة، فتكون أكثر ذاتية، وتميل إلى التواصل بأساليب محسوسة نسبيا. واعتبرت هذه الاختلافات "عامة وتقريبا شمولية".
تعاملت أرسولا مع النساء الريفيات في دراستها بطرق شخصية، ودية، ومحسوسة على عكس ما كان يتوقع منها زوجها الذي يميل أكثر إلى الطرق الموضوعية المتعالية، بحيث يمكن القول إن أسلوب البحث الأنثربولوجي عند أرسولا هو أسلوب مطبوع بطابع الأنوثة، بينما يمكن وصف أسلوب زوجها بأنه أسلوب ذكوري. لم يكن بوسع دافيد هارت أن يعترف لأرسولا بأسلوبها المتميز ولا بقدرتها كباحثة أنثربولوجية. يقول في تقديمه للترجمة الأسبانية: "وفي رأيي إن هذا العمل كتب بعطف وحنان إنساني [...] أقول هذا، لأن صاحبة الكتاب، أرسولا كينغسميل هارت، كانت زوجتي، وأنا هو ذلك الأنثربولوجي المعني بالأمر" (ص. 15). وحين قالت له في إحدى المناسبات بكل تلقائية وبراءة: "يعجبني عملك"، رد عليها غاضبا: "ليس عملا، بل هي مهنة، وأحد فروع المعرفة" (ص. 49). تكرر سوء التفاهم هذا حين طلب منها يوما أن تساعده في كتابة بعض الأشياء على الآلة، أجابت مستفسرة: "هل تعني رقانة المسودة الأولى من ذلك الكتيب الذي أردت كتابته هنا ؟"، ورد عليها كعادته غاضبا: "أنا لا أحرر كتيبات إ سيكون مقالا أو دراسة. تبا لك 'أورس'. عليك أن تتعلمي مختلف المصطلحات الأكاديمية إذا أردت مساعدتي في عملي. العمل الميداني الذي أقوم به لسنوات هو بهدف إنجاز دراسة أكاديمية من أعلى مستوى.. كتيب إ". وردت عليه: "أنت تأمر" (ص. 82)؛ وكأنها تريد أن تقول: إنك تأمر مثلما يأمر كل الرجال الريفيين نساءهم.
بلغ سوء التفاهم بين دافيد وأرسولا حدوده القصوى حين وظفت هذه الأخيرة أسلوبها الأنثوي المحسوس في التواصل والاندماج مع النساء الريفيات من أجل سبر أغوار تجاربهن الذاتية، وكان أن تزينت بزيهن، وتجملت بمساحيقهن، وتقمصت شخصيتهن. ولما أقبلت عليه وهي على ذلك الحال، أمضى وقتا في التحديق إليها وفحصها قبل أن يتعرف عليها: "نظر إلى وجهي وأمعن النظر. تعرف علي بعد ذلك وانفجر ضاحكا وهو يتأرجح إلى الوراء وإلى الأمام" [وصاح]: "رباه إ ماذا فعلت بنفسك ؟ تشبهين 'مدام' السيدة العجوز في بيت للدعارة بالدار البيضاء". وعلقت أرسولا: "أن أشبَّه بالعاهرة لا يهمني، لكن بعاهرة عجوز وقبيحة، هذا يهمني طبعا" وأضافت: "لا داعي لتذكيرك بأن كل هذا، قمت به من أجل العمل الميداني" (ص. 59-60).
يرجع الفضل إلى أرسولا في الكشف عن حدود الأنثربلوجيا الموسومة بسمات الشخصية الرجولية في تعاملها مع عالم النساء. ذلك لأن أسلوب التعامل الموضوعي التجريدي الذي يلتزم الحياد في التعامل مع المبحوثين يكون مناسبا أكثر لدراسة البنية الشكلية للمجتمع وأقل قدرة على فهم الجوانب غير الشكلية وما تنطوي عليه من تجارب وجودية حميمة. لم تكن أرسولا عالمة أنثربولوجية ولا محللة نفسية، ولم تنظر إلى نفسها قط على أنها كذلك، وإنما جاءت إلى الريف لمساعدة زوجها على استكمال البحث في الجوانب المغمورة من المجتمع الريفي ولإشباع نزوتها الرومانسية المشحونة بروح المغامرة. لم تكتف بتعليمات زوجها الأنتربلوجي، وإنما ابتكرت أسلوبها الخاص في البحث والتقصي، تدون كل ما ينشأ عن تفاعلاتها مع كل من تصادفه في غمرة الحياة اليومية من نساء وأطفال ورجال وحيوانات أليفة دون أن تستثني زوجها الأنثربلوجي؛ تقرأ ما يختلج في النفوس من هواجس وآمال وما يزدحم في أعماقها وظلالها من رغبات ومخاوف. لم تكتف بمراقبة ما يجري في الحياة اليومية بشكل تلقائي وفقا لرغبة زوجها الأنثبرولوجي، ولكنها كانت تشارك في صنع الحدث، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك: أخذت بزمام المبادرة، وراحت تلعب الأدوار، تلقي بالجمرة في بركة الحياة اليومية لترى ما ينشا عن سقوطها من تموجات تخبرها بما كان يمكن أن يكون ولم يكن، وبما يمكن أن تؤول إليها الأمور في المستقبل القريب والبعيد. تقنية لعب الأدوار وافتعال الأحداث لبيان حدود الواقع وحدود الممكن، هي تقنية تخرج عن المألوف في التقاليد الأكاديمية. هذا بالإضافة إلى أنها استخدمت تقنية السرد الذاتي بضمير المتكلم. وسوف نقدم أمثلة على ذلك في معرض الحديث عن بعض النماذج من النساء الريفيات.
المحيط الجغرافي وساكنته في منطقة بني ورياغل
في عام 1959 انطلقت أرسولا مع زوجها من طنجة إلى الريف على متن سيارة لاندروفر رباعية الدفع، في رحلة مضنية استغرقت يومين. كانت الطريق معبدة وكثيرة المنعرجات بسبب كثرة التلال والجبال. وصلا بعد عناء شديد إلى السوق الرئيسية لبني ورياغل التي تنتهي عندها الطريق المعبدة. ومن هناك انطلقا إلى منزل موحند، مساعد دافيد مونتغومري هارت في بحوثه الميدانية بالمنطقة، عبر سرير وادي النكور، المسلك الوحيد والخطير المؤدي إلى المنزل المعلق على إحدى التلال. كان على المضيف، بوصفه الأدرى بشعاب الريف، أن يتولى قيادة اللاندروفر. قبل موعد الرحلة، أخبرا موحند بقدومهما بواسطة عدة رسائل تيليغرافية. ومثلما هو الحال بالنسبة لوسائل النقل، تأخذ هذه الرسائل "مسارا معقدا قبل أن تصل أخيرا إلى المركز العسكري، ومنه إلى المعني بالأمر، حيث ينقلها أحد ما [غالبا ما يكون هو عون السلطة] شفويا بعد أن يقطع أميالا عديدة" (ص. 27-28).
يبدأ الريف من بلدة ترجيست، كما يدل على ذلك اسمها الأمازيغي. إنها بوابة الريف الأوسط الغربية، تفضي إلى فضاء جغرافي غير مضياف، يبعث كل شيء فيه على الحزن: "جبال جافة بقمم ذات صخور رمادية"، تتخللها الأودية والمجاري "المتعطشة للمياه". هكذا بدا الريف لأرسولا عندما رأته لأول مرة. لكن الحزن المحتوم تحول في قلبها إلى حب: "هذا المنظر الخشن والحزين سرعان ما فتن قلبي" (ص. 27). كان لابد لقلبها المفعم بالروح الإنسانية أن يتعاطف مع أحزان الريف ومآسيه. لم يفتها الانتباه إلى قط مهمل نحيل مغطى بالغبار يبحث في يأس عن الطعام. لعلها قرأت فيه علامات الفقر المستشري في هذه المنطقة النائية المعزولة. أدركت عند احتكاكها بالسكان أن الفقر في الريف هو القاعدة وليس الاستثناء (ص. 55). وفيما بعد، غيرت الهجرة إلى أوربا ملامح وجه الريف، ولكنها سلبت روحه إ
الظروف الطبيعية هنا قاسية، يتطلب التأقلم معها قدرة كبيرة على التحمل. كيفت العوامل الطبيعية ثقافة الريفيين، وصنعت من خلالها شخصيات تتصف بدرجة عالية من الصلابة والقوة. بدت الحياة لأرسولا عند وصولها إلى بيت موحند أكثر بدائية مما كانت تتوقع: كلاب شرسة تنبح من حولها وتحاول عضها؛ منزل طيني منخفض محاط بنبات الصبار، منفرد ومنعزل على التل، تنحدر منه مسالك عديدة في اتجاه الوادي، أطفال ورجال "يرتدي أغلبهم ثيابا رثة وممزقة"، يمشي العديد منهم عاري القدين، وينتعل بعضهم بلغات قطعت أطرافها الأمامية لكي لا تؤذي الأصابع؛ "يتسم مظهر الجميع بالخشونة والصلابة التي تميز سكان البادية" (ص. 30). لا وجود هنا للتجمعات السكانية، فالمنازل متباعدة عن بعضها البعض، يقع كل واحد منها على مرتفع يسمح بمراقبته عن بعد ورؤية كل من يقترب منه، هذا بالإضافة إلى الكلاب الشرسة التي تحرسه، ونبات الصبارإ كل ذلك لا يسمح بتشكل قرى حقيقية وعلاقات الجوار. وخلصت أرسولا إلى أن "الريفي يسيء الظن بجيرانه ويحرص بغيرة كبيرة على عزلة النساء" (ص. 31). يبدو وكأن ثقافة المجتمع الريفي قد تشكلت بكاملها حول تصور معين للمرأة ودورها.
وضعية المرأة الريفية خلال الستينات من القرن الماضي
بدل أن أتحدث عن وضعية المرأة الريفية بصفة عامةـ ارتأيت أن أقدم ثلاثة نماذج مختلفة من النساء وفقا لمنهجية دراسة الحالة انطلاقا من الملاحظات التي أجرتها أرسولا كينغسميل هارت حولهن وجمعتها في كتابها "وراء باب الفناء". يتعلق الأمر بالزوجة الأولى لموحند، وزوجتيه الثالثة، وزوجة تشوشوكت أخ موحند من أمه. وقبل التطرق إلى هذه الحالات، لا بد من تقديم نبذة عن حياة الرجلين.
موحند، مساعد دافيد هارت، هو رجل تقليدي في حوالي الثلاثين من العمر. كان الابن الذكر الوحيد لأبيه وأمه الأرملة؛ ولذلك كان لا بد أن يحل محل أبيه المتوفى ليصبح هو رب الأسرة. له ثلاث أخوات متزوجات، نوفيت إحداهن وخلفت فتاة تكفل بها إلى أن تزوجت وهي في ربيعها الثالث عشر. أقام بمناسبة العرس حفلا كبيرا، حضرته أرسولا، وشاركت في مراسم الحناء التي تقام في اليوم الثاني من الاحتفالات، ونقلت لنا عنها صورة مؤثرة.
قدمت لنا أرسولا عن موحند صورة توحي بسمات شخصيته العميقة وتكشف عن انطباعاتها ومشاعرها نحوه: " كان رجلا جميلا بما فيه الكفاية، يلبس جلبابا مخططا يخفي تحته لباسا أوروبيا. كان يضع [على رأسه] عمامة بشكل متقن معوجة بأناقة نحو العين اليسرى. لم يكن موحند طويل القامة، لكنه كان عريضا نوعا ما وقويا. عيناه المشعتان كحبتي زيتون تضيئان وجهه العريض وأنفه الأخنس. كان يختبرني ويقدر قيمتي دون أن يبدو أنه يقوم بذلك الفعل، وتمنيت أن أكون قد نجحت في الاختبار" (ص. 28). كان يتكلم اللغة الأسبانية، ما سهل على أرسولا التواصل معه. يدخن السجائر ويتناول الخمر في حانات الحسيمة كلما أتيحت له فرصة للذهاب إلى هناك. عثر في الغرفة الذي تقيم فيها ضيفته مع زوجها على قنينة خمر، وأتى عليها دون إذنها، ولم يُبق فيها شيئا. يبدو أن موحند يفقد السيطرة على نزواته حتى وإن كلفه ذلك الإخلال بآداب الضيافة والأخلاق العامة. ومع مرور الأيام برزت سمة أساسية من سمات شخصية موحند: فقد تبين أن له شخصية ماكيافيلية تمتلك القدرة على التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى. حين عاد دافيد وأرسولا إلى الريف لاستكمال البحث الميداني بعد رحيلهما قبل أربعة أشهر، استقبلا بحفاوة مبالغ فيها من طرف جميع أفراد أسرة موحند. "كانت ارحيمو [أم موحند] تنتظر أمام الباب. عانقتني بشدة هذه المرة، حتى إنها صافحت دايف [دافيد هارت] - هذا دليل على أننا قد غدونا من أفراد العائلة، وكانت هذه المرة الأولى" ("ص. 85). حتى يامنة (أخت موحند)، التي قالت عنها من قبل "هي دائما ضدي"، استقبلتها بحرارة زائدة. من المحتمل أن يكون هذا التصرف ناتجا عن تأثير موحند الذي كان بصدد إعداد خطة تمكنه من الحصول على جواز السفر من أجل الهجرة إلى أوروبا. وكان يرغب في أن يتوسط له دافيد هارت لدى السلطات لتحقيق أهدافه.
وبالفعل، فقد تمكن من الحصول على جواز السفر الذي لم يجد إليه سبيلا من قبل، بمساعدة دافيد هارت وزوجته حين بدأ يفكر في الهجرة إلى هولندة عام 1964. حقق ما كان يصبو إليه في أوائل عام 1968، وكانت أرسولا قد استقرت مع زوجها في أسبانيا قبل ذلك بعدة شهور. ذكرت أرسولا أنه "ما بين عام 1968 و1985 - السنة التي غادر فيها موحند أوروبا بعد وفاة أمه عن عمر يناهز المائة سنة - كان موحند يظهر أمام بيتنا في أسبانيا، وحيدا أو برفقة الأصدقاء والأقارب بمعدل مرة كل سنة، يستريحون يوما أو إثنين" (ص. 196). وعندما قرر موحند التقاعد والعودة إلى الريف للاستقرار به بشكل نهائي، هاتف دافيد وأرسولا ليخبرهما بأنهما مدعوان إلى منزله في أي وقت. وفي عام 1987، أخبراه أنهما في طريقهما إلى الريف وضربا معه موعدا للقاء في مكان محدد. ولكم كانت خيبتهما كبيرة حين أدركا في النهاية أنه خلف الموعد ولم يستضفهما إلى منزله كالعادة. وعندما ظهر أخيرا وهو يقود سيارة ميرسديس كبيرة، ضرب معهما موعدا لليوم الموالي بالحسيمة. "لقد توصل بالتلغراف، تقول أرسولا، لكنه لم يهتم بها. ولم تكن هناك دعوة لشرب الشاي أو الأكل. يعتبر هذا التصرف تقصيرا غير معهود من واجب الضيافة حين يتعلق الأمر بمغربي" (ص. 169). واحتفظت أرسولا في ذاكرتها عن تلك الأيام بصورة قاتمة، حيث وصفتها بـ"الأسبوع السيئ الذكر" (ص. 171).
يعتبر موحند، في تلك الفترة من ستينيات القرن الماضي، غنيا بمعايير الريف. وضعيته المريحة نسبيا، أهلته لأن يصيح باتريارك متعدد الزوجات. تزوج وهو في الخامسة عشرة من العمر فتاة تكبره بخمس سنوات. أنجبت معه خمسة أطفال، ثم هجرها دون أن يطلقها، وتركها تعيش في منزل العائلة حيث يقطن عمه على مسافة تقدر بثلاث ساعات من السفر على ظهور البغال. تزوج فتاة في الرابعة عشرة من العمر، أنجبت له فتاه ثم طلقها لاعتقاده أنها تمارس السحر من أجل إيذائه وجعله عاجزا جنسيا بسبب غيرتها من زوجته الأولى. وأخيرا تزوج فتاة في الخامسة عشرة من العمر، وأنجبت له ثلاثة أطفال. وكثيرا ما كان ينهال عليها بالضرب عندما تظهر الغيرة من زوجته الأولى كلما اضطر إلى الذهاب إلى منزل العائلة حيث توجد الزوجة الأولى التي يتجنب زيارتها بسبب كراهيته الشديدة لها. يفتخر موحند بابنه من الزوجة الثالثة الملقب بالأمريكاني ويغالي في تدليله؛ وأما ابنه من الزوجة الأولى، فقد فصله عن أمه ليرعى له الماعز، ومع ذلك كان يتعامل معه بقسوة شديدة.
يحتوي منزل موحند على فناء داخلي مغلق، محاط بالغرف، تمضي فيه النساء معظم أوقاتهن وهن يقمن بالأعمال المنزلية. لكل زوجة غرفة خاصة بها، وفي مكان منعزل توجد غرفة الضيوف. ويحتوي الفناء في جانب منه على إسطبل للبغلة والماعز. وعلى مسافة قصيرة من المنزل، بنيت أفران على شكل قبة، لكل زوجة فرن خاص بها؛ كما تتوفر كل زوجة على أواني خاصة بها: مجمر وقلال لنقل الماء من الوادي، وجرار الزيت، وغير ذلك من الأواني الخزفية.
يقتصر دور موحند البتريارك في توزيع الأدوار، وإعطاء الأوامر، وتسيير مختلف العمليات، وينزوي بعد ذلك في مكان ما ليدخن سجائره. كان يعتقد أن الحرث والحصاد وغيرهما من الأعمال الزراعية ليست من مستواه، ويترك للآخرين مهمة القيام بها مكتفيا بإصدار الأوامر.
لاشك أنه كان طفلا مدللا في صغره، وخاصة من جهة أمه، مثلما هو الحال بالنسبة لابنه الملقب بالأمريكاني وغيره من الأطفال الريفيين من أمثاله. يبدو من خلال ملاحظات أرسولا أن علاقة الأم بابنها في الريف هي في الغالب علاقة التحام تمتزج فيها رغبات الأم برغبات طفلها الذي تعتبره مكملا لها. ومع مرور الوقت تتحول هذه العلاقة الحميمة إلى علاقة هيمنة وسلطة. وعندما يصبح الابن رجلا يحتل موقع البتريارك، يظل، مع ذلك، خاضعا لسلطة أمه التي توجهه من خلف الستار. أم موحند هي الآمرة المطاعة في البيت، تتحكم في موحند وفي نسائه، توزع عليهن الأدوار وتخضعهن للمراقبة اللصيقة في كل شيء. هناك سلطة أخرى فوق سلطة موحند، وهي سلطة عمه العجوز الذي تقطن زوجته الأولى معه في منزل العائلة الأصلي. ولكن موحند لا يتحمل سلطة العم، وهذا سبب آخر من الأسباب التي كانت تمنعه من زيارة زوجته المهجورة وأبنائهما.
وأما أخوه من أمه شعيب أوعيسى الملقب تشوشوكت، فكان يحتل مكانة وضيعة بين أفراد الأسرة. لقب بهذا الاسم لأنه، في صغره، كان يقيق مقلدا صوت الدجاجة من أجل إثارة الانتباه. وهو رجل قصير القامة، خفيف الحركة، لباسه رث، يعتمر عمامته بطريقة غير منمقة، يتكلم قليلا من الأسبانية ولا يتقن العربية، ويدخن كثيرا في غرفته. يعمل بجد وحيوية، على خلاف موحند، ويقوم بأسوأ الأعمال وأصعبها؛ ولكن زوجته كانت أنيقة وجميلة جدا.
3-1. خدوج زوجة موحند المفضلة
كان عمرها لا يتجاوز الخامسة عشرة حين تزوجها موحند، وبسرعة أصبحت أما لثلاثة أطفال في الوقت الذي كانت تنتظر وضع حملها الرابع. أكبرهم إدريس البالغ من العمر ثلاث سنوات، تلته مغنية، وعمرها سنتان، ثم محمادي الرضيع. وعندما اكتشفت بفضل أرسولا مزايا الطب الحديث بدأت تفكر في زيارة الطبيبة بالحسيمة للحصول على معلومات بخصوص وسائل منع الحمل بدون علم زوجها، لأن موحند يرفض فكرة تنظيم الأسرة رفضا باتا. ولكن خدوج لا تقبل أن تظل المرأة بدون إنجاب، فهيترغب ، من جهة، في إنجاب العدد الكافي من الأولاد لإرضاء زوجها والحصول على مكانة محترمة داخل الأسرة، وترغب، من جهة أخرى، في منع الحمل حفاظا على سلامتها نظرا لخطورة ظروف الوضع.
يتحدد العدد الكافي من الأولاد بمدى قدرة المرأة على تحمل الوضع. ويمكن القول، استنادا إلى المعطيات المتوفرة، بأن عدد حالات الوضع التي يمكن للمرأة أن تتحملها في سياق المجتمع الريفي الذي يتميز بشظف العيش وغياب العناية الطبية، هو ثلاث حالات. فقد بدأت خدوج تفكر بجد في الحصول على وسائل منع الحمل بعد أن وضعت حملها الثالث، وفكرت 'عيشة"، زوجة الابن الأصغر لبوطاهر عم موحند، في الإجهاض لمجرد أن أيقنت بأنها حبلت للمرة الرابعة. بكت 'فطمة'، زوجة ميمون الابن الأكبر لبوطاهر، التي لا يتجاوز عمرها الخامسة عشرة، حين رأت أختها 'عيشة'، حزينة بسبب حملها الرابع. حزنت لحزنها وبكت بمرارة، وكانت قد رأت ما حل بأختها من عذاب الوضع مرات عديدة، رأت ذلك لأن الوضع في الريف لا يعتبر حدثا خصوصيا، وكان لابد من أن تخاف على نفسها وعلى أختها. لم تخبر 'عيشة' زوجها بحملها، وانبرت تبحث عن مولدة تخلصها من الجنين. أسرت لأرسولا أنها جربت كل الوسائل التقليدية لإسقاطه: "فعلتُ كل شيء: شربتُ الماء المر لقشرة الرمان، وأكلت بذرة السنا. إنها سموم تجعلني مريضة فقط. حتى أني جربت رفع القلال الكبيرة المليئة بالماء، ولا شيء" (ص. 150). فعلت ذلك كله من غير أن تأبه بالحكم الشرعي للإجهاض. لا شك في أن أعراض ما بعد صدمة الوضع هي التي تجعل النساء الريفيات أقل حرصا من الرجال على تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بقطع الحمل أو إيقافه.
يتفق الرجال والنساء في الريف على أن الأسرة الطبيعية هي أسرة كثيرة الأولاد، ولكن كل طرف يقدر حجم الأسرة وفقا لمعاييره الخاصة: فالرجال يقدرونها وفقا لمعيار اجتماعي هو معيار القوة، سواء تعلق الأمر بالقوة العسكرية قديما حين كان الثأر قيمة اجتماعية أساسية، أو بقوة العمل، بينما تقدرها المرأة بمعيار ذاتي، إذ من الأولاد تستمد المرأة قيمتها وسلطتها، وهم بالنسبة لها مصدر فخر واعتزاز بالنفس، والوسيلة التي تبدد مخاوف الطلاق التي تقض مضجعها. ولكن خطورة الوضع وعذاباته ترسم لرغبة المرأة في الإنجاب حدودا؛ ولذلك كانت أكثر استعدادا من الرجل لقبول فكرة تنظيم الأسرة.
هكذا، إذن، كان يتعامل الريفيون المتشبثون بتقاليدهم وأعرافهم، سواء أكانوا رجالا أو نساء، مع عناصر الثقافة الحديثة الوافدة. لقد كانوا يتعاملون معها مثلما يتعاملون مع الأحكام الشرعية بطريقة انتقائية كل حسب مصلحته الخاصة، مما أدى إلى زيادة التوتر في العلاقة بين الرجال والنساء.
ومع ذلك، ظل الإنجاب يكتسي عند المرأة الريفية قيمة خاصة، فهو يوفر لها الحماية من الطلاق ويعزز مكانتها في الأسرة وفي المجتمع. سألت إحدى النساء أرسولا ما إذا كان زوجها الأول قد مات أم أنه طلقها، أجابت أرسولا كاتمة غيظها: "تم الطلاق". وقالت المرأة الفضولية: "لكن، كيف يطلقك وأنت أنجبت له أطفالا ؟ ربما أراد أن يكون له الكثير من الأولاد إ مع الوقت يمكنك أن تلدي أكثر" (ص. 127). وأما المرأة التي لا تنجب لأي سبب من الأسباب فلا قيمة لها على الإطلاق في المجتمع الريفي، وغالبا ما تكون عرضة لمختلف أشكال العنف الرمزي من طرف النساء الولودات.
وصفت أرسولا مشهدا دراميا جرت أحداثه بين خدوج، التي بدت لأرسولا، في كثير من المواقف، عاقلة ولطيفة وهادئة، واروازنة، الأخت الصغيرة لموحند والبنت المفضلة لأمه، التي لم ترزق بأولاد رغم مرور ثلاث سنوات على زواجها. هزت نشوة الافتخار بالأولاد خدوج، ودفعتها، رغم ما تتصف به من رزانة، لاستفزاز مشاعر أخت زوجها بسخرية لاذعة، وكانت اروازنة قد جاءت في زيارة لأمها بعد غياب طويل. اغتنمت خدوج بذكاء فرصة وجود أرسولا لتوجه سهامها إلى أخت زوجها وهي تلفها بغشاء البراءة متعمدة نشر مشكلتها أمام الملإ لتزيد الأمور تعقيدا: "إنها حزينة، قالت مخاطبة أرسولا، لأنها لم تنجب أولادا بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها. فهي تخجل من وضعها أمام عائلة الزوج، وتلومها النساء خاصة الحماة، كما يرغبن أن يطلقها سي عبد الرحمان ويتزوج امرأة اخرى". "مسكينة اروازنة قالت خدوج بازدراء" وأضافت قائلة بعد أن أيقظت مخاوفها: "رزقني الله بالأولاد وكذلك بحماة طيبة". انكفأت اروازنة على وجهها تبكي. كانت خدوج حاملا، تتباها بحملها أمام اروازنة لتنغص عليها الحياة دون أن تبدو أنها تقصد إيذاءها. وللتخفيف من معاناة اروازنة اقترحت أرسولا أن تعرض مشكلتها على الطبيب في مستشفى الحسيمة، فلعله يجد لها حلا.
ولما علمت النساء بنتائج الفحص الطبي الإيجابية، واكتشفن مزايا الطب الحديث، بدأت خدوج تفكر في الحصول على وسائل منع الحمل. أسرت إلى أرسولا أن جسدها لم يعد يتحمل مزيدا من الولادات، وقالت: "فبعد ولادة هذا الأخير سأطلب من الطبيبة أن تفعل شيئا كي لا أحمل مرة أخرى. طبعا بدون علم موحند". بعد ذلك، ازداد انشغال النساء بمسألة منع الحمل "كل ما يهمهن هو الحديث عن كيفية عدم الحمل، الهم الدائم عند النساء" (ص. 135). وهكذا انكشفت لأرسولا حقيقة الميكروكوزم النسوي في منطقة بني ورياغل، إنه عالم الرغبات المتناقضة والاكراهات المتعارضة، واقع تفصل فيه مسافة كبيرة بين الحاجة والرغبة.
والحقيقة أن تجربة الولادة عند النساء الريفيات هي تجربة أليمة وقاسية جدا، وتزيد الأعراف والتقاليد من خطورتها على الأم ورضيعها. تفرض الأعراف في منطقة الريف أن تمسك المرأة عن الأكل طوال فترة التحضير للوضع مخافة أن تتغوط أثناء عملية الولادة، لأن في ذلك نذير شؤم في اعتقاد المرأة، خاصة وأن الوضع في الريف ليس مسألة خصوصية، مما يزيد الأمور تعقيدا. ويتضاعف آلم المرأة إن لم يكن الجنين في الوضع الصحيح، ولإخراجه، تضغط امرأة بركبتها على جانب من البطن نازلة عليه بثقلها، فإما أن يخرج الجنين أو يموت هو وأمه. إن تجارب الوضع الأليمة تتسبب للمرأة في صدمة نفسية قوية يترتب عنها اضطراب مزمن في الشخصية. تتجلى أعراض ما بعد الصدمة في الخوف الشديد من الحمل مثلما حصل لـ'عيشة'، ويلجأ بعضهن إلى تجرع بعض الخلطات المريرة والخطيرة من أجل الإجهاض. ومن النساء من يستعملن طرقا مؤذية بصحتهن لمنع الحمل، ويتجرعن الحنظل لاعتقادهن أنه يوقف الحمل. ولذلك كانت المرأة مؤهلة لتقبل وسائل منع الحمل الحديثة والإجهاض. وأما الرجال، فإنهم كانوا، على العموم، يمتنعون عن مساعدة زوجاتهم في الحصول على وسائل تنظيم الأسرة، ويرفضون استخدام العوازل الطبية لاعتبارات ذاتية محضة. وتقضي العادات الريفية بأن لا يغسل الرضيع أبدا خلال عامه الأول، وأن يغسل مرة أو مرتين بعد ذلك للاعتقاد بأن الاستحمام يضعف الأولاد.
أتاحت أرسولا للنساء المنزويات خلف باب الفناء فرصة اكتشاف بعض المنتجات الحميمة الخاصة بالسيدات حين سمحت لهن بتجريدها من ثيابها لإلباسها بزيهن التقليدي. اندهشن لرؤية لباسها الداخلي وثدييها غير المتدليين. وصفت أرسولا المشهد الذي افتعلته لترى ردود أفعالهن بقولها: "خلعت رافعة الثديين لتجربها خدوج. ودون مقدمات، خلعت قميصها ولبست رافعة الصدر. ثم بدأت تتحرك يمينا ويسارا، وتقف على أصابع قدميها وعيناها مفتوحتان عن آخرهما دلالة على تعجبها من الحماية التي يمكن أن توفرها هذه اللبسة الخفيفة" (ص. 67). لم تخف خدوج رغبتها في التمتع بالأزياء الحديثة وإن كان لابد أن تخفيها خلف لباسها التقليدي؛ يستعمل موحند نفسه اللباس الأوروبي بطريقة محتشمة، ويضع فوقه لباسه التقليدي. هكذا تسللت الحداثة إلى عالم النساء التقليدي المنغلق في شكل لباس حميمي يحمل معه قيما ومعايير جديدة، ويعمل في سرية على إيقاظ الشهوة الغافية أو المقموعة.
ولكن خدوج كانت متخوفة من زحف النظام التعليمي، وخشيت على نفسها من أن يخطف منها أبناءها. بُنيت أول مدرسة هناك، غير بعيد عن منزل موحند، في بداية الستينات من القرن الماضي، وبدت للمرأة الريفية كالوحش المرعب الذي يثكل النساء، ولذلك ظلت فارغة مهجورة. قد يرجع السبب في ذلك، في المقام الأول، إلى طبيعة العلاقة بين الأم وطفلها، وهي على ما يبدو من خلال ملاحظات أرسولا علاقة التحام. كانت خدوج شديدة التعلق بأبنائها، حتى إنها لا تقدر على زجرهم أو معاقبتهم عندما يقترفون أسوأ الأفعال. اندهشت أرسولا لما رأت ابن خدوج يقوم بحماقات تضاعف من متاعب أمه، ونصحتها قائلة: "يجب عليك أن لا تدعيه يفعل ما يشاء.. إنه يجعلك تتعبين أكثر". أجابت خدوج، التي كانت تعاني من صداع الرأس باستمرار.: "إنه ولدي الأكبر من بين أولادي، ولا يمكنني أن أوبخه، أنظري كم هو ظريف إ" (ص. 91). تغالي في تدليله، ولا تضع لشهواته حدودا ولا كوابح، كأنها تؤهله من حيث لا تدري ليصبح حين يكبر نموذج الباتريارك الذي يطلق العنان لنزواته بلا حدود، متحررا من كل القيود. من المحتمل أن تكون المغالاة في تدليل الأطفال أحد العوامل التي تساهم في تشكل الشخصية النرجسية المتمركزة حول الذات، وهي شخصية متسلطة، تعجز عن تفهم مشاعر الآخرين وحاجاتهم..
كانت الأم في ذلك الوقت تحرص حرصا شديدا على أن يظل الأطفال بجانبها باستمرار معللة موقفها بأن المدرسة تعلم السلوك السيئ للأطفال، وبأنه من الأفضل لهم أن يساعدوا آباءهم وأمهاتهم في الأعمال الزراعية والمنزلية ليتدربوا عليها منذ نعومة أظافرهم حتى لا يجدوا صعوبة في القيام بها عندما يكبرون. تلك تبريرات تخفي حقيقة أخرى تتمثل في خوف المرأة الدفين من غياب الأولاد. كان لموحند موقف آخر، وتتهم النساء زوج أرسولا بأنه هو الذي أثر عليه بأفكاره الغريبة حتى جعله يفكر في إرسال بناته إلى المدرسة. وهكذا أصبحت مسالة التعليم إلى جانب مسألة تنظيم الأسرة والإجهاض من جملة القضايا التي اختلفت حولها آراء الرجال والنساء في الريف في مرحلة ما بعد استقلال المغرب.
حدومة زوجة موحند المهجورة
يفوق عمرها السيكولوجي عمرها البيولوجي بعشرات السنين: كانت تشعر بأنها عجوز وإن لم تكن قد تجاوزت الخامسة والثلاثين حسب تقدير أرسولا. ضعف قلبها، وخار عزمها، ورسم الحزن ملامح وجهها، فشاخت قبل الأوان. كل ذلك بسبب زواج غير موفق: زواج داخلي كان عبارة عن صفقة بين الأسر أبرمت لاعتبارات تتعلق بالإرث. كان العروس غلاما في ربيعه الخامس عشر. لنتصور شعوره وهو يقف لأول مرة، وجها لوجه، أمام امرأة مكتملة البناء. لعله قرأ في نظراتها ما باحت به فيما بعد لأرسولا حين قالت لها عنه بأنه كان لا يزال طفلا تعود على النوم مع والديه. أصيب بالهلع، وانهال عليها بالضرب في ليلة الزفاف؛ ربما أراد أن يثبت لها رجولته وفحولته بهذه الطريقة الرعناء. شكلت هذه الحادثة صدمة بالنسبة لحدومة؛ وما زالت تتذكرها بكثير من المرارة والتشنج. ولكم كانت فرحة موحند كبيرة حين أصبح أبا لمولود ذكر وهو في السادسة عشرة من العمر. لقد أصبح الآن رجلا إ وكانت فرحة الأم أكبر، لأن هذا المولود يمثل صمام الأمان بالنسبة لها.
لكن فرحتها لم تدم طويلا: فما أن وضعت حملها الثالث حتى هجرها زوجها، وتركها تعيش في بيت العائلة الأصلي بين زوجات أبناء عمه الكثيرات. ناذرا ما كان بزورها، ومع ذلك أنجب معها طفلين آخرين. تزوج موحند بعد ذلك فتاة في الرابعة عشرة من العمر، أنجبت له طفلة ثم طلقها لاعتقاده أنها كانت تمارس السحر. ونظرا لكثرة حديثة مع زوجته الأولى عن السحر الأسود الذي تمارسه زوجته الثانية، زرع في نفسها الهلوسة والوساوس، وحصل لها الاعتقاد بأنها وقعت تحت تأثير ساحرة تريد بها شرا؛ ولصرفه عنها استعانت سرا بخدمات امرأة عجوز متخصصة في درء السحر الأسود. شعرت بأن التعاويذ والرقى صرفت عنها الغم الناتج عن تأثير السحر حسب اعتقادها، ولكن أحوالها استفحلت بسبب سوء المعاملة وكثرة الأشغال. أصبحت تشعر بالإجهاد المستمر، وما زالت تصبر وتكابر مستسلمة للقدر حتى تعقدت الأمور أكثر، وبدأت تشعر بشكل متواتر بألم شديد في الصدر يرافقه اضطراب في التنفس. لعلها أعراض مرض عضوي-نفسي ناتج عن كثرة الضغوط وشدتها.
لم يهجرها زوجها فحسب، وإنما انتزع منها ابنها البكر أيضا ليرعى له الماعز؛ وفي المقابل، تصرف مع ابنته من الزوجة الثانية المطلقة كما لو كان يريد التخلص منها حين تركها تعيش بعيدا عنه في كنف زوجته المهجورة. وإذا علمنا مدى شدة الارتباط العاطفي بين الأم وابنها البكر بالخصوص في المجتمع الريفي، ومدى قوة الشعور بالخزي عند حدوث الطلاق أو الهجران، أمكننا أن نتصور مدى هول الفاجعة التي حلت بامرأة أصبحت على حين غرة أرملة وزوجها حي، وثكلى بابنها حيا. أسرَّت لأرسولا بلهجة من يستسلم للقدر: "...أشعر باني وحيدة رغم وجود أولادي معي. والأكيد أن أحمد ابن طيب، لكن الآن، وبعد أن أصبح يافعا، يجب أن يكون بجانب أبيه. باقي النساء لهن أزواجهن الذين يعتنون بهن، أما أنا فلا أحد لي [...] أعرف أني لا أهمه، إني عجوز" (ص. 155). عجوز إ ربما شعرت بأن العد العكسي لما تبقى من أيام حياتها قد انطلق.
كان منزل العم يعج بالنساء، وكانت حدومة أول امرأة تستيقظ عند الفجر. تباشر العمل وشعرها مكشوف متشابك، تدق الشعير في مهراس خشبي طويل، تطحنه طحنا، ثم تغربل الطحين، وتعد فطائر الشعير وعصيدة الإفطار لأبنائها. عمل شاق ومسترسل، يستمر من غبش الفجر إلى غسق الليل، تتخلله لحظات حديث حميمي بين النساء. ولسوء حظها، لم تكن حدومة تنعم بشيء من الراحة خلال هذه الفترات، بل كثيرا ما كانت تتعرض فيها للإنهاك العصبي، تستغلها بعض النساء، عن وعي أو غير وعي، عن قصد أو غير قصد لإذلالها وقهرها. يكاد يكون العنف الرمزي في عوالم النساء الريفيات المنغلق هو القاعدة بنميمتهن، وتنافسهن، ومباهاتهن بأنفسهن على حساب غيرهن. نفثت تميمونت، زوجة تشوشوكت. المتباهية بجمالها، سمومها ذات مرة في وجه حدومة حين خاطبتها بفظاظة وغلظة أمام النساء: "...سيعود زوجك إلى المرأة الأخرى الجميلة، فهي تعرف كيف تعامله في السرير...لاحظت أنه لا يناديك عند القيلولة لتمضي معه بعض الوقت. نعلم جيدا أنك عجوز وقبيحة.. لكن على الأقل، كان عليك أن تلبسي أحسن حين يكون هنا" (ص. 156). بكت حدومة في صمت، جرت دموعها وامتزجت بطعام طفلتها الصغيرة التي كانت في حضنها.
لاحظت أرسولا أن آلام الصدر لم تعد تبارح حدومة الصبورة. عندما تشتد عليها الأزمة، تعوج قسمات وجهها، ويتصبب العرق على جبينها، وتطفو زرقة على جوانب أنفها. أخبرت أرسولا زوجها موحند بمعاناتها، ولم يكترث لحالها، واكتفى بالقول: "إنها قوية كالبغلة"، وأن أوجاعها عادية وعابرة. كانت حدومة على ذلك الحال حين لسعت عقرب سوداء إحدى بناتها الصغيرات، نسيت آلامها، وهرولت نحوها مفزوعة، وبكت خوفا عليها من الهلاك. نظر موحند إلى طفلته التي أغمي عليها وهي في حضن أمها وقال: "إنها بخير..أعتقد أنها نائمة". صرخت أرسولا: "ستموت إ"، ورد عليها موحند: "في ذلك الحال سيكون ما شاء الله" (ص. 140-141)؛ وحصل أن نجت الطفلة بأعجوبة.
لم يهمل موحند زوجته فقط، بل طال الإهمال وسوء المعاملة أبناءها أيضا. فصل بين الأم وابنها أحمد غصبا عنهما، وتعامل مع هذا الأخير كما لو كان عبدا، يصرخ في وجهه كلما أمره بفعل شيء ما، يشتمه، ويضربه، ويصفه بالأبله، ويناديه بالحمار. قال عنه مخاطبا أرسولا ودافيد : "هذا الولد مغفل، إنه أبله، يشبه أمه"، وكأنه أراد أن يؤلب المجتمع ضد ابنه ليرغمه على قبول هذا التوصيف واستبطانه من خلال جعله عموميا؛ بينما بدا أحمد لأرسولا طفلا وديعا وخجولا ومطيعا، يتفهم مشاكل الآخرين، يتعاطف معهم، ويواسيهم. لم يكن مغفلا، ولكنه كان يعاني من مشكل في السمع، ويتلعثم في كلامه. لهذا السبب كان يكرهه أبوه، ويعنفه بقدر ما كان يدلل ابنه من الزوجة الثالثة الملقب بالأمركاني. ولما لم يجد من يحميه من جبروت أبيه، ولا ملاذا يلوذ إليه، تعلم الصبر مثل أمه، ومنها استمد إنسانيته وقدرته على تفهم الآخرين. لكن هذه الخصال الحميدة تعتبر ضعفا في مجتمع يقاس فيه كل شيء بميزان القوة، وتُفرض فيه الطاعة بواسطة الإهانة. كان أسلوب موحند في التنشئة الاجتماعية أسلوبا يتسم بازدواجية المعايير. وكان هذا الأسلوب كفيلا بأن يصنع من أحد أبنائه نسخة مطابقة له، ومن ابنه الآخر نسخة مطابقة لأخيه تشوشوكت، ليكون الأول سيدا والثاني عبدا مسخرا له يقوم بأسوأ الأعمال، وبذلك يعيد إنتاج بنية علاقات السلطة داخل الأسرة.
كانت حدومة على وعي تام بوضعية ابنها ومصيره، ولكنه وعي شقي، يزيد من آلامها حين لم يكن بوسعها أن تفعل شيئا سوى الاستسلام وانتظار الأجل المحتوم. وفجأة، توقف قلبها، ولفظت أنفاسها بين يدي أرسولا وهي عائدة تحمل قلة ماء نهلته من العين المنبجسة أسفل الوادي على بعد كيلومتر ونصف.
تميمونت زوجة تشوشوكت
تقطن مع زوجها في منزل العائلة الأصلي، حيث يهيمن بوطاهر، عم موحند، وزوجته التي هي حماة كل النساء تقريبا. لاحظت أرسولا للوهلة الأولى وجود شخصية متفردة ومتميزة في عالم النساء المتجانس بالنظر إلى أنماطهن السلوكية؛ إنها تميمونت، زوجة تشوشوكت، وهي امرأة تناهز الثلاثين من العمر، فاتنة الجمال، طويلة وهيفاء. رسمت أرسولا لوحتها بالكلمات على النحو التالي: "عيناها سوداوان، أنفها مستقيم، شفتاها دقيقتان وجميلتا الشكل. عنقها الرشيق يبدو في تناسق تام مع حليها اللامعة". اندهشت أرسولا لرؤيتها، وتساءلت في نفسها: "كيف يمكن لامرأة جميلة أن تتزوج بـ'تشوشوكت'، رجل يلبس رث الثياب، ملطخ دائما بالوحل، ويعمل في أبخس الأعمال"(ص. 123). هذا بالإضافة إلى كونها ذكية جدا، تتفوق على جميع النساء بفطنتها ونباهتها، حتى إن زوجها يبدو أمامها هزيلا، من هذه الناحية، وضعيفا؛ ومع أنها لم تنجب أولادا، إلا أنه يخاف منها خوفا شديدا. يذكرنا وصف أرسولا لشخصية كل من تشوشوكت وتميمونت ولطبيعة العلاقة التي جمعت بينهما بما كتبه كرابانزانو في معرض حديثة عن 'عيشة قنديشة'، الجنية التي تسحر القلوب بجمالها في أساطير الطريقة الحمدوشية. تتجلى لمن أرادت تملكه في هيئة غادة تسحر القلوب بجمالها. فإن هو ضاجعها قبل أن يدرك حقيقة أمرها، أصبح عبدا لها، يحبها حتى الجنون، ويخاف منها خوفا شديدا في نفس الوقت. تسيطر عليه، وتجبره على ارتداء رث الثياب، وتصرفه عن العناية بمظهره ونظافة جسمه)).
تعرف تمبمونت كيف تنظم أوقات عملها بطريقة عقلانية ليبقى لها متسع من الوقت للزينة والاسترخاء. تتزين بحليها ومساحيقها، وترتدي أجمل ما لديها من ثياب في كل الأوقات على عكس النساء الأخريات، وتقضي معظم الوقت متكئة على أريكتها في عزلة عنهن. تشعر بجمالها، ولا تتوانى في استعراض مفاتنها بنوع من الكبرياء والاعتزاز بالنفس أمام الجميع. تجد المتعة في الذهاب إلى العين لجلب الماء رغم صعوبة هذا العمل، لأنها الفرصة الوحيدة المتاحة لها للظهور أمام الرجال، تختلس نظراتها بمكر إليهم مخالفة بذلك أعراف القبيلة غير آبهة بما يصدر عن زميلاتها من ردود فعل تعبر عن استيائهن إزاءها.
شخصية تميمونت الشهوانية المتفردة عمن حولها بنزوعها الظاهر إلى الخروج عن أعراف القبيلة ومعاييرها، أهلتها للانفتاح على نمط عيش جديد رغم حواجز العزلة. صنعت لنفسها عالما خاصا بها ضمن حدود غرفتها، ووفرت فيه لزوجها من وسائل الراحة والاسترخاء ما ينسيه هموم العالم الخارجي الشديد التوتر بسبب كثرة القيل والقال. غرفتها المؤثثة بشكل أنيق تنم عن ذوق رفيع غير معهود لدى النساء القرويات. على أرضية الغرفة زربية جميلة مبثوثة من حولها وسائد مزركشة بأناقة، وفي الوسط مائدتان مستديرتا الشكل تعلوها منافض للسجائر وصينية من نحاس أصفر منقوشة ومصقولة بعناية، والستائر مسدلة على النوافذ المطلة على الفناء. ومن بين الزخارف التي تؤثث الغرفة، هناك "كنز حقيقي"، وهو عبارة عن جهاز ترانزيستور وضع على قماش مطرز باليد. تساءلت أرسولا عن مصدر تسرب الأفكار التي غيرت نمط العيش في هذا العالم الصغير. لعله الترانزيستور، جريدة تميمونت الشفوية.
وجريا على عادتها في افتعال الأحداث وفقا لتقنية لعب الأدوار، أخرجت أرسولا من حقيبتها علبة سجائر من محفظتها، تناولت إحداها وقدمت الأخرى على سبيل المزاح لتميمونت، قبلتها بدون تردد، وراحت تدخن وتسعل. ولدهشتها اكتشفت أرسولا أيضا أن تميمونت كان بحوزتها عدد قديم من مجلة ELLE مخبأ تحت نضيدة، وهي مجلة متخصصة في شؤون السيدات. في الصفحة الأخيرة إشهار لنوع من السجائر: شاب يهم بإشعال سيجارة من يفترض أنها عشيقته. من الواضح أن تميمونت كانت تتماهى مع الفتاة، وتحلم لو أن تشوشوكت كان هو ذلك الفتى الذي يشعل السيجارة لحبيبته.
خلاصة
كانت الحركة النسائية لازالت في بداية تشكلها بالمغرب خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، واقتصرت على ثلة من النساء المثقفات اللواتي ينتمين إلى الطبقة الوسطى الناشئة في المدن. وكانت مطالبها مرتبطة ببرامج الأحزاب السياسية، وتمحورت حول مسألة تعليم الفتاة والقضايا المتعلقة بمدونة الأحوال الشخصية. وأما حقوق المرأة فلم تنل ما تستحقه من الاهتمام من لدن القوى السياسية في ذلك الوقت، وربما تم تهميشها عن قصد. والمفارقة، هي أن المرأة القروية اتخذت موقفا سلبيا من مسألة تعليم الفتيات، ولكنها عملت بسرية من أجل انتزاع بعض الحقوق، كالحق في الاختيار بين الإنجاب وعدم الإنجاب، والحق في الإجهاض. فرضت هذه المطالب نفسها تحت تأثير عاملين أساسيين وهما: مخاطر الوضع التي تزيدها الأعراف تعقيدا، من جهة، والانفتاح على الطب الحديث الذي يتيح للمرأة إمكانية تنظيم الأسرة بما يضمن صحتها ومصالحها، من جهة أخرى. ويظهر من خلال تحليل حالة تميمونت، أن اكتشاف نمط عيش جديد ربما كان هو العامل الأساسي الذي هيأ الأرضية لتنامي طموحات المرأة وإطلاق العنان للرغبة في النمو الشخصي والاستقلال والحرية. كان هذا العامل يعمل في الخفاء بعيدا عن لغط الدوائر السياسية التي كانت تعمل بدورها خلف جدار الصمت لتأجيل مثل هذه المطالب إلى أجل غير مسمى.
* Hart, David M. (1976). The Aith Waryaghar of the Moroccan Rif: An Ethnography and History. Viking Fund Publications in Anthropology, no. 55. Tucson:
University of Arizona Press.