Jeudi 31 mai 2012 4 31 /05 /Mai /2012 02:17

نساء قبيلة بني ورياغل في ضوء الأنثربولوجيا الأنثوية

قراءة في كتاب 'وراء باب الفناء' لأرسولا كينغسميل هارت

أحمد أغبال

أرسولا كينغسميل هارت هي زوجة عالم الأنثربلوجيا المشهور دافيد مونتغومري هارت. رافقته في رحلاته إلى شمال المغرب وساعدته على إنجاز بحثه الميداني بإحدى قبائل منطقة الريف. تتميز هذه المنطقة الريفية بالفصل الصارم بين النساء والرجال، ولذلك كان لا بد أن يلعب عامل الجنوسة دورا أساسيا في تحديد إمكانية ولوج ميدان البحث وجمع المعطيات. كانت مهمة أرسولا تتمثل في اختراق ودراسة عالم النساء الموجود 'وراء باب الفناء'. كان زوجها يتوقع منها مراعاة قواعد المنهج الميداني المتعارف عليها. إلا أن عملية جمع البيانات تشكلت تحت تأثير مقومات هويتها الأنثوية وسمات شخصيتها المتميزة. وتميزت تجربتها الميدانية بعلاقاتها الودية مع نساء الريف وانخراطها الحميمي في حياتهن اليومية. وكشفت هذه المقاربة الذاتية عن الأبعاد الخفية لحياة النساء القرويات في تلك الفترة المفصلية من تاريخ المغرب الحديث. وهي مقاربة ذاتية بمعنى أن الباحثة أخذت بعين الاعتبار التجارب الوجودية للنساء، وشاركتهن همومهن واستمعت لما بداخلهن، واستعملت ضمير المتكلم في سرد الوقائع. والدراسة الحالية هي محاولة لتحليل وتأويل المعطيات الإتنوغرافة التي جمعتها أرسولا كيتغسميل هارت والقضايا التي قامت بإثارتها وتحديدها.

Ursula Kingsmill hart is the wife of the famous anthropologist David Montgomery Hart. She accompanied and assisted him in fieldwork in the northern Morocco amongst Rifian tribes. In this rural area, characterized by a sharp gender segregation, the access to the field and collecting of data would necessarily be determined by gender to a significant extent. Ursula’s mission was to investigate the world «Behind the courtyard door».  She was expected to follow strictly the established data collection rules. But, it clearly appears that the process of data collection was fundamentally shaped by her gender identity and other personality traits. Her fieldwork experience was marked by friendship and by her intimate engagement with women’s daily lives This subjective approach reveled the hidden dimensions of the rural women’s life in a pivotal time of Moroccan modern history. It is subjective in the sense that the researcher takes account of peoples existential experience and takes part in it using the first-person narrative perspective to present events. The present study is an attempt to analyze and interpret the ethnographic data collected by Ursula Kingsmill Hart and the key issues she has identified.

أنثربلوجيا وجودية من أجل فهم المرأة الريفية 

ربما كانت أرسولا هي أول امرأة غربية تمكنت من اختراق عالم المرأة الأمازيغية المنغلق في منطقة الريف الواقعة شمال المغرب. إنها أرسولا كينغسميل هارت، زوجة الأنثربولوجي الأمريكي دايفيد مونتغومري هارت صاحب كتاب "أبت ورياغل"*. لم يكن باستطاعة هذا الباحث أن ينفذ إلى عالم المرأة القبلية الريفية بسبب التفرقة الصارمة التي يقيمها أهل الريف بين الرجال والنساء. كان عليه أن يستعين بزوجته أرسولا من أجل اختراقه. تعرف عليها لأول مرة عام 1958 ثم تزوجها. لم يسبق لأرسولا أن اشتغلت بالأنثبرولوجيا، ولكن زوجها أهلها من خلال تلقينها أساسيات البحث الميداني. أخبرها بأن عالم النساء يزخر بشخصيات متنوعة ومختلفة تربط بينها علاقات شديدة التوتر، وبأن البحث الميداني "هو الكد والتعب بدون أدنى وسائل الراحة" (ص. 323)، وحذرها من الانحياز إلى أي طرف بقوله: "لا تنحازي إلى جانب أحد، اقتصري على أن تكوني مجرد ملاحظة" داعيا إياها إلى أن تنتبه لأبسط التفاصيل، وتسجلها بدقة على الفور، وأن لا تثق بذاكرتها.

لم يكن بوسع أرسولا، التي وصفها زوجها الأنثربولوجي بأنها "رومانسية وعصبية"، أن تكتفي بدور الملاحظ الخارجي: "رباه إ كم هو مغرور، قلت في نفسي. ابتسمت في أعماقي. أن أكون غير منحازة، وأن لا أتورط، سيكون الأمر صعبا في هذا العالم الصغير، عالم منغلق ومتجانس" (ث. 48). وتورطت حتى البكاء. بكت بحرارة  مع النساء أثناء مراسيم الحناء ليلة الزفاف. "الجميع يبكي خلال هذه المراسيم. أما دايف، فقد نصحني أن أكون يقظة، بينما أنا كنت أقول في نفسي: إذا بكى الجميع، فمن من المؤكد أن أبكي أنا كذلك. لا يمكنني أن أظل مجرد ملاحظة فقط" (ص. 75). دونت مشاعرها وملاحظاتها في كتاب أشبه ما يكون بكتب السيرة الذاتية، وصفه زوجها بقوله في تقديم الترجمة الأسبانية: "إن هذا العمل كتب بعطف وحنان إنساني" (ص. 15)، ويقصد بذلك أنه لم يراع قواعد المنهج الأنثربولوجي المتعارف عليها في الأوساط الأكاديمية.

لقد قررت أرسولا أن تخالف قواعد الأنثربولوجيا ذات التوجه الوضعي لتتعاطف مع النساء الريفيات وتعيش معهن تجاربهن الشعورية بحلوها ومرها، فحزنت بحزنهن، وشدت بشدوهن ورقصت، وشاركتهن هموم المرأة ومشاغلها واهتماماتها؛ تزينت مثلهن متباهية بمفاتن المرأة، وعانت مثلهن من ضعف قدرة الرجال، حتى ولو كانوا أنثربلوجيين مثل زوجها، على فهم خصوصيات النفس الأنثوية وعلى إدراك الفروق بين شخصية الرجل وشخصية المرأة، تلك الفروق التي كشفت عنها دراسة ري كارلسن. أظهرت هذه الباحثة أن "الذكور يمثلون تجارب الذات والآخرين والمكان والزمان بطرق فردانية وموضوعية وغير ودية، في حين أن الإناث يمثلن التجارب بطرق بيشخصية نسبيا، وذاتية ومباشرة" وتوصلت كودورو في دراستها للفروق بين شخصية الذكر وشخصية الأنثى إلى أن الرجل أكثر موضوعية، ويميل إلى التواصل بأشكال أكثر تجريدية؛ وأما المرأة، فتكون أكثر ذاتية، وتميل إلى التواصل بأساليب محسوسة نسبيا. واعتبرت هذه الاختلافات "عامة وتقريبا شمولية".

تعاملت أرسولا مع النساء الريفيات في دراستها بطرق شخصية، ودية، ومحسوسة على عكس ما كان يتوقع منها زوجها الذي يميل أكثر إلى الطرق الموضوعية المتعالية، بحيث يمكن القول إن أسلوب البحث الأنثربولوجي عند أرسولا هو أسلوب مطبوع بطابع الأنوثة، بينما يمكن وصف أسلوب زوجها بأنه أسلوب ذكوري. لم يكن بوسع دافيد هارت أن يعترف لأرسولا بأسلوبها المتميز ولا بقدرتها كباحثة أنثربولوجية. يقول في تقديمه للترجمة الأسبانية: "وفي رأيي إن هذا العمل كتب بعطف وحنان إنساني [...] أقول هذا، لأن صاحبة الكتاب، أرسولا كينغسميل هارت، كانت زوجتي، وأنا هو ذلك الأنثربولوجي المعني بالأمر" (ص. 15). وحين قالت له في إحدى المناسبات بكل تلقائية وبراءة: "يعجبني عملك"، رد عليها غاضبا: "ليس عملا، بل هي مهنة، وأحد فروع المعرفة" (ص. 49). تكرر سوء التفاهم هذا حين طلب منها يوما أن تساعده في كتابة بعض الأشياء على الآلة، أجابت مستفسرة: "هل تعني رقانة المسودة الأولى من ذلك الكتيب الذي أردت كتابته هنا ؟"، ورد عليها كعادته غاضبا: "أنا لا أحرر كتيبات إ سيكون مقالا أو دراسة. تبا لك 'أورس'. عليك أن تتعلمي مختلف المصطلحات الأكاديمية إذا أردت مساعدتي في عملي. العمل الميداني الذي أقوم به لسنوات هو بهدف إنجاز دراسة أكاديمية من أعلى مستوى.. كتيب إ". وردت عليه: "أنت تأمر" (ص. 82)؛ وكأنها تريد أن تقول: إنك تأمر مثلما يأمر كل الرجال الريفيين نساءهم.

بلغ سوء التفاهم بين دافيد وأرسولا حدوده القصوى حين وظفت هذه الأخيرة أسلوبها الأنثوي المحسوس في التواصل والاندماج مع النساء الريفيات من أجل سبر أغوار تجاربهن الذاتية، وكان أن تزينت بزيهن، وتجملت بمساحيقهن، وتقمصت شخصيتهن. ولما أقبلت عليه وهي على ذلك الحال، أمضى وقتا في التحديق إليها وفحصها قبل أن يتعرف عليها: "نظر إلى وجهي وأمعن النظر. تعرف علي بعد ذلك وانفجر ضاحكا وهو يتأرجح إلى الوراء وإلى الأمام" [وصاح]: "رباه إ ماذا فعلت بنفسك ؟ تشبهين 'مدام' السيدة العجوز في بيت للدعارة بالدار البيضاء". وعلقت أرسولا: "أن أشبَّه بالعاهرة لا يهمني، لكن بعاهرة عجوز وقبيحة، هذا يهمني طبعا" وأضافت: "لا داعي لتذكيرك بأن كل هذا، قمت به من أجل العمل الميداني" (ص. 59-60).

يرجع الفضل إلى أرسولا في الكشف عن حدود الأنثربلوجيا الموسومة بسمات الشخصية الرجولية في تعاملها مع عالم النساء. ذلك لأن أسلوب التعامل الموضوعي التجريدي الذي يلتزم الحياد في التعامل مع المبحوثين يكون مناسبا أكثر لدراسة البنية الشكلية للمجتمع وأقل قدرة على فهم الجوانب غير الشكلية وما تنطوي عليه من تجارب وجودية حميمة. لم تكن أرسولا عالمة أنثربولوجية ولا محللة نفسية، ولم تنظر إلى نفسها قط على أنها كذلك، وإنما جاءت إلى الريف لمساعدة زوجها على استكمال البحث في الجوانب المغمورة من المجتمع الريفي ولإشباع نزوتها الرومانسية المشحونة بروح المغامرة. لم تكتف بتعليمات زوجها الأنتربلوجي، وإنما ابتكرت أسلوبها الخاص في البحث والتقصي، تدون كل ما ينشأ عن تفاعلاتها مع كل من تصادفه في غمرة الحياة اليومية من نساء وأطفال ورجال وحيوانات أليفة دون أن تستثني زوجها الأنثربلوجي؛ تقرأ ما يختلج في النفوس من هواجس وآمال وما يزدحم في أعماقها وظلالها من رغبات ومخاوف. لم تكتف بمراقبة ما يجري في الحياة اليومية بشكل تلقائي وفقا لرغبة زوجها الأنثبرولوجي، ولكنها كانت تشارك في صنع الحدث، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك: أخذت بزمام المبادرة، وراحت تلعب الأدوار، تلقي بالجمرة في بركة الحياة اليومية لترى ما ينشا عن سقوطها من تموجات تخبرها بما كان يمكن أن يكون ولم يكن، وبما يمكن أن تؤول إليها الأمور في المستقبل القريب والبعيد. تقنية لعب الأدوار وافتعال الأحداث لبيان حدود الواقع وحدود الممكن، هي تقنية تخرج عن المألوف في التقاليد الأكاديمية. هذا بالإضافة إلى أنها استخدمت تقنية السرد الذاتي بضمير المتكلم. وسوف نقدم أمثلة على ذلك في معرض الحديث عن بعض النماذج من النساء الريفيات.

المحيط الجغرافي وساكنته في منطقة بني ورياغل 

في عام 1959 انطلقت أرسولا مع زوجها من طنجة إلى الريف على متن سيارة لاندروفر رباعية الدفع، في رحلة مضنية استغرقت يومين. كانت الطريق معبدة وكثيرة المنعرجات بسبب كثرة التلال والجبال. وصلا بعد عناء شديد إلى السوق الرئيسية لبني ورياغل التي تنتهي عندها الطريق المعبدة. ومن هناك انطلقا إلى منزل موحند، مساعد دافيد مونتغومري هارت في بحوثه الميدانية بالمنطقة، عبر سرير وادي النكور، المسلك الوحيد والخطير المؤدي إلى المنزل المعلق على إحدى التلال. كان على المضيف، بوصفه الأدرى بشعاب الريف، أن يتولى قيادة اللاندروفر. قبل موعد الرحلة، أخبرا موحند بقدومهما بواسطة عدة رسائل تيليغرافية. ومثلما هو الحال بالنسبة لوسائل النقل، تأخذ هذه الرسائل "مسارا معقدا قبل أن تصل أخيرا إلى المركز العسكري، ومنه إلى المعني بالأمر، حيث ينقلها أحد ما [غالبا ما يكون هو عون السلطة] شفويا بعد أن يقطع أميالا عديدة" (ص. 27-28).

يبدأ الريف من بلدة ترجيست، كما يدل على ذلك اسمها الأمازيغي. إنها بوابة الريف الأوسط الغربية، تفضي إلى فضاء جغرافي غير مضياف، يبعث كل شيء فيه على الحزن: "جبال جافة بقمم ذات صخور رمادية"، تتخللها الأودية والمجاري "المتعطشة للمياه". هكذا بدا الريف لأرسولا عندما رأته لأول مرة. لكن الحزن المحتوم تحول في قلبها إلى حب: "هذا المنظر الخشن والحزين سرعان ما فتن قلبي" (ص. 27). كان لابد لقلبها المفعم بالروح الإنسانية أن يتعاطف مع أحزان الريف ومآسيه. لم يفتها الانتباه إلى قط مهمل نحيل مغطى بالغبار يبحث في يأس عن الطعام. لعلها قرأت فيه علامات الفقر المستشري في هذه المنطقة النائية المعزولة. أدركت عند احتكاكها بالسكان أن الفقر في الريف هو القاعدة وليس الاستثناء (ص. 55). وفيما بعد، غيرت الهجرة إلى أوربا ملامح وجه الريف، ولكنها سلبت روحه إ

الظروف الطبيعية هنا قاسية، يتطلب التأقلم معها قدرة كبيرة على التحمل. كيفت العوامل الطبيعية ثقافة الريفيين، وصنعت من خلالها شخصيات تتصف بدرجة عالية من الصلابة والقوة. بدت الحياة لأرسولا عند وصولها إلى بيت موحند أكثر بدائية مما كانت تتوقع: كلاب شرسة تنبح من حولها وتحاول عضها؛ منزل طيني منخفض محاط بنبات الصبار، منفرد ومنعزل على التل، تنحدر منه مسالك عديدة في اتجاه الوادي، أطفال ورجال "يرتدي أغلبهم ثيابا رثة وممزقة"، يمشي العديد منهم عاري القدين، وينتعل بعضهم بلغات قطعت أطرافها الأمامية لكي لا تؤذي الأصابع؛ "يتسم مظهر الجميع بالخشونة والصلابة التي تميز سكان البادية" (ص. 30). لا وجود هنا للتجمعات السكانية، فالمنازل متباعدة عن بعضها البعض، يقع كل واحد منها على مرتفع يسمح بمراقبته عن بعد ورؤية كل من يقترب منه، هذا بالإضافة إلى الكلاب الشرسة التي تحرسه، ونبات الصبارإ كل ذلك لا يسمح بتشكل قرى حقيقية وعلاقات الجوار. وخلصت أرسولا إلى أن "الريفي يسيء الظن بجيرانه ويحرص بغيرة كبيرة على عزلة النساء" (ص. 31). يبدو وكأن ثقافة المجتمع الريفي قد تشكلت بكاملها حول تصور معين للمرأة ودورها.

 وضعية المرأة الريفية خلال الستينات من القرن الماضي 

بدل أن أتحدث عن وضعية المرأة الريفية بصفة عامةـ ارتأيت أن أقدم ثلاثة نماذج مختلفة من النساء وفقا لمنهجية دراسة الحالة انطلاقا من الملاحظات التي أجرتها أرسولا كينغسميل هارت حولهن وجمعتها في كتابها "وراء باب الفناء". يتعلق الأمر بالزوجة الأولى لموحند، وزوجتيه الثالثة، وزوجة تشوشوكت أخ موحند من أمه. وقبل التطرق إلى هذه الحالات، لا بد من تقديم نبذة عن حياة الرجلين.

موحند، مساعد دافيد هارت، هو رجل تقليدي في حوالي الثلاثين من العمر. كان الابن الذكر الوحيد لأبيه وأمه الأرملة؛ ولذلك كان لا بد أن يحل محل أبيه المتوفى ليصبح هو رب الأسرة. له ثلاث أخوات متزوجات، نوفيت إحداهن وخلفت فتاة تكفل بها إلى أن تزوجت وهي في ربيعها الثالث عشر. أقام بمناسبة العرس حفلا كبيرا، حضرته أرسولا، وشاركت في مراسم الحناء التي تقام في اليوم الثاني من الاحتفالات، ونقلت لنا عنها صورة مؤثرة

قدمت لنا أرسولا عن موحند صورة توحي بسمات شخصيته العميقة وتكشف عن انطباعاتها ومشاعرها نحوه: " كان رجلا جميلا بما فيه الكفاية، يلبس جلبابا مخططا يخفي تحته لباسا أوروبيا. كان يضع [على رأسه] عمامة بشكل متقن معوجة بأناقة نحو العين اليسرى. لم يكن موحند طويل القامة، لكنه كان عريضا نوعا ما وقويا. عيناه المشعتان كحبتي زيتون تضيئان وجهه العريض وأنفه الأخنس. كان يختبرني ويقدر قيمتي دون أن يبدو أنه يقوم بذلك الفعل، وتمنيت أن أكون قد نجحت في الاختبار" (ص. 28). كان يتكلم اللغة الأسبانية، ما سهل على أرسولا التواصل معه. يدخن السجائر ويتناول الخمر في حانات الحسيمة كلما أتيحت له فرصة للذهاب إلى هناك. عثر في الغرفة الذي تقيم فيها ضيفته مع زوجها على قنينة خمر، وأتى عليها دون إذنها، ولم يُبق فيها شيئا. يبدو أن موحند يفقد السيطرة على نزواته حتى وإن كلفه ذلك الإخلال بآداب الضيافة والأخلاق العامة. ومع مرور الأيام برزت سمة أساسية من سمات شخصية موحند: فقد تبين أن له شخصية ماكيافيلية تمتلك القدرة على التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى. حين عاد دافيد وأرسولا إلى الريف لاستكمال البحث الميداني بعد رحيلهما قبل أربعة أشهر، استقبلا بحفاوة مبالغ فيها من طرف جميع أفراد أسرة موحند. "كانت ارحيمو [أم موحند] تنتظر أمام الباب. عانقتني بشدة هذه المرة، حتى إنها صافحت دايف [دافيد هارت] - هذا دليل على أننا قد غدونا من أفراد العائلة، وكانت هذه المرة الأولى" ("ص. 85). حتى يامنة (أخت موحند)، التي قالت عنها من قبل "هي دائما ضدي"، استقبلتها بحرارة زائدة. من المحتمل أن يكون هذا التصرف ناتجا عن تأثير موحند الذي كان بصدد إعداد خطة تمكنه من الحصول على جواز السفر من أجل الهجرة إلى أوروبا. وكان يرغب في أن يتوسط له دافيد هارت لدى السلطات لتحقيق أهدافه.

وبالفعل، فقد تمكن من الحصول على جواز السفر الذي لم يجد إليه سبيلا من قبل، بمساعدة دافيد هارت وزوجته حين بدأ يفكر في الهجرة إلى هولندة عام 1964. حقق ما كان يصبو إليه في أوائل عام 1968، وكانت أرسولا قد استقرت مع زوجها في أسبانيا قبل ذلك بعدة شهور. ذكرت أرسولا أنه "ما بين عام 1968 و1985 - السنة التي غادر فيها موحند أوروبا بعد وفاة أمه عن عمر يناهز المائة سنة - كان موحند يظهر أمام بيتنا في أسبانيا، وحيدا أو برفقة الأصدقاء والأقارب بمعدل مرة كل سنة، يستريحون يوما أو إثنين" (ص. 196). وعندما قرر موحند التقاعد والعودة إلى الريف للاستقرار به بشكل نهائي، هاتف دافيد وأرسولا ليخبرهما بأنهما مدعوان إلى منزله في أي وقت. وفي عام 1987، أخبراه أنهما في طريقهما إلى الريف وضربا معه موعدا للقاء في مكان محدد. ولكم كانت خيبتهما كبيرة حين أدركا في النهاية أنه خلف الموعد ولم يستضفهما إلى منزله كالعادة. وعندما ظهر أخيرا وهو يقود سيارة ميرسديس كبيرة، ضرب معهما موعدا لليوم الموالي بالحسيمة. "لقد توصل بالتلغراف، تقول أرسولا، لكنه لم يهتم بها. ولم تكن هناك دعوة لشرب الشاي أو الأكل. يعتبر هذا التصرف تقصيرا غير معهود من واجب الضيافة حين يتعلق الأمر بمغربي" (ص. 169). واحتفظت أرسولا في ذاكرتها عن تلك الأيام بصورة قاتمة، حيث وصفتها بـ"الأسبوع السيئ الذكر" (ص. 171).

يعتبر موحند، في تلك الفترة من ستينيات القرن الماضي، غنيا بمعايير الريف. وضعيته المريحة نسبيا، أهلته لأن يصيح باتريارك متعدد الزوجات. تزوج وهو في الخامسة عشرة من العمر فتاة تكبره بخمس سنوات. أنجبت معه خمسة أطفال، ثم هجرها دون أن يطلقها، وتركها تعيش في منزل العائلة حيث يقطن عمه على مسافة تقدر بثلاث ساعات من السفر على ظهور البغال. تزوج فتاة في الرابعة عشرة من العمر، أنجبت له فتاه ثم طلقها لاعتقاده أنها تمارس السحر من أجل إيذائه وجعله عاجزا جنسيا بسبب غيرتها من زوجته الأولى. وأخيرا تزوج فتاة في الخامسة عشرة من العمر، وأنجبت له ثلاثة أطفال. وكثيرا ما كان ينهال عليها بالضرب عندما تظهر الغيرة من زوجته الأولى كلما اضطر إلى الذهاب إلى منزل العائلة حيث توجد الزوجة الأولى التي يتجنب زيارتها بسبب كراهيته الشديدة لها. يفتخر موحند بابنه من الزوجة الثالثة الملقب بالأمريكاني ويغالي في تدليله؛ وأما ابنه من الزوجة الأولى، فقد فصله عن أمه ليرعى له الماعز، ومع ذلك كان يتعامل معه بقسوة شديدة

يحتوي منزل موحند على فناء داخلي مغلق، محاط بالغرف، تمضي فيه النساء معظم أوقاتهن وهن يقمن بالأعمال المنزلية. لكل زوجة غرفة خاصة بها، وفي مكان منعزل توجد غرفة الضيوف. ويحتوي الفناء في جانب منه على إسطبل للبغلة والماعز. وعلى مسافة قصيرة من المنزل، بنيت أفران على شكل قبة، لكل زوجة فرن خاص بها؛ كما تتوفر كل زوجة على أواني خاصة بها: مجمر وقلال لنقل الماء من الوادي، وجرار الزيت، وغير ذلك من الأواني الخزفية.

يقتصر دور موحند البتريارك في توزيع الأدوار، وإعطاء الأوامر، وتسيير مختلف العمليات، وينزوي بعد ذلك في مكان ما ليدخن سجائره. كان يعتقد أن الحرث والحصاد وغيرهما من الأعمال الزراعية ليست من مستواه، ويترك للآخرين مهمة القيام بها مكتفيا بإصدار الأوامر.

لاشك أنه كان طفلا مدللا في صغره، وخاصة من جهة أمه، مثلما هو الحال بالنسبة لابنه الملقب بالأمريكاني وغيره من الأطفال الريفيين من أمثاله. يبدو من خلال ملاحظات أرسولا أن علاقة الأم بابنها في الريف هي في الغالب علاقة التحام تمتزج فيها رغبات الأم برغبات طفلها الذي تعتبره مكملا لها. ومع مرور الوقت تتحول هذه العلاقة الحميمة إلى علاقة هيمنة وسلطة. وعندما يصبح الابن رجلا يحتل موقع البتريارك، يظل، مع ذلك، خاضعا لسلطة أمه التي توجهه من خلف الستار. أم موحند هي الآمرة المطاعة في البيت، تتحكم في موحند وفي نسائه، توزع عليهن الأدوار وتخضعهن للمراقبة اللصيقة في كل شيء. هناك سلطة أخرى فوق سلطة موحند، وهي سلطة عمه العجوز الذي تقطن زوجته الأولى معه في منزل العائلة الأصلي. ولكن موحند لا يتحمل سلطة العم، وهذا سبب آخر من الأسباب التي كانت تمنعه من زيارة زوجته المهجورة وأبنائهما.

وأما أخوه من أمه شعيب أوعيسى الملقب تشوشوكت، فكان يحتل مكانة وضيعة بين أفراد الأسرة. لقب بهذا الاسم لأنه، في صغره، كان يقيق مقلدا صوت الدجاجة من أجل إثارة الانتباه. وهو رجل قصير القامة، خفيف الحركة، لباسه رث، يعتمر عمامته بطريقة غير منمقة، يتكلم قليلا من الأسبانية ولا يتقن العربية، ويدخن كثيرا في غرفته. يعمل بجد وحيوية، على خلاف موحند، ويقوم بأسوأ الأعمال وأصعبها؛ ولكن زوجته كانت أنيقة وجميلة جدا.

3-1. خدوج زوجة موحند المفضلة 

كان عمرها لا يتجاوز الخامسة عشرة حين تزوجها موحند، وبسرعة أصبحت أما لثلاثة أطفال في الوقت الذي كانت تنتظر وضع حملها الرابع. أكبرهم إدريس البالغ من العمر ثلاث سنوات، تلته مغنية، وعمرها سنتان، ثم محمادي الرضيع. وعندما اكتشفت بفضل أرسولا مزايا الطب الحديث بدأت تفكر في زيارة الطبيبة بالحسيمة للحصول على معلومات بخصوص وسائل منع الحمل بدون علم زوجها، لأن موحند يرفض فكرة تنظيم الأسرة رفضا باتا. ولكن خدوج لا تقبل أن تظل المرأة بدون إنجاب، فهيترغب ، من جهة، في إنجاب العدد الكافي من الأولاد لإرضاء زوجها والحصول على مكانة محترمة داخل الأسرة، وترغب، من جهة أخرى، في منع الحمل حفاظا على سلامتها نظرا لخطورة ظروف الوضع.

يتحدد العدد الكافي من الأولاد بمدى قدرة المرأة على تحمل الوضع. ويمكن القول، استنادا إلى المعطيات المتوفرة، بأن عدد حالات الوضع التي يمكن للمرأة أن تتحملها في سياق المجتمع الريفي الذي يتميز بشظف العيش وغياب العناية الطبية، هو ثلاث حالات. فقد بدأت خدوج تفكر بجد في الحصول على وسائل منع الحمل بعد أن وضعت حملها الثالث، وفكرت 'عيشة"، زوجة الابن الأصغر لبوطاهر عم موحند، في الإجهاض لمجرد أن أيقنت بأنها حبلت للمرة الرابعة. بكت 'فطمة'، زوجة ميمون الابن الأكبر لبوطاهر، التي لا يتجاوز عمرها الخامسة عشرة، حين رأت أختها 'عيشة'، حزينة بسبب حملها الرابع. حزنت لحزنها وبكت بمرارة، وكانت قد رأت ما حل بأختها من عذاب الوضع مرات عديدة، رأت ذلك لأن الوضع في الريف لا يعتبر حدثا خصوصيا، وكان لابد من أن تخاف على نفسها وعلى أختها. لم تخبر 'عيشة' زوجها بحملها، وانبرت تبحث عن مولدة تخلصها من الجنين. أسرت لأرسولا أنها جربت كل الوسائل التقليدية لإسقاطه: "فعلتُ كل شيء: شربتُ الماء المر لقشرة الرمان، وأكلت بذرة السنا. إنها سموم تجعلني مريضة فقط. حتى أني جربت رفع القلال الكبيرة المليئة بالماء، ولا شيء" (ص. 150). فعلت ذلك كله من غير أن تأبه بالحكم الشرعي للإجهاض. لا شك في أن أعراض ما بعد صدمة الوضع هي التي تجعل النساء الريفيات أقل حرصا من الرجال على تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بقطع الحمل أو إيقافه.

يتفق الرجال والنساء في الريف على أن الأسرة الطبيعية هي أسرة كثيرة الأولاد، ولكن كل طرف يقدر حجم الأسرة وفقا لمعاييره الخاصة: فالرجال يقدرونها وفقا لمعيار اجتماعي هو معيار القوة، سواء تعلق الأمر بالقوة العسكرية قديما حين كان الثأر قيمة اجتماعية أساسية، أو بقوة العمل، بينما تقدرها المرأة بمعيار ذاتي، إذ من الأولاد تستمد المرأة قيمتها وسلطتها، وهم بالنسبة لها مصدر فخر واعتزاز بالنفس، والوسيلة التي تبدد مخاوف الطلاق التي تقض مضجعها. ولكن خطورة الوضع وعذاباته ترسم لرغبة المرأة في الإنجاب حدودا؛ ولذلك كانت أكثر استعدادا من الرجل لقبول فكرة تنظيم الأسرة.

هكذا، إذن، كان يتعامل الريفيون المتشبثون بتقاليدهم وأعرافهم، سواء أكانوا رجالا أو نساء، مع عناصر الثقافة الحديثة الوافدة. لقد كانوا يتعاملون معها مثلما يتعاملون مع الأحكام الشرعية بطريقة انتقائية كل حسب مصلحته الخاصة، مما أدى إلى زيادة التوتر في العلاقة بين الرجال والنساء.

 ومع ذلك، ظل الإنجاب يكتسي عند المرأة الريفية قيمة خاصة، فهو يوفر لها الحماية من الطلاق ويعزز مكانتها في الأسرة وفي المجتمع. سألت إحدى النساء أرسولا ما إذا كان زوجها الأول قد مات أم أنه طلقها، أجابت أرسولا كاتمة غيظها: "تم الطلاق". وقالت المرأة الفضولية: "لكن، كيف يطلقك وأنت أنجبت له أطفالا ؟ ربما أراد أن يكون له الكثير من الأولاد إ مع الوقت يمكنك أن تلدي أكثر" (ص. 127). وأما المرأة التي لا تنجب لأي سبب من الأسباب فلا قيمة لها على الإطلاق في المجتمع الريفي، وغالبا ما تكون عرضة لمختلف أشكال العنف الرمزي من طرف النساء الولودات.

وصفت أرسولا مشهدا دراميا جرت أحداثه بين خدوج، التي بدت لأرسولا، في كثير من المواقف، عاقلة ولطيفة وهادئة، واروازنة، الأخت الصغيرة لموحند والبنت المفضلة لأمه، التي لم ترزق بأولاد رغم مرور ثلاث سنوات على زواجها. هزت نشوة الافتخار بالأولاد خدوج، ودفعتها، رغم ما تتصف به من رزانة، لاستفزاز مشاعر أخت زوجها بسخرية لاذعة، وكانت اروازنة قد جاءت في زيارة لأمها بعد غياب طويل. اغتنمت خدوج بذكاء فرصة وجود أرسولا لتوجه سهامها إلى أخت زوجها وهي تلفها بغشاء البراءة متعمدة نشر مشكلتها أمام الملإ لتزيد الأمور تعقيدا: "إنها حزينة، قالت مخاطبة أرسولا، لأنها لم تنجب أولادا بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها. فهي تخجل من وضعها أمام عائلة الزوج، وتلومها النساء خاصة الحماة، كما يرغبن أن يطلقها سي عبد الرحمان ويتزوج امرأة اخرى". "مسكينة اروازنة قالت خدوج بازدراء" وأضافت قائلة بعد أن أيقظت مخاوفها: "رزقني الله بالأولاد وكذلك بحماة طيبة". انكفأت اروازنة على وجهها تبكي. كانت خدوج حاملا، تتباها بحملها أمام اروازنة لتنغص عليها الحياة دون أن تبدو أنها تقصد إيذاءها. وللتخفيف من معاناة اروازنة اقترحت أرسولا أن تعرض مشكلتها على الطبيب في مستشفى الحسيمة، فلعله يجد لها حلا.

ولما علمت النساء بنتائج الفحص الطبي الإيجابية، واكتشفن مزايا الطب الحديث، بدأت خدوج تفكر في الحصول على وسائل منع الحمل. أسرت إلى أرسولا أن جسدها لم يعد يتحمل مزيدا من الولادات، وقالت: "فبعد ولادة هذا الأخير سأطلب من الطبيبة أن تفعل شيئا كي لا أحمل مرة أخرى. طبعا بدون علم موحند". بعد ذلك، ازداد انشغال النساء بمسألة منع الحمل "كل ما يهمهن هو الحديث عن كيفية عدم الحمل، الهم الدائم عند النساء" (ص. 135). وهكذا انكشفت لأرسولا حقيقة الميكروكوزم  النسوي في منطقة بني ورياغل، إنه عالم الرغبات المتناقضة والاكراهات المتعارضة، واقع تفصل فيه مسافة كبيرة بين الحاجة والرغبة.

والحقيقة أن تجربة الولادة عند النساء الريفيات هي تجربة أليمة وقاسية جدا، وتزيد الأعراف والتقاليد من خطورتها على الأم ورضيعها. تفرض الأعراف في منطقة الريف أن تمسك المرأة عن الأكل طوال فترة التحضير للوضع مخافة أن تتغوط أثناء عملية الولادة، لأن في ذلك نذير شؤم في اعتقاد المرأة، خاصة وأن الوضع في الريف ليس مسألة خصوصية، مما يزيد الأمور تعقيدا. ويتضاعف آلم المرأة إن لم يكن الجنين في الوضع الصحيح، ولإخراجه، تضغط امرأة بركبتها على جانب من البطن نازلة عليه بثقلها، فإما أن يخرج الجنين أو يموت هو وأمه. إن تجارب الوضع الأليمة تتسبب للمرأة في صدمة نفسية قوية يترتب عنها اضطراب مزمن في الشخصية. تتجلى أعراض ما بعد الصدمة في الخوف الشديد من الحمل مثلما حصل لـ'عيشة'،  ويلجأ بعضهن إلى تجرع بعض الخلطات المريرة والخطيرة من أجل الإجهاض. ومن النساء من يستعملن طرقا مؤذية بصحتهن لمنع الحمل، ويتجرعن الحنظل لاعتقادهن أنه يوقف الحمل. ولذلك كانت المرأة مؤهلة لتقبل وسائل منع الحمل الحديثة والإجهاض. وأما الرجال، فإنهم كانوا، على العموم،  يمتنعون عن مساعدة زوجاتهم في الحصول على وسائل تنظيم الأسرة، ويرفضون استخدام العوازل الطبية لاعتبارات ذاتية محضة. وتقضي العادات الريفية بأن لا يغسل الرضيع أبدا خلال عامه الأول، وأن يغسل مرة أو مرتين بعد ذلك للاعتقاد بأن الاستحمام يضعف الأولاد.

أتاحت أرسولا للنساء المنزويات خلف باب الفناء فرصة اكتشاف بعض المنتجات الحميمة الخاصة بالسيدات حين سمحت لهن بتجريدها من ثيابها لإلباسها بزيهن التقليدي. اندهشن لرؤية لباسها الداخلي وثدييها غير المتدليين. وصفت أرسولا المشهد الذي افتعلته لترى ردود أفعالهن بقولها: "خلعت رافعة الثديين لتجربها خدوج. ودون مقدمات، خلعت قميصها ولبست رافعة الصدر. ثم بدأت تتحرك يمينا ويسارا، وتقف على أصابع قدميها وعيناها مفتوحتان عن آخرهما دلالة على تعجبها من الحماية التي يمكن أن توفرها هذه اللبسة الخفيفة" (ص. 67). لم تخف خدوج رغبتها في التمتع بالأزياء الحديثة وإن كان لابد أن تخفيها خلف لباسها التقليدي؛ يستعمل موحند نفسه اللباس الأوروبي بطريقة محتشمة، ويضع فوقه لباسه التقليدي. هكذا تسللت الحداثة إلى عالم النساء التقليدي المنغلق في شكل لباس حميمي يحمل معه قيما ومعايير جديدة، ويعمل في سرية على إيقاظ الشهوة الغافية أو المقموعة.

ولكن خدوج كانت متخوفة من زحف النظام التعليمي، وخشيت على نفسها من أن يخطف منها أبناءها. بُنيت أول مدرسة هناك، غير بعيد عن منزل موحند، في بداية الستينات من القرن الماضي، وبدت للمرأة الريفية كالوحش المرعب الذي يثكل النساء، ولذلك ظلت فارغة مهجورة. قد يرجع السبب في ذلك، في المقام الأول، إلى طبيعة العلاقة بين الأم وطفلها، وهي على ما يبدو من خلال ملاحظات أرسولا علاقة التحام. كانت خدوج شديدة التعلق بأبنائها، حتى إنها لا تقدر على زجرهم أو معاقبتهم عندما يقترفون أسوأ الأفعال. اندهشت أرسولا لما رأت ابن خدوج يقوم بحماقات تضاعف من متاعب أمه، ونصحتها قائلة: "يجب عليك أن لا تدعيه يفعل ما يشاء.. إنه يجعلك تتعبين أكثر". أجابت خدوج، التي كانت تعاني من صداع الرأس باستمرار.: "إنه ولدي الأكبر من بين أولادي، ولا يمكنني أن أوبخه، أنظري كم هو ظريف إ" (ص. 91). تغالي في تدليله، ولا تضع لشهواته حدودا ولا كوابح، كأنها تؤهله من حيث لا تدري ليصبح حين يكبر نموذج الباتريارك الذي يطلق العنان لنزواته بلا حدود، متحررا من كل القيود. من المحتمل أن تكون المغالاة في تدليل الأطفال أحد العوامل التي تساهم في تشكل الشخصية النرجسية المتمركزة حول الذات، وهي شخصية متسلطة، تعجز عن تفهم مشاعر الآخرين وحاجاتهم..

كانت الأم في ذلك الوقت تحرص حرصا شديدا على أن يظل الأطفال بجانبها باستمرار معللة موقفها بأن المدرسة تعلم السلوك السيئ للأطفال، وبأنه من الأفضل لهم أن يساعدوا آباءهم وأمهاتهم في الأعمال الزراعية والمنزلية ليتدربوا عليها منذ نعومة أظافرهم حتى لا يجدوا صعوبة في القيام بها عندما يكبرون. تلك تبريرات تخفي حقيقة أخرى تتمثل في خوف المرأة الدفين من غياب الأولاد. كان لموحند موقف آخر، وتتهم النساء زوج أرسولا بأنه هو الذي أثر عليه بأفكاره الغريبة حتى جعله يفكر في إرسال بناته إلى المدرسة. وهكذا أصبحت مسالة التعليم إلى جانب مسألة تنظيم الأسرة والإجهاض من جملة القضايا التي اختلفت حولها آراء الرجال والنساء في الريف في مرحلة ما بعد استقلال المغرب.

حدومة زوجة موحند المهجورة 

يفوق عمرها السيكولوجي عمرها البيولوجي بعشرات السنين: كانت تشعر بأنها عجوز وإن لم تكن قد تجاوزت الخامسة والثلاثين حسب تقدير أرسولا. ضعف قلبها، وخار عزمها، ورسم الحزن ملامح وجهها، فشاخت قبل الأوان. كل ذلك بسبب زواج غير موفق: زواج داخلي كان عبارة عن صفقة بين الأسر أبرمت لاعتبارات تتعلق بالإرث. كان العروس غلاما في ربيعه الخامس عشر. لنتصور شعوره وهو يقف لأول مرة، وجها لوجه، أمام امرأة مكتملة البناء. لعله قرأ في نظراتها ما باحت به فيما بعد لأرسولا حين قالت لها عنه بأنه كان لا يزال طفلا تعود على النوم مع والديه. أصيب بالهلع، وانهال عليها بالضرب في ليلة الزفاف؛ ربما أراد أن يثبت لها رجولته وفحولته بهذه الطريقة الرعناء. شكلت هذه الحادثة صدمة بالنسبة لحدومة؛ وما زالت تتذكرها بكثير من المرارة والتشنج. ولكم كانت فرحة موحند كبيرة حين أصبح أبا لمولود ذكر وهو في السادسة عشرة من العمر. لقد أصبح الآن رجلا إ وكانت فرحة الأم أكبر، لأن هذا المولود يمثل صمام الأمان بالنسبة لها.

لكن فرحتها لم تدم طويلا: فما أن وضعت حملها الثالث حتى هجرها زوجها، وتركها تعيش في بيت العائلة الأصلي بين زوجات أبناء عمه الكثيرات. ناذرا ما كان بزورها، ومع ذلك أنجب معها طفلين آخرين. تزوج موحند بعد ذلك فتاة في الرابعة عشرة من العمر، أنجبت له طفلة ثم طلقها لاعتقاده أنها كانت تمارس السحر. ونظرا لكثرة حديثة مع زوجته الأولى عن السحر الأسود الذي تمارسه زوجته الثانية، زرع في نفسها الهلوسة والوساوس، وحصل لها الاعتقاد بأنها وقعت تحت تأثير ساحرة تريد بها شرا؛ ولصرفه عنها استعانت سرا بخدمات امرأة عجوز متخصصة في درء السحر الأسود. شعرت بأن التعاويذ والرقى صرفت عنها الغم الناتج عن تأثير السحر حسب اعتقادها، ولكن أحوالها استفحلت بسبب سوء المعاملة وكثرة الأشغال. أصبحت تشعر بالإجهاد المستمر، وما زالت تصبر وتكابر مستسلمة للقدر حتى تعقدت الأمور أكثر، وبدأت تشعر بشكل متواتر بألم شديد في الصدر يرافقه اضطراب في التنفس. لعلها أعراض مرض عضوي-نفسي ناتج عن كثرة الضغوط وشدتها.

لم يهجرها زوجها فحسب، وإنما انتزع منها ابنها البكر أيضا ليرعى له الماعز؛ وفي المقابل، تصرف مع ابنته من الزوجة الثانية المطلقة كما لو كان يريد التخلص منها حين تركها تعيش بعيدا عنه في كنف زوجته المهجورة. وإذا علمنا مدى شدة الارتباط العاطفي بين الأم وابنها البكر بالخصوص في المجتمع الريفي، ومدى قوة الشعور بالخزي عند حدوث الطلاق أو الهجران، أمكننا أن نتصور مدى هول الفاجعة التي حلت بامرأة أصبحت على حين غرة أرملة وزوجها حي، وثكلى بابنها حيا. أسرَّت لأرسولا بلهجة من يستسلم للقدر: "...أشعر باني وحيدة رغم وجود أولادي معي. والأكيد أن أحمد ابن طيب، لكن الآن، وبعد أن أصبح يافعا، يجب أن يكون بجانب أبيه. باقي النساء لهن أزواجهن الذين يعتنون بهن، أما أنا فلا أحد لي [...] أعرف أني لا أهمه، إني عجوز" (ص. 155). عجوز إ ربما شعرت بأن العد العكسي لما تبقى من أيام حياتها قد انطلق.

كان منزل العم يعج بالنساء، وكانت حدومة أول امرأة تستيقظ عند الفجر. تباشر العمل وشعرها مكشوف متشابك، تدق الشعير في مهراس خشبي طويل، تطحنه طحنا، ثم تغربل الطحين، وتعد فطائر الشعير وعصيدة الإفطار لأبنائها. عمل شاق ومسترسل، يستمر من غبش الفجر إلى غسق الليل، تتخلله لحظات حديث حميمي بين النساء. ولسوء حظها، لم تكن حدومة تنعم بشيء من الراحة خلال هذه الفترات، بل كثيرا ما كانت تتعرض فيها للإنهاك العصبي، تستغلها بعض النساء، عن وعي أو غير وعي، عن قصد أو غير قصد لإذلالها وقهرها. يكاد يكون العنف الرمزي في عوالم النساء الريفيات المنغلق هو القاعدة بنميمتهن، وتنافسهن، ومباهاتهن بأنفسهن على حساب غيرهن. نفثت تميمونت، زوجة تشوشوكت. المتباهية بجمالها، سمومها ذات مرة في وجه حدومة حين خاطبتها بفظاظة وغلظة أمام النساء: "...سيعود زوجك إلى المرأة الأخرى الجميلة، فهي تعرف كيف تعامله في السرير...لاحظت أنه لا يناديك عند القيلولة لتمضي معه بعض الوقت. نعلم جيدا أنك عجوز وقبيحة.. لكن على الأقل، كان عليك أن تلبسي أحسن حين يكون هنا" (ص. 156). بكت حدومة في صمت، جرت دموعها وامتزجت بطعام طفلتها الصغيرة التي كانت في حضنها.

لاحظت أرسولا أن آلام الصدر لم تعد تبارح حدومة الصبورة. عندما تشتد عليها الأزمة، تعوج قسمات وجهها، ويتصبب العرق على جبينها، وتطفو زرقة على جوانب أنفها. أخبرت أرسولا زوجها موحند بمعاناتها، ولم يكترث لحالها، واكتفى بالقول: "إنها قوية كالبغلة"، وأن أوجاعها عادية وعابرة. كانت حدومة على ذلك الحال حين لسعت عقرب سوداء إحدى بناتها الصغيرات، نسيت آلامها، وهرولت نحوها مفزوعة، وبكت خوفا عليها من الهلاك. نظر موحند إلى طفلته التي أغمي عليها وهي في حضن أمها وقال: "إنها بخير..أعتقد أنها نائمة". صرخت أرسولا: "ستموت إ"، ورد عليها موحند: "في ذلك الحال سيكون ما شاء الله" (ص. 140-141)؛ وحصل أن نجت الطفلة بأعجوبة.

لم يهمل موحند زوجته فقط، بل طال الإهمال وسوء المعاملة أبناءها أيضا. فصل بين الأم وابنها أحمد غصبا عنهما، وتعامل مع هذا الأخير كما لو كان عبدا، يصرخ في وجهه كلما أمره بفعل شيء ما، يشتمه، ويضربه، ويصفه بالأبله، ويناديه بالحمار. قال عنه مخاطبا أرسولا ودافيد : "هذا الولد مغفل، إنه أبله، يشبه أمه"، وكأنه أراد أن يؤلب المجتمع ضد ابنه ليرغمه على قبول هذا التوصيف واستبطانه من خلال جعله عموميا؛ بينما بدا أحمد لأرسولا طفلا وديعا وخجولا ومطيعا، يتفهم مشاكل الآخرين، يتعاطف معهم، ويواسيهم. لم يكن مغفلا، ولكنه كان يعاني من مشكل في السمع، ويتلعثم في كلامه. لهذا السبب كان يكرهه أبوه، ويعنفه بقدر ما كان يدلل ابنه من الزوجة الثالثة الملقب بالأمركاني. ولما لم يجد من يحميه من جبروت أبيه، ولا ملاذا يلوذ إليه، تعلم الصبر مثل أمه، ومنها استمد إنسانيته وقدرته على تفهم الآخرين. لكن هذه الخصال الحميدة تعتبر ضعفا في مجتمع يقاس فيه كل شيء بميزان القوة، وتُفرض فيه الطاعة بواسطة الإهانة. كان أسلوب موحند في التنشئة الاجتماعية أسلوبا يتسم بازدواجية المعايير. وكان هذا الأسلوب كفيلا بأن يصنع من أحد أبنائه نسخة مطابقة له، ومن ابنه الآخر نسخة مطابقة لأخيه تشوشوكت، ليكون الأول سيدا والثاني عبدا مسخرا له يقوم بأسوأ الأعمال، وبذلك يعيد إنتاج بنية علاقات السلطة داخل الأسرة.

كانت حدومة على وعي تام بوضعية ابنها ومصيره، ولكنه وعي شقي، يزيد من آلامها حين لم يكن بوسعها أن تفعل شيئا سوى الاستسلام وانتظار الأجل المحتوم. وفجأة، توقف قلبها، ولفظت أنفاسها بين يدي أرسولا وهي عائدة تحمل قلة ماء نهلته من العين المنبجسة أسفل الوادي على بعد كيلومتر ونصف.

تميمونت زوجة تشوشوكت 

تقطن مع زوجها في منزل العائلة الأصلي، حيث يهيمن بوطاهر، عم موحند، وزوجته التي هي حماة كل النساء تقريبا. لاحظت أرسولا للوهلة الأولى وجود شخصية متفردة ومتميزة في عالم النساء المتجانس بالنظر إلى أنماطهن السلوكية؛ إنها تميمونت، زوجة تشوشوكت، وهي امرأة تناهز الثلاثين من العمر، فاتنة الجمال، طويلة وهيفاء. رسمت أرسولا لوحتها بالكلمات على النحو التالي: "عيناها سوداوان، أنفها مستقيم، شفتاها دقيقتان وجميلتا الشكل. عنقها الرشيق يبدو في تناسق تام مع حليها اللامعة". اندهشت أرسولا لرؤيتها، وتساءلت في نفسها: "كيف يمكن لامرأة جميلة أن تتزوج بـ'تشوشوكت'، رجل يلبس رث الثياب، ملطخ دائما بالوحل، ويعمل في أبخس الأعمال"(ص. 123). هذا بالإضافة إلى كونها ذكية جدا، تتفوق على جميع النساء بفطنتها ونباهتها، حتى إن زوجها يبدو أمامها هزيلا، من هذه الناحية، وضعيفا؛ ومع أنها لم تنجب أولادا، إلا أنه يخاف منها خوفا شديدا. يذكرنا وصف أرسولا لشخصية كل من تشوشوكت وتميمونت ولطبيعة العلاقة التي جمعت بينهما بما كتبه كرابانزانو في معرض حديثة عن 'عيشة قنديشة'، الجنية التي تسحر القلوب بجمالها في أساطير الطريقة الحمدوشية. تتجلى لمن أرادت تملكه في هيئة غادة تسحر القلوب بجمالها. فإن هو ضاجعها قبل أن يدرك حقيقة أمرها، أصبح عبدا لها، يحبها حتى الجنون، ويخاف منها خوفا شديدا في نفس الوقت. تسيطر عليه، وتجبره على ارتداء رث الثياب، وتصرفه عن العناية بمظهره ونظافة جسمه)).

  تعرف تمبمونت كيف تنظم أوقات عملها بطريقة عقلانية ليبقى لها متسع من الوقت للزينة والاسترخاء. تتزين بحليها ومساحيقها، وترتدي أجمل ما لديها من ثياب في كل الأوقات على عكس النساء الأخريات، وتقضي معظم الوقت متكئة على أريكتها في عزلة عنهن. تشعر بجمالها، ولا تتوانى في استعراض مفاتنها بنوع من الكبرياء والاعتزاز بالنفس أمام الجميع. تجد المتعة في الذهاب إلى العين لجلب الماء رغم صعوبة هذا العمل، لأنها الفرصة الوحيدة المتاحة لها للظهور أمام الرجال، تختلس نظراتها بمكر إليهم مخالفة بذلك أعراف القبيلة غير آبهة بما يصدر عن زميلاتها من ردود فعل تعبر عن استيائهن إزاءها.

شخصية تميمونت الشهوانية المتفردة عمن حولها بنزوعها الظاهر إلى الخروج عن أعراف القبيلة ومعاييرها، أهلتها للانفتاح على نمط عيش جديد رغم حواجز العزلة. صنعت لنفسها عالما خاصا بها ضمن حدود غرفتها، ووفرت فيه لزوجها من وسائل الراحة والاسترخاء ما ينسيه هموم العالم الخارجي الشديد التوتر بسبب كثرة القيل والقال. غرفتها المؤثثة بشكل أنيق تنم عن ذوق رفيع غير معهود لدى النساء القرويات. على أرضية الغرفة زربية جميلة مبثوثة من حولها وسائد مزركشة بأناقة، وفي الوسط مائدتان مستديرتا الشكل تعلوها منافض للسجائر وصينية من نحاس أصفر منقوشة ومصقولة بعناية، والستائر مسدلة على النوافذ المطلة على الفناء. ومن بين الزخارف التي تؤثث الغرفة، هناك "كنز حقيقي"، وهو عبارة عن جهاز ترانزيستور وضع على قماش مطرز باليد. تساءلت أرسولا عن مصدر تسرب الأفكار التي غيرت نمط العيش في هذا العالم الصغير. لعله الترانزيستور، جريدة تميمونت الشفوية.

وجريا على عادتها في افتعال الأحداث وفقا لتقنية لعب الأدوار، أخرجت أرسولا من حقيبتها علبة سجائر من محفظتها، تناولت إحداها وقدمت الأخرى على سبيل المزاح لتميمونت، قبلتها بدون تردد، وراحت تدخن وتسعل. ولدهشتها اكتشفت أرسولا أيضا أن تميمونت كان بحوزتها عدد قديم من مجلة ELLE مخبأ تحت نضيدة، وهي مجلة متخصصة في شؤون السيدات. في الصفحة الأخيرة إشهار لنوع من السجائر: شاب يهم بإشعال سيجارة من يفترض أنها عشيقته. من الواضح أن تميمونت كانت تتماهى مع الفتاة، وتحلم لو أن تشوشوكت كان هو ذلك الفتى الذي يشعل السيجارة لحبيبته.

خلاصة

كانت الحركة النسائية لازالت في بداية تشكلها بالمغرب خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، واقتصرت على ثلة من النساء المثقفات اللواتي ينتمين إلى الطبقة الوسطى الناشئة في المدن. وكانت مطالبها مرتبطة ببرامج الأحزاب السياسية، وتمحورت حول مسألة تعليم الفتاة والقضايا المتعلقة بمدونة الأحوال الشخصية. وأما حقوق المرأة فلم تنل ما تستحقه من الاهتمام من لدن القوى السياسية في ذلك الوقت، وربما تم تهميشها عن قصد. والمفارقة، هي أن المرأة القروية اتخذت موقفا سلبيا من مسألة تعليم الفتيات، ولكنها عملت بسرية من أجل انتزاع بعض الحقوق، كالحق في الاختيار بين الإنجاب وعدم الإنجاب، والحق في الإجهاض. فرضت هذه المطالب نفسها تحت تأثير عاملين أساسيين وهما: مخاطر الوضع التي تزيدها الأعراف تعقيدا، من جهة، والانفتاح على الطب الحديث الذي يتيح للمرأة إمكانية تنظيم الأسرة بما يضمن صحتها ومصالحها، من جهة أخرى. ويظهر من خلال تحليل حالة تميمونت، أن اكتشاف نمط عيش جديد ربما كان هو العامل الأساسي الذي هيأ الأرضية لتنامي طموحات المرأة وإطلاق العنان للرغبة في النمو الشخصي والاستقلال والحرية. كان هذا العامل يعمل في الخفاء بعيدا عن لغط الدوائر السياسية التي كانت تعمل بدورها خلف جدار الصمت لتأجيل مثل هذه المطالب إلى أجل غير مسمى.

 



* Hart, David M. (1976). The Aith Waryaghar of the Moroccan Rif: An Ethnography and History. Viking Fund Publications in Anthropology, no. 55. Tucson: University of Arizona Press.


Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Jeudi 26 avril 2012 4 26 /04 /Avr /2012 21:58

مفهوم الدولة عند إميل دوركايم

أحمد أغبال

 تصور دوركايم للسياسة

ليست السياسة، في نظر إميل دوركايم، واقعا قائما بذاته في استقلال عن المجتمع، بل هي من صميم التمثلات الجمعية. ومما يدل على ذلك، في نظره، أن الاشتراكية بوصفها تيارا من التيارات السياسية المعاصرة، إنما هي واقعة من وقائع الرأي العام أو شكلا من أشكال الفعل الإنساني الذي يرمي إلى تحقيق مثل أعلى يتمحور حول قيم العدالة الاجتماعية والمساواة. إنها بهذا المعنى تصور سياسي لما ينبغي أن يكون عليه الواقع، أو حلم من أحلام الروح الجمعية. إنها بعبارة أخرى شكل من أشكال التمثلات الجمعية.

إن التصورات السياسية هي من جملة التمثلات الجمعية، تشترك معها في بعض الخصائص، وتتميز عنها بخصائص أخرى. تتميز التمثلات الجمعية بكونها ضرورية بحكم ارتباطها الوثيق بالمحيط الاجتماعي وبنيته الأساسية؛ فلا وجود لمجتمع بدون تمثلات مشتركة. وعلى الرغم من كونها شديدة الصلة بالواقع، فإنها تحتفظ لنفسها بنوع من الاستقلال. وتتميز أيضا بما تنطوي عليه من قوة الإكراه والإلزام. تنطبق هذه الخصائص على السياسية أيضا بوصفها واقعة من الوقائع الاجتماعية. ولذلك اعتبرت شكلا من أشكال التمثلات الجمعية. وبوصفها كذلك، فإنها لا تعدو أن تكون مجرد وهم من أوهام الضمير الجمعي.

يعتقد الناس ويتوهمون أن للحاكم قوة أو سلطة مطلقة، ويعتقد الحاكم أن للسلطة المركزية من القوة ما يجعل تأثيرها يسري في هيكل المجتمع بأسره. ويعتقد عامة الناس أن لبعض الأشخاص قدرة خارقة للعادة، ويضعون فيهم ثقتهم، ويقعون تحت تأثيرهم بسبب معتقداتهم. ذلك لأنهم يتصورون السلطة من خلال الأشخاص الذين يمثلونها ويجسدونها في ظروف تهيأت لهم فيها الفرصة للأخذ بزمام المبادرة. وبسبب نجاحهم النسبي في ظروف معينة، أضفت عليهم العامة هالة من القداسة، ونسبت إليهم القدرة على التأثير في مجريات الأحداث والقدرة على صنع التاريخ. وما هي في الحقيقة إلا تمثلات وأوهام. تبدو السياسة، من وجهة نظر دوركايم، على أنها جملة من التمثلات الناشئة عن التفاعل بين طرفي معادلة السلطة، وهما الحاكم والمحكوم. ينشأ هذا الوهم عن عدم قدرة الناس على فهم حقيقة الدولة بوصفها مجموعة متميزة من الموظفين في المقام الأول. ولما لم يفهموا هذه الحقيقة، حولوا الدولة في أذهانهم إلى كيان مفارق للمجتمع يتحكم في إرادتهم ويوجهها وفقا لغاياته الخاصة. ومع ذلك، يبقى هذا الوهم ضروريا لاشتغال المجتمع وتنظيمه. وليس العلم بقادر على تبديد هذا الوهم الضروري.

ومن هنا يمكن تعريف السياسة بأنها الوهم الذي يقوم عليه النظام الاجتماعي، إنها التمثلات التي تنظم المجتمع. يمكن القول بعبارة أخرى، إن السياسة هي تجسيد للتمثلات الجمعية في مرحلة من مراحل تطور المجتمع. ويلزم عن هذا القول إنه كلما تغيرت التمثلات الجمعية أدى ذلك إلى حدوث تغير في مؤسسات الدولة.

وإذا كانت السياسة من جملة التمثلات الجمعية، فإنها تتصف بمجموعة من الخصائص التي تنفرد بها وتميزها عن التمثلات الجمعية للمجتمع الكلي. تتميز التمثلات الجمعية، التي يطلق عليها دوركايم أحيانا "الحياة النفسية"للمجتمع الكلي، بكونها هلامية،غامضة وغير منظمة. تبدو الحياة النفسية للمجتمع كما لو كانت تلقائية، أوتوكاتيكية لاإرادية، ولا شعورية إلى هذا الحد أو ذاك. تنتقل عناصر الحياة النفسية الجماعية أو التمثلات الجمعية بين الأفراد الذين يشكلون الجماعة السياسية، وتنتشر في الأوساط التي تتولى مهمة إضفاء الطابع المؤسساتي على أنماط معينة من السلوك والتعامل. ومن خلال التفاعل بين المجتمع الكلي والدولة تتشكل حياة نفسية داخل مؤسسات الدولة. وتتميز الحياة النفسية التي تسكن الجهاز الحكومي بكونها عقلانية، منظمة، وعلى قدر كبير من الوعي. ذلك لأن أعضاء الحكومة لا يتخذون قراراتهم إلا من خلال سلسلة من النقشات والمداولات والتحليل والتمحيص. ومن خلال هذه العمليات تتشكل الحياة النفسية للدولة على أساس عقلاني. والفرق بينها وبين الحياة النفسية للمجتمع الكلي كالفرق بين وعي الفرد ولاشعوره. تشتغل الحياة النفسية للمجتمع بطريقة أوتوماتيكية لاإرادية ولاشعورية، تتحكم فيها التقاليد والأعراف؛ وأما الحياة النفسية للدولة فهي متعقلة، تفكر وتناقش وتتخذ القرارات عن وعي وروية. وفي ذلك يقول دوركايم: "إن التداول والتفكير خاصيتان من خصائص ما يجري داخل الجهاز الحكومي"[1].

ومع ذلك، فإن الحياة النفسية للمجتمع والحياة النفسية للدولة ترتبطان مع بعضهما البعض في علاقة لا تنفصم، وتتفاعلان بشكل يجعل كل واحدة منهما تغذي الأخرى، وتتبادلان التأثير فيما بينهما. إنهما في حوار لا ينقطع. في إطار عملية التفاعل المتبادل هذه، تبدو قرارات الدولة وأنشطتها كما لو كانت عبارة عن ردود أفعال إزاء توقعات المجتمع. فالحكومة تحاول أن تبدو كما لو كانت تستجيب من خلال قراراتها لمطالب المجتمع. وأما مطالب الأفراد المعزولين، فإن الدولة لا تعيرها أي اهتمام، ولا تهتم بها إلا إذا اتخذت شكلا منظما إلى هذا الحد أو ذاك.

 وهكذا، فإن ما كان يبدو للوهلة الأولى على أنه العقل المدبر، أصبح الآن عقلا مشتركا يتخذ القرارات بناء على موازين القوى بين طرفي عملية التفاعل (المجتمع المدني والدولة). غير أن ذلك لا يلغي الدور المركزي للدولة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام. ولكن هذا الدور لا يبرر انفراد الدولة بالقرار. وما أن تستفرد الدولة بالقرار حتى تجلب عليها غضب المجتمع. ذلك لأن قوة الدولة أو ضعفها إنما يتحددان وفقا لطبيعة التصورات المشتركة أو التمثلات الجمعية؛ وتتحدد هذه التمثلات بدورها من خلال عملية التفاعل بين المجتمع المدني والدولة. بل إن التفاعل بين الطرفين يجري في نطاق التمثلات الجمعية التي تضفي على البعد السياسي للمجتمع معناه ودلالته، وتجعل منه كيانا يشتغل بطريقة متميزة. وقد يؤدي التغير في التمثلات الجمعية أو الرأي العام إلى حدوث أزمة سياسية عميقة أو تغير جذري في نظام الحكم. وقد يحدث التغير عندما ينعدم التوافق بين ما يتوقع كل طرف من الطرف الآخر.

وإذا كان كل نشاط سياسي يتحدد بموازين القوى بين طرفي عمليتي التفاعل، فإن ذلك لا يلغي دور الدولة بوصفها الفاعل المحتكر لما يسميه ماكس فيبر بحق استعمال العنف المشروع. سوف نحاول فيما يلي بيان مصدر قوة الدولة وضعفها ومشروعيتها وفقا لنظرية دوركايم.

 الوظائف الاجتماعية وبعدها السياسي حسب نظرية دوركايم

لنتذكر أن دوركايم قد جعل من الإكراه خاصية ملازمة لكل واقعة اجتماعية. في كتابه "حول التقسيم الاجتماعي للعمل" يطرح دوركايم المسألة المتعلقة بطبيعة الجريمة ووظيفة العقاب في المجتمع. عندما يرتكب فرد ما جريمة شنيعة في حي من أحياء المدينة، مثلا، يثير ذلك سخط السكان، ويفصحون عن مشاعر مشتركة إزاء ذلك الحدث المؤلم، ويتشكل موقف مشترك ومتميز، ويتخذ شكل شعور جمعي أو عمومي قائم بذاته في استقلال عن شعور كل فرد مأخوذ على حده؛ إنه "السخط العمومي" «la colère publique »، حسب تعبير دوركايم، ذلك الانفعال الجمعي الذي يمتزج فيه سخط الفرد بسخط غيره من أفراد المجموعة البشرية التي ينتمي إليها ليشكل قوة تتجاوزهم جميعا وتفرض عليهم منطقها الجمعي المتميز. إنها التمثلات الجمعية في حالة غليان. نجد مثل هذه الانفعالات الجمعية عند الحشود. وقد يتحول الأفراد الوديعون ذووا المزاج الهادئ المسالم إلى قوة عنيفة عندما يجتمعون، فيخضعون في سلوكهم لمنطق دينامية الجماعة، ويتحولون بالتالي إلى قوة عنيفة. هكذا يؤدي التفاعل بين الأفراد إلى تشكل تمثلات جديدة تتمتع بقوة خاصة مستقلة عن كل فرد مأخوذ على حدة، ولا يجد الفرد مناصا من الخضوع لها. والنتيجة هي أنه لا وجود للفرد المستقل بذاته تماما عن الحياة النفسية للجماعة، ولا يمكنه الإفلات تماما من قبضة التمثلات الجمعية. إن هذه التمثلات هي القوة الأساسية التي تأجج انفعالات الفرد وتخرجه من ذاته، وتجعله تابعا للجماعة، خاضعا لنفوذها وإكراهاتها. إن قوة التمثلات الجمعية هي العامل الأساسي الذي يفسر، في نظر دوركايم، ظواهر الجريمة والعقاب في المجتمع. إن الجريمة، من وجهة النظر هذه، هي الفعل الذي يلحق الأذى بما يسمى "الضمير الجمعي". يتمثل هذا الأخير في "رد الفعل الانفعالي الذي يتحقق بدرجات متفاوتة [حسب خطورة الفعل المرتكب] والذي يمارسه المجتمع بواسطة كيان مؤسساتي على الأفراد الذين قاموا بخرق بعض قواعد السلوك"[2]. وينشأ رد الفعل هذا عن وجود تصور جماعي لما هو مشروع ومباح. وفي غياب هذا التصور لن يكون للعقاب معنى.

إن العقاب القانوني هو المؤشر الدال على ظواهر الجريمة المعترف بها على مستوى المجتمع الكلي؛ ويمثل تحليل دوركايم لهذا النوع من العقاب خطوة حاسمة في اتجاه بناء السياسة كموضوع لعلم الاجتماع. ويؤكد هذا التحليل الدور السياسي الذي تلعبه التمثلات الجمعية من حيث أنها تمتلك من قوة الإكراه ما يلزم الأفراد، في الفترات العادية على الأقل، على الامتثال والخضوع للنظام العام، وتصب جام غضبها على كل سلوك منحرف، وتنزل العقوبة على مرتكبه. ولما كانت التمثلات الجمعية هي الأساس الذي تقوم عليه التنشئة الاجتماعية التي تفرض من خلالها على الطفل قواعد المجتمع ومعاييره، وتجعله منه كائنا يخضع للنظام الاجتماعي القائم، أمكن القول بأنها مصدر كل إكراه سواء اتخذ شكلا اجتماعيا أو سياسيا. ومن الوظائف التي تضطلع بها التمثلات الجمعية أيضا أنها تحدد المقدار الكافي من الامتثال الضروري لقيام المجتمع والحفاظ على توازنه. في المجتمعات المتطورة، تنتظم هذه التمثلات في إطار أجهزة ومؤسسات من أجل أداء هذه الوظائف بأكبر ما يمكن من الفعالية. ومما يترتب عن ذلك أن السلطة هي من صميم الآليات التي يستعملها المجتمع لمراقبة ذاته. ينتج كل مجتمع، مهما كان مستوى تطوره، معايير وقواعد وآليات لمراقبة مدى احترام الأفراد لتلك القواعد. وهذا ما عبر عنه دوركايم في كتابه "الانتحار" بقوله: "المجتمع سلطة تنظم الأفراد"[3]. في كتابه "الأشكال الأولية للحياة الدينية" قدم لنا دوركايم شرحا وافيا للدور الذي تلعبه التمثلات الجمعية في الحفاظ على النظام. يقول بالحرف الواحد:

«Les manières d’agir auxquelles la société est assez fortement attachée pour les imposer à ses membres, se trouve, par cela même marquées du signe distinctif qui provoque le respect. Parce qu’elles sont élaborées en commun, la vivacité avec laquelle elles sont pensées par chaque esprit particulier retentit dans tous les autre et réciproquement. Les représentations qui les expriment en chacun de nous, ont donc une intensité à laquelle des états de conscience purement privés ne sauraient atteindre: car elles sont fortes des innombrables représentations individuelles qui ont servi à former chacune d’elles. C’est la société qui parle par la bouche de ceux qui les affirment en notre présence : c’est elle que nous entendons en les entendant et la voix de tous a un accent que ne saurait avoir celle d’un seul. La violence même avec laquelle la société réagit par voie de blâme ou bien de répression matérielle, contre les tentatives de dissidence, en manifestant avec éclat l’ardeur de la conviction commune, contribue à en renforcer l’empire»[4]

وما يستفاد من هذا القول أن لكل مجتمع معتقدات مشتركة، ويعمل كل شيء فيه على دعم نفوذ هذه المعتقدات التي تدعمها عمليات التفاعل الاجتماعي وتزيدها قوة. ومن المفارقات أن كل محاولة للمساس بها وخرقها تزيد من قوتها بسبب ردود الفعل التي تولدها. وهكذا يساهم الرأي المشترك أو العمومي في الحفاظ على النظام القائم واستمراره، بحيث يمكن القول بأن أصل النظام هو الرأي العام، وأن وظيفة الرأي العام هي الحفاظ على النظام.

ينطبق هذا التحليل أيضا على المجتمعات التي تتوفر على جهاز الدولة. في كتابه "حول التقسيم الاجتماعي للعمل" انكب دوركايم على دراسة وظائف الدولة ودورها في الحياة السياسية من خلال تحليل وظيفة العقوبة القانونية. وتبين له أن للدولة وظيفتان أساسيتان: تتجلى إحداهما من خلال الحياة النفسية للدولة التي تعكس الحياة النفسية للمجتمع الكلي. والمقصود بذلك أن وظيفة الدولة تكمن في إعادة صياغة ما تنطوي عليه المشاعر الجماعية بشكل ضمني من أوامر ونواهي صياغة شكلية، وينظمها حسب أهميتها بشكل عقلاني ومتراتب، مما يجعل العقوبة تتناسب مع خطورة الانحراف. ويكون من نتائج ذلك ازدياد ولاء الأفراد للدولة عندما تكون عادلة في تطبيعها للقانون مراعية لمدى تناسب العقوبات مع درجة خطورة الانحراف عن القواعد والمعايير التي يفرضها الضمير الجمعي. يبدو وكأن المجتمع يضع مشاعره الجماعية بين يدي الدولة ويفوض لها حق ترجمتها إلى قوانين والسهر على تنفيذ مقتضياتها نيابة عنه. وبذلك تضطلع الدولة بحق ممارسة العنف المشروع: تعاقب، وتسجن، وتقتل من خلال تطبيق أحكام الإعدام. وهكذا اكتسبت الدولة وظيفة القمع الاجتماعي إلى جانب وظيفتها التأسيسية المتمثلة في ترجمة ما تنطوي عليه التمثلات الجمعية من قواعد ومعايير إلى قوانين وأحكام.

لقد تشكلت سلطة الدولة كنتيجة للعمليات التنظيمية التي كانت الجماعات البشرية في حاجة إليها كلما ازدادت كثافتها السكانية، وكلما ازداد تعقيدها بسبب التقسيم الاجتماعي للعمل. والحقيقة أن كل جماعة بشرية مهما كان مستوى تطورها تتوفر على نظم للضبط تكون في البداية محايثة لكينونتها وغير متميزة عن المجتمع الكلي. إن رئيس القبيلة أو شيخها في المجتمعات البدائية لا يوجد بينه وبين من يخضعون لسلطته فرق كبير، فهو يوجد على مسافة قريبة منهم. ومع تفكك النظام القبلي، وازدياد عدد السكان ظهر الميل إلى تمركز السلطة في إطار تنظيمي متميز عن المجتمع الكلي. ومع ظهور الدولة، اتسع مفهوم السياسة ليشمل إلى جانب التمثلات الجمعية الدولة وموظفيها، ونظم الحكم كالنظام الملكي، والأرستقراطي، والديمقراطي، وكذا الفئات التي تدعم نظام الحكم القائم والفئات التي تعارضه. ويمثل البعد التنظيمي في السياسة الجوانب المتعلقة بالمؤسسات والتشريعات أو ما يسميه دوركايم نمط الوجود السياسي manière d’être في مقابل أسلوب العمل السياسي manière de faire. يعكس هذا التمييز بين مستوى الوجود ومستوى الفعل تصور دوركايم لمستويات النظام الاجتماعي الذي ميز فيه بين المستوى المادي (الأساس المادي للمجتمع) ومستوى البنيات الشكلية (القوانين والتشريعات) والمستوى اللامادي (التمثلات الجمعية).

ويكتسي الميل إلى إضفاء الطابع الشكلي على آليات الضبط المرتبطة بالضمير الجمعي أهمية بالغة في تفسير دوركايم لنشوء المؤسسات السياسية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. لقد أصبحت القوانين التي تحدد ما يجب وما لا يجب فعله تتمتع بوجود فعلي أشبه ما يكون بالأساس المادي للمجتمع عندما اتخذت طابعا شكليا صريحا، تفرض وجودها على الأفراد بنفس القوة التي تفرض القوى المادية نفسها عليهم. ولكنها قابلة للتطور والتغير: فما كان محظورا في الماضي قد يصبح مباحا في فترة لاحقة، وما كان يعتبر جريمة شنيعة قد يصبح مجرد جنحة صغيرة. ونظرا لكونها قابلة للتغير فإنها اقرب ما تكون إلى التمثلات الجمعية التي تخضع بدورها للتطور والتغير. وهكذا أدرج دوركايم البنيات الشكلية (القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية) ضمن تصوره للنظام الاجتماعي الذي تحتل فيه مرتبة وسيطة تقع بين الأساس المادي للمجتمع وبنائه الفوقي المتمثل في التمثلات الجمعية. يطلق دوركايم على البنيات الشكلية اسم التنظيمات أو المؤسسات؛ يقول بهذا الصدد:

"هناك كلمة تعبر بشكل جيد عن هذا النمط من الوجود المتميز جدا، وهي كلمة مؤسسة. وفي الواقع، يمكننا، دون أن نشوه مدلول هذه العبارة، أن نطلق اسم مؤسسة على جميع المعتقدات وجميع أنماط السلوك التي قامت الجماعة بمأسستها"[5]

 

 ولذلك تعتبر الدولة في نظر دوركايم مؤسسة سياسية بامتياز. وقد فرضت هذه المؤسسة نفسها عندما بلغ المجتمع درجة من التطور والتعقيد فقدت معها آليات الضبط التقليدية فعاليتها. يقول دوركايم: "إنه بمجرد أن بلغت المجتمعات السياسية درجة معينة من التعقيد، لم يعد بإمكانها أن تشتغل بشكل جماعي [لأداء وظيفة الضبط الاجتماعي] إلا من خلال تدخل الدولة"([6]). وفيما يلي عرض مفصل حول تصور دوركايم للدولة ومؤسساتها بناء على ما ورد من تحليلات في المقالة التي اقتبس منها هذا الاستشهاد.

 مفهوم الدولة عند دوركايم

يرى دوركايم أن مفهوم الدولة هو من جملة المفاهيم الفضفاضة التي كثيرا ما تستعمل من غير أن يتم تحديد مضمونها بدقة. فهو يستعمل تارة للدلالة على المجتمع السياسي في كليته، ويستعمل تارة أخرى للدلالة على جزء معين من ذلك المجتمع. وحتى في الحالة التي يستعمل فيها بالمعنى الثاني فإن حدوده قد تتسع لتشمل العديد من المؤسسات دون تمييز. فقد يشمل مفهوم الدولة الكنيسة، والجيش، والجامعة وغيرها من المؤسسات العمومية التي تندرج في تكوين الدولة. ولكن تصور الدولة على هذا النحو قد يؤدي إلى الخلط بين نوعين مختلفين من التنظيمات وهما مؤسسات القضاء والجيش والجامعة من جهة، ومؤسسة الدولة بمعناها المتميز، من جهة أخرى. ولذلك لزم التفريق في نظره بين هيئات المهندسين والأساتذة والقضاة وبين مجلس الحكومة، والمؤسسة التشريعية، والوزارات، ومجلس الوزراء والمصالح التابعة لهذه الهيئات الحكومية. ويخلص دوركايم إلى حصر مفهوم الدولة في الهيئات الاجتماعية التي يحق لها التكلم باسم المجتمع الكلي. فعندما تتخذ الحكومة قرارا، أو يصوت البرلمان على قانون، فإن المجتمع كله يكون معنيا بالقرارات والقوانين الصادرة عن مختلف أجهزة الدولة، بمعنى أن هذه القرارات والقوانين تكون ملزمة للجميع. وأما المصالح الإدارية فإنها عبارة عن أجهزة وهيئات ثانوية تقع تحت سلطة الدولة؛ وبالتالي فإنها ليست جزءا من كيانها الذي يتميز عنها بطبيعة الوظائف التي يؤديها. ومن هنا يمكن القول بأن مفهوم الدولة مرادف لمفهوم المجتمع السياسي. ذلك أنه عندما يبلغ المجتمع السياسي درجة معينة من التعقيد يصبح عاجزا عن مزاولة نشاطه التنظيمي، ولا يستطيع بالتالي أداء وظيفته إلا من خلال جهاز الدولة التي تتكفل نيابة عنه بوظيفة الضبط الاجتماعي.

وتكمن وظيفة الدولة، حسب دوركايم، في إحلال التفكير العقلاني في المجتمع وتنظيمه بطريقة عقلانية. وتزداد أهمية التفكير العقلاني في المجتمع كلما نمت الدولة وتطورت. وليس يعني ذلك أن الدولة هي السبب في وجود الروح الجماعية وانتشارها في الجسم الاجتماعي، ذلك لأن التاريخ يشهد على وجود مجتمعات سياسية بدون دولة. إن ما يجعل التماسك الاجتماعي ممكنا هي المعتقدات المشتركة التي تحرك الأفراد بشكل غامض ولاشعوري تقريبا، وتجعل منهم كتلة واحدة هي عبارة عن حشد دائم يتحرك بطريقة غير واعية تماما، تحركه قوة انفعالية غالبا ما تقع خارج دائرة الوعي الفردي مما قد يجعل من الحشد قوة عنيفة ومدمرة. ويرجع السبب في ذلك إلى عدم توفر الحشد على مركز يستقبل تلك القوى العمياء ويتفكر فيها ويعقلنها قبل أن تقدم على فعل غير محسوب العواقب. وهنا بالضبط يكمن دور الدولة المتمثل في التحكم العقلاني في انفعالات المجتمع.

تكمن وظيفة الدولة، إذن، في توجيه الضمير الجمعي في الاتجاه الصحيح. لأن غياب مركز القرار العقلاني قد يؤدي إلى تصريف القوة الانفعالية المرتبطة بالضمير الجمعي أو الحشد بشكل عشوائي مدمر بسبب طبيعتها غير العقلانية. وقد يحصل ذلك عندما ينشب خلاف في المجتمع ويكون جهاز الدولة ضعيفا غير قادر على معالجة أسباب الخلاف بطريقة عقلانية، مما قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس. أما إذا كانت الدولة قوية وعقلانية، فإنها ستطرح القضايا الخلافية على طاولة التداول والنقاش، وتتخذ القرار المناسب الذي يرضي الجميع. تلك هي وظيفة الدولة ومبرر وجودها في المجتمعات المعقدة. إن ما يسمح للدولة بالاضطلاع بهذه المهمة هو موقعها المركزي الذي تتقاطع عنده كل المصالح ويجعل منها كيانا محايدا بالنظر إلى كل طرف من الأطراف المتنافسة في المجتمع. ونظرا لموقعها المركزي والمحايد في المجتمع تستطيع الدولة أن تدرك مدى تعقد الوضعيات التي تنشأ عن التفاعل بين مختلف التوجهات الاجتماعية، وتستحضر في معالجتها للقضايا الخلافية ما غاب عن إدراك كل طرف من الأطراف المتنافسة. وبذلك يمكنها الوصول إلى حلول مرضية ما كان من الممكن أن تخطر ببال القوى المتصارعة.

إن الدولة بهذا المعنى هي العقل المدبر؛ إنها العقل وقد حل محل القوة الانفعالية الغامضة. وهذا ما يفسر طبيعة الدساتير التي تتشكل الدولة على أساسها والتي تكمن وظيفتها في إحلال منطق التداول العقلاني والمعقول محل السلوك الانفعالي الأحادي الجانب. وهذا ما يفسر ظهور مجالس الحكومة إلى جانب الحاكم الذي يمثل الدولة. تكمن وظيفة هذه المجالس في التداول حول مختلف المشاريع المقترحة قبل تنفيذها. ولتكون هذه المشاريع مقبولة في المجتمع، كان لابد أن تضم المجالس ممثلين عن مختلف التوجهات الموجودة في المجتمع، بحيث يمكن لمختلف المشاعر الهلامية الغامضة التي يزخر بها المجتمع أن تفصح عن نفسها داخل المجالس الحكومية.

ويميز دوركايم في أنشطة الدولة بين نوعين: نشاط موجه نحو الخارج وآخر موجه نحو الداخل. يتميز النشاط الأول بكونه عنيف وعدواني، ويتميز الثاني بكونه مسالم وأخلاقي. هذا من حيث المبدأ. ولكن الأهمية التي يكتسيها هذا النشاط أو ذاك اختلفت باختلاف المراحل التاريخية التي مرت بها المجتمعات البشرية. في المراحل السابقة من تاريخ المجتمعات البشرية، كانت الغلبة للنشاط الموجه نحو الخارج على حساب النشاط الموجه نحو الداخل. كان الشغل الشاغل للدولة إلى عهد قريب هو توسيع نطاق حدودها لتضم أراضي جديدة وتبسط نفوذها على سكانها بالقوة. وكان الحاكم هو القائد الأعلى للجيش المهووس بالغزو، وكان الجيش هو وسيلته الأساسية في الحكم ما دام اهتمامه كله منصبا على الغزو. ويرى دوركايم أن الدافع إلى الغزو لم يكن ذا صلة بالمشكلات الاقتصادية التي يتخبط فيها البلد، بل كان يرتبط في المقام الأول بتصور الحكام للدولة. كانوا ينظرون إلى الدولة على أنها كيان واقعي قائم بذاته، موجود كشيء في ذاته، لا بوصفها أداة في خدمة المواطنين من أجل تحقيق العدالة، والتنسيق بين الأنشطة الاجتماعية، وتدبير الشأن العام بما يضمن التقدم والرفاهية للسكان. وبدل أن تكون الدولة وسيلة في خدمة المجتمع تحولت إلى غاية تستقطب جهود الأفراد وتسخر كل إرادة لدعمها وتقويتها أكثر فأكثر، حتى تحولت إلى قوة مستبدة تقهر إرادة المجتمع.

وعندما تأخذ الدولة طابعا عسكريا واستبداديا، تنشغل بالحروب، ولا تولي أهمية كبيرة للوظيفة المتجهة نحو الداخل والمتمثلة في تدبير الحياة الخلقية للمجتمع في اتجاه تحقيق مزيد من الرفاهية والعدالة. وعندما تكون الأولوية في الدولة للوظيفة المتجهة نحو الخارج يتم اختزال القانون إلى ما ترغب فيه الدولة وترتضيه بمعزل عن إرادة المجتمع. ويرى دوركايم أنه كلما تقدم المجتمع ازدادت أهمية الوظيفة المتجهة نحو الداخل على حساب الوظيفة المتجهة نحو الخارج. فبينما كان النشاط العسكري هو النشاط المهيمن في سلوك الدولة خلال المراحل السابقة، أصبحت الأنشطة القانونية والتنظيمية تحتل مكان الصدارة في المراحل اللاحقة، حتى إن الحروب أصبحت تمثل حالات استثنائية، بينما كان الاهتمام بالأنشطة القانونية والتنظيمية في الماضي هو الذي يمثل الحالة الاستثنائية. هكذا يتصور دوركايم تطور الدولة. يتجلى هذا التطور في تزايد حجم التشريعات والقوانين الجديدة. ذلك لأن تطور المجتمع، وازدياد درجة تعقيده بسبب التقسيم الاجتماعي للعمل الذي يفرز باستمرار نظما وظواهر جديدة، يستلزم سن قوانين جديدة. يتجلى ذلك من خلال التطور الهائل الذي عرفته الترسانة القانونية. فقد شمل التطور والتغير قانون الأحوال الشخصية، وقانون التجارة والصناعة، وقانون العقود والالتزامات وما إلى ذلك من القوانين التي تنظم مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، والتي لم يسبق للكثير منها أن وجدت من قبل.

وخلاصة القول: إنه كلما تطور المجتمع وخطى خطوة إلى الأمام إلا وتطورت معه مؤسسات الدولة، وازدادت حقوق المواطنين، واتخذت العلاقات الاجتماعية طابعا أكثر عدالة. ولقد أصبحت العدالة تحتل مكانة مرموقة في المجتمعات الحديثة، وأصبح مقياس تقدمها مرتبطا بمدى احترام حقوق الفرد؛ لأن العدالة هي، قبل كل شيء، إعطاء الفرد الحقوق التي يضمنها له القانون. والملاحظ، حسب دوركايم، أن حقوق الفرد قد ازدادت في المجتمعات الحديث واتخذت طابعا اجتماعيا، حتى إن الفرد أصبح قيمة في ذاته، يحاط بهالة من القداسة، يقول دوركايم:

"فبينما لم تكن للشخص أية قيمة في البداية، أصبح اليوم الكائن المقدس بامتياز، يُحدث كل طعن في شرفه نفس الأثر الذي يحدثه الطعن في الآلهة لدى المؤمنين بها في الأديان البدائية"([7])

وأما ضامن هذه الحقوق فهي الدولة التي نظر إليها دوركايم على أنها "الهيئة المدنية للعدالة" «organe civil de la justice» . وأما ما يبرر ضرورة قيام الدولة بهذا الدور فهو أن المجتمع ينطوي على قدر كبير من التفاوت بين الأفراد والطبقات والفئات فيما يتعلق بامتلاك وسائل القوة والنفوذ الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك. ولكي لا يطغى البعض على البعض الآخر ويهضم حقوقه، يحتاج المجتمع إلى هيئة محايدة ومستقلة ومتعالية عن المصالح الفردية والفئوية والطبقية، قادرة على فهم ضروريات العيش المشترك. وتقتضي العدالة أن تعمل الدولة على الحد من مطامع كل من يريد استغلال مقومات العيش المشترك من أجل تحقيق مصالحه الأنانية على حساب المصلحة العامة ومصالح غيره من المواطنين. ومن هنا تأتي الوظيفة الأخلاقية للدولة حسب دوركايم. ولكن ذلك لا يعني، في نظره، أن تنفرد الدولة بالقرار، وتفعل ما تشاء دون أخذ بعين الاعتبار توجهات الرأي العام. هذا مع العلم أن قوة الدولة مستمدة من قوة الضمير الجمعي، إنها القوة "المحايثة للضمير المشترك" حسب تعبيره[8] ولذلك لزم إخضاعها لمراقبة القوى الثانوية التي تخضع لنفوذها، وإلا تحولت إلى دولة استبدادية ذات سلطة مطلقة لا حدود لها؛ وبدل أن تكون أداة لتحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين تصبح غاية في حد ذاتها. ويكون من نتائج ذلك فقدان الثقة في مؤسسات الدولة مما قد يؤدي إلى نزع المشروعية عنها.  ذلك لأن سلطة الدولة إنما نشأت كرد فعل إزاء توقعات الضمير الجمعي بوصفها سلطة مُفوَّضة تعبر عن إرادة الروح الجماعية. ولذلك يتوقع أن تسحب منها إذا استبدت برأيها ونصبت نفسها بوصفها قوة قائمة بذاتها.     

 

 

 

 

 

 

 



[1] Emile Durkheim (1969). Leçons de sociologie :physique des mœurs et du droit. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 96.

[2] Emile Durkheim(1963). Les règles de la méthode sociologique. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 64.

[3] Emile Durkheim (1967). Le suicide. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 264.

[4] Emile Durkheim (1968). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 297.

[5] Emile Durkheim (1963). Les règles de la méthode sociologique, op. cit. p. XXIL.

[6] Emile Durkheim. L’Etat. Texte extrait de la Revue philosophique, n° 148, 1958. Publication posthume d’un cours datant de 1900-1905. Edition électronique, p. 4 http://classiques.uqac.ca/classiques/Durkheim_emile/textes_3/textes_3_6/durkheim_Etat.pdf

[7] Emile Durkheim. L’Etat. Op. cit. p. 7.

[8] Emile Durkheim (1967). De la division sociale du travail. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 51.

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 16 novembre 2011 3 16 /11 /Nov /2011 10:22

علم النفس الأرسطي: قراءة في كتاب "النفس"

أحمد أغبال

لم يكن أرسطو فيلسوفا فحسب، بل كان عالما أيضا. عشق الطبيعة بكل أشكالها فراح يبحث في أسرارها من خلال الكشف عن مبادئها وقوانينها؛ وبدأ بتصنيف أنواع النباتات والحيوانات الموجودة في بلاده، وتعدى ذلك إلى الدراسة التشريحية للحيوان ولكيفية سلوكه في محيطه الطبيعي. وقاده اهتمامه بطبيعة الكائنات ومراتبها في الوجود إلى دراسة النفس التي تمثل عنده أرقى درجات الكمال، وخصص لهذا الموضوع كتابا تحت عنوان الذي يعتبر بحق أول مصنف ظهر في علم النفس، لاسيما وأن أرسطو قد أفرد لموضوع النفس مؤلفا مستقلا، وكأنما أراد بذلك أن يجعل منه موضوع علم قائم بذاته. وعرف موضوع هذا العلم بأنه "الظواهر المشتركة بين الجسد والروح".

لقد أراد أرسطو أن يجعل من النفس موضوعا لعلم خاص، وهو العلم الذي يبحث في طبيعة النفس وخواصها؛ ونظر إلى النفس على أنها مبدأ الحياة العام. ولذلك كان لابد أن يشمل موضوع هذا العلم عنده جميع الكائنات الحية على اختلاف مراتبها، بدءا بالنبات وصولا إلى الإنسان. ولذلك نجد في كتاب "النفس" وصفا دقيقا، بمعايير العصر الذي ينتمي إليه، للأنشطة التي تقوم بها الكائنات الحية من نبات وحيوان إلى جانب أنشطة الإنسان وسلوكه. ولذلك جاء موضوع علم النفس عند أرسطو عاما جدا وشاملا لكل ظواهر الحياة بما في ذلك طبيعة الحياة ذاتها. وهذا ما جعله مختلفا عن علم النفس الحديث أو المعاصر.

أثار أرسطو في كتاب "النفس" مجموعة من القضايا والإشكالات المتعلقة بطبيعة الظواهر السيكولوجية وعلاقتها بالبدن من جهة، وبالنفس أو الروح من جهة أخرى. ومن أمثلة ذلك قوله:

"وهناك مشكلة أخرى تتصل بأحوال النفس: هل تعم جميعها الكائن ذا النفس، أم أن بعضها يخص النفس ذاتها ؟ والجواب عن هذا السؤال ضروري ولكنه صعب. ويبدو أن النفس في معظم الحالات لا تفعل ولا تنفعل بغير البدن: مثل الغضب، والشجاعة، والنزوع، وعلى وجه العموم الإحساس. وإذا كان هناك فعل يخص النفس بوجه خاص فهو التفكير. ولكن إذا كان هذا الفعل نوعا من التخيل، أو لا ينفصل عن التخيل، فإن الفكر لا يمكن أن يوجد كذلك بدون البدن. وإذن، إذا كان هناك وظائف أو أحوال للنفس تخصها وحدها، فقد يمكن أن يكون للنفس وجود بدون الجسم. وعلى العكس، إذا لم يكن لها شيء من ذلك يخصها، فلن تكون النفس منفصلة عن الجسم... ويبدو أن جميع أحوال النفس توجد مع الجسم: كالغضب، والوداعة، والخوف والشفقة والإقدام، وأيضا الفرح والحب والبغض؛ لأنه عندما تحدث هذه الأحوال يتغير الجسم. ويظهر ذلك من أنه في بعض الأحيان تحدث فينا أسباب قوية وعنيفة توجب هذه الأحوال، دون أن يعقبها تهيج أو خوف، على حين أنه في بعض الأحيان الأخرى تؤدي أباب ضعيفة وقليلة الثر إلى حدوث هذه الآثار، إذا كان الجسم متهيجا، وفي حالة تشبه الغضب. وهناك دليل أكثر وضوحا: في غيبة كل سبب للخوف قد ننفعل انفعال الخوف. فإذا كان ذلك كذلك، فمن الواضح أن أحوال النفس صور حالُّةََ في الهيولى. ولذلك يجب أن يُنْزِلَ هذه الأمور عند النظر في حدها على هذا النحو، كأن يقول مثلا: إن الغضب هو حركة هذا الجسم، او هذا الجزء من الجسم، أو هذه القوة أو هذه القوة عن هذا السبب لهذه الغاية. ولذلك كان البحث عن النفس مما يختص به عالم الطبيعة سواء فيما يتصل بالنفس كلها، أو بأحوالها التي وصفناها. "

وإلى جانب الإشكالية العويصة المتعلقة بطبيعة الظواهر السيكولوجية وعلاقتها بالبدن، طرح أرسطو مشكلة المنهج المتعلق بدراسة هذه الظواهر الشديدة التعقيد. يقول بهذا الصدد:

"غير أن الحصول على معرفة وثيقة عن النفس أمر، على الإطلاق ومن كل وجه، شديد الصعوبة. ذلك أن هذا الفحص، لأنه يعم كثيرا من الأشياء (أعني البحث عن الجواهر والماهية) فقد يُظَنُّ أنه لا بوجد إلا منهج واحد ينطبق على جميع الأشياء التي نريد أن نعرف جوهرها (كما هو الحال في البرهان فيما يخص الصفات العرضية)، فيكون من الواجب أن نطلب هذا المنهج. ومن جهة أخرى إذا لم يوجد منهج واحد ومشترك للبحث في الماهية، فإن عملنا يصبح أكثر صعوبة، إذ ينبغي تحديد الطريق المتبع في كل حالة. ومع ذلك إذا كان من الواضح أن هذه الطريقة هي ضرب من البرهان أو القسمة أو حتى منهج أخر، فإنه يبقى بعد ذلك مشكلات وشكوك فيما يجب أن يبدأ منه بحثنا. لأن المبادئ تختلف باختلاف الأشياء المختلفة كالحال، مثلا، في الأعداد والسطوح" (ص. 4)

وهذا الطرح لمسألة المنهج السيكولوجي في علاقته بطبيعة موضوع البحث لا يختلف عما ذهب إليه رواد علم النفس المعاصر الذين اختلفت مناهج البحث السيكولوجي عندهم باختلاف أنواع الظواهر السيكولوجية كما يحددونها. ويختلف المنهج المعتمد لدراسة النفس عند أرسطو باختلاف كيفية تصوره لأحوالها: فإذا كانت أحوال النفس على صلة وثيقة بالجسد، وكانت النفس "لا تفعل ولا تنفعل بغير البدن"، حسب قوله، فإن دراستها ستصبح حينئذ جزءا من اهتمامات عالِم الطبيعة؛ وإذا كانت للنفس خواص تخصها، احتاج الباحث إلى منهج برهاني يقوم على مبادئ قبلية. ولا زالت مسألة المنهج السيكولوجي مطروحة على هذا النحو في الأزمنة المعاصرة. ولذلك اختلفت مناهج البحث السيكولوجي باختلاف تصورات الباحثين والعلماء للموضوعات التي يتناولونها بالدراسة والتحليل.

افترض أرسطو على غرار أستاذه أفلاطون وجود ثلاثة أنواع من النفس، وهي: النفس النباتية التي تمثل القوى الغاذية في الكائنات الحية؛ والنفس الحيوانية التي تنشأ عنها القدرة على الحركة الذاتية؛ والنفس الإنسانية التي تمثل القوى العقلية. ونظر إلى النفس في ضوء مقولاته الميتافيزيقية أحيانا، ومقولاته الفيزيائية أحيانا أخرى، واعتبرها مبدأ الوجود الفعلي للجسد الذي به يتحقق بوصفه كائنا له أهداف وغايات، ونظر إليها بوصفها الكمال الأول للجسد الذي ينطوي على الحياة بالقوة أو بالإمكان، يقول:

"إلا أن الآراء قد أجمعت على أن الأجسام هي قبل كل شيء الجواهر، وأن من بينها الأجسام الطبيعية لأنها مبادئ غيرها. وبعض الأجسام الطبيعية بها حياة، وبعضها لا حياة لها. ونعني بالحياة: أن يتغذى الكائن، وينمو، ويفسد بذاته. ويترتب على ذلك أن كل جسم طبيعي ذي حياة، فهو جوهر، ونعني بالجوهر هاهنا الجوهر المركب [من الهيولى والصورة]. وما دمنا نتكلم هاهنا عن جسم ذي صفة معينة، ونعني بهذه الصفة وجود الحياة في الجسم، فليس الجسم هو النفس، لأن الجسم الحي [أي الذي فيه نفس] ليس صفة لشخص، بل الأولى أنه هو نفسه حامل وهيولى، ويترتب على ذلك أن النفس بالضرورة جوهر بمعنى أنها صورة جسم طبيعي ذي حياة بالقوة. ولكن هذا الجوهر كمال أول لجسم له هذه الطبيعة. إلا أن الكمال الأول يقال على معنيين: فهو تارة كالعلم، وتارة كاستعمال العلم. ويظهر هاهنا أن النفس كمال أول كالعلم، لأن النوم كاليقظة، يقتضيان وجود النفس، من حيث إن اليقظة شيء شبيه باستعمال العلم، والنوم شبيه بوجود العلم دون استعماله. ولكن العلم في الفرد متقدم في النشوء على استعمال العلم. لهذا كانت النفس كمالا أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة، نعني بجسم آلي [أو عضوي]"(ص. 42)

ولما كانت النفس كمالا أولا لجسم طبيعي، ونظرا لكونها أشبه ما تكون بالعلم قبل استعماله، فإنه يفترض أن يكون لها استقلال عن أفعالها. ومن هنا جاء تعريف أرسطو للنفس على أنها جوهر لجسم طبيعي ذي حياة بالقوةّ، وعرفها بقوله:

"والنفس علة ومبدأ الجسم الحي. وهذان اللفظان "علة" و "مبدأ" يقالان على معان كثيرة...فالنفس علة من حيث إنها أصل الحركة، وإنها غاية، وإنها كذلك جوهر الأجسام المتنفسة. أما إنها علة من جهة الجوهر، فهذا بين؛ لأن علة الكائن في كل شيء هو الجوهر. ولكن الحياة عند جميع الكائنات الحية، هي قوام وجودها. والنفس هي علة حياتها ومبدؤها. وأيضا فإن صورة الكائن بالقوة هي الكمال الأول. ومن الواضح أيضا أن النفس علة أيضا من جهة الغاية: فكما أن العقل يفعل من أجل شيء، فكذلك الطبيعة، وهذا الشيء غايتها. ولكن النفس هي مثل هذه الغاية في الحيوان، وهذا مطابق للطبيعة، لأن جميع الكائنات الطبيعية الحية آلات للنفس، والأمر في النبات كما هو في الحيوان. فالنفس، إذن، غايتها"(ص. 54-55)

وينطبق هذا على جميع الكائنات الحية من نبات وحيوان وإنسان. والمقصود بالجوهر هنا الصورة التي تنقل الكائن من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وهكذا، فإن علاقة النفس بالجسد إنما تمثل حالة خاصة بالنظر إلى العلاقة العامة التي تربط الصورة بالهيولى في الميتافيزيقا الأرسطية.

وبالإضافة إلى اهتمامه بدراسة العلاقة العامة بين النفس والجسد في ضوء نظريته الميتافيزيقية ونظرية العلل الأربعة، خصص أرسطو عدة فصول من كتاب "النفس" لدراسة أحوال النفس أو القوى النفسية وعلاقة بعضها ببعض، ومنها القوى الغاذية، وملكات الإدراك الحسي والتفكير العقلي، والقوة الشهوانية أو الرغبة، وما إلى ذلك من القوى النفسية. ونقد جاءت مرتبة عنده حسب مراتب الكائنات الحية. نقرأ في كتاب النفس ما يلي:

"توجد جميع قوى النفس التي ذكرناها في بعض الكائنات، كما سبق أن قلنا، وليس في بعض الكائنات إلا بعض القوى، وبعضها الثالث ليس فيه إلا قوة واحدة فقط. والقوى التي عددناها هي: القوة الغاذية، والنزوعية، والحساسة، والمحركة، والمفكرة. وليس في النبات إلا القوى الغاذية فقط؛ وفي بعض الكائنات هذه القوة، وكذلك قوة الحس؛ وإذا كانت عندها قوة الحس فعندها طذلك القوة النزوعية، لأن النزوع يشمل الشوق، والغضب، والإرادة. ولكن الحيوانات عندها جميعا إحدى الحواس على الأقل، نعني اللمس. وحيث يوجد الإحساس يوجد كذلك اللذة والألم. وإذا وجدت هذه الأحوال في كائن وجد عنده الشوق، إذ أن الشوق هو طلب المُلِذ. وأيضا فإن جميع الحيوانات عندها الإحساس بالغذاء، لأن اللمس حاسة التغذي. ذلك أن اليابس والرطب، والحار والبارد من الأشياء، هي وحدها غذاء جميع الكائنات الحية. (وهذه الصفات تُدْرَكُ باللمس، على حين أن غيرها من المحسوسات، ليست كذلك إلا بالعرض)، لأن الصوت، واللون، والرائحة لا تساهم في التغذي. أما الطعم فهو احد موضوعات اللمس. ولكن الجوع والعطش من الشوق، فالجوع [شوق] لليابس والحار، والعطش للبارد والرطب. والطعم بنوع ما، يجمع بين هذه الصفات....ولنكتف الآن بالقول بأن الحيوانات التي عندها اللمس، عندها النزوع كذلك. أما أنها هل عندها تخيل فأمر يُشَكُّ فيه...وعند بعض الحيوان أيضا قوة الحركة، وعند بعضها الآخر قوة التفكير والعقل، كالإنسان مثلا، وأي كائن حي آخر، إن وجد، يكون من طبيعة مشابهة له، أو أرقى منه"(ص. 50-51)

يتبين من هذا النص أن الكائنات الطبيعية تختلف عن بعضها البعض من حيث مراتبها في الوجود ودرجات تطورها أو كمالها باختلاف عدد القوى النفسية التي تنطوي عليها. فالنبات ينطوي على قوة واحدة هي القوة الغاذية، ويتمتع الحيوان بالقوة الغاذية التي للنبات وبقوة الإدراك الحسي التي لا توجد عند النبات. ويشك أرسطو في أن تكون للحيوان قوة المخيلة، وإن كان يرجح أن يكون لها تخيل حسي، وأما التخيل المقترن بالروية فهو من اختصاص الحيوان العاقل. وأما الإنسان، فإنه يشتمل على هذه القوى كلها ويزيد عليها. ولذلك يعتبر أرقى الكائنات الطبيعية جميعا. بحيث يمكن القول: إن من يتمتع بالقدرة على التفكير العقلي، يتمتع أيضا بالقدرة على الإدراك الحسي وقوة الخيال، وكل من عنده قوة الإدراك الحسي، تكون عنده بالضرورة القوة الغاذية. والعكس غير صحيح، بمعنى أن وجود القوة الغاذية لا يستلزم بالضرورة وجود قوة الحس، كما أن هذه الأخيرة لا تستدعي بالضرورة وجود القوة العقلية. ولما كان الإدراك الحسي يحتاج في وجوده إلى القوة الغاذية، جعل أرسطو من القوة الغاذية موضوعا لعلم النفس، مثلها في ذلك مثل قوة الحس وقوة المخيلة وقوة التفكير العقلي والرغبات وغيرها من الانفعالات الأخرى. تبين الخطاطة التالية مراتب الكائنات الطبيعية كما يتصورها أرسطو.

أحوال النفس وملكاتها لدى مختلف الكائنات الحية

 ----------------------copie-1.JPG

يمكن القول في ضوء ما سبق إن ميدأ الحياة الأول يكمن في القوة الغاذية. وعلى هذا عرف أرسطو الحياة بأنها التغذي والنمو والنقصان بالذات. و"بناء على هذا المبدإ، إذن، يقول أرسطو، توجد الحياة في جميع الكائنات الحية"(ص. 46) سواء تعلق الأمر بالنبات أو الحيوان. ولذلك اعتبرها أرسطو "أول قوى النفس وأعمها"(ص. 53) ورأى أنها تؤدي وظيفتين: التغذي والتوالد. وتكتسي وظيفة التوالد أهمية قصوى لدى جميع الكائنات الحية، "لأن أقرب الوظائف من الطبيعة لكل كائن حي كامل ليس بناقص...هو أن يخلق كائنا آخر شبيها به...بحيث يشارك في الأزلي والإلهي بحسب طاقته. لأن هذا هو موضوع النزوع لجميع الكائنات، وغاية نشاطها الطبيعي"(ص. 56-57)

وأما بخصوص الحيوان، فإن الأساس الذي يقوم عليه تكوين فهو الإحساس. يشترك الإنسان مع النبات في القوى الغاذية، وترتبط عنده هذه الأخيرة بالقوة الحساسة، بينما توجد القوة الغاذية عند النبات في استقلال عن للقوة الحساسة أو مفارقة لها. ويعتبر اللمس، في نظر أرسطو، أول قوى الحس في الحيوان. وأما الإنسان، فإن مبدأ وجوده كإنسان، فهو العقل. وأما النفس، فهي ما به تؤدي الكائنات الحية وظائفها (التغذي، والإحساس، والتفكير...).

وإذا كان الإدراك الحسي هو ما يميز الحيوان عن النبات، فإن ملكة الحس لا يكون لها وجود عنده إلا بالقوة؛ ولا تنتقل إلى الوجود بالفعل إلا بعد أن تنفعل بالمحسوس الذي يكون له وجود بالفعل. فالرؤية لا تتحقق إلا إذا كان هناك موضوع قابل للإبصار، أي له خصائص تجعله قادرا على التأثير في حاسة البصر، وينقل إليها صورته؛ فهو بلغة عصرنا هذا يلعب دور المنبه، وهو ما عبر عنه أرسطو بقوله: "..إلا أن ملكة الحس هي بالقوة، كما أن المحسوس هو بالفعل.. فهي تنفعل إذن من حيث إنها ليست شبيهة، حتى إذا انفعلت أصبحت شبيهة بالمحسوس، واتصفت بوصفه"(ص. 63) لا يتحقق الإدراك الحسي إذن ما لم تتوفر جملة من الشروط: فلا يمكن لكائن أن يدرك موضوعا ما إلا إذا (1) كان ذلك الكائن يتمتع بالقدرة على الانفعال بالموضوع، بمعنى أن تكون له القدرة على استقبال الصورة المحسوسة لذلك الموضوع (2) وكان الموضوع مهيأ لأحداث فعل أو تأثير في الإحساس، فيمده بصورته (3) والنتيجة هي أن قوة الحس عند الكائن تتوحد مع صورة الموضوع المُدْرَك وتنتقل إلى الوجود بالفعل. يسري هذا القانون على الإدراك العقلي أيضا. فالذات العارفة تحتاج لكي تتعقل موضوعا ما إلى (1) أن تكون لها القدرة على استقبال الصورة المعقولة للموضوع (2) وأن يكون الموضوع مهيأ لإمداد الملكات العقلية للذات العارفة بالصور التي تحتاج إليها (3) ويكون من نتائج ذلك أن بنية العقل الفردي تتوحد مع بنية الصور العقلية. يتحقق الإدراك الحسي، إذن، عندما تتشكل بنية ملكة الحس وفقا لبنية المحسوس أو صورته. وكذلك تتحقق المعرفة العقلية عندما تتخذ بنية العقل شكل بنية الموضوع، أي عندما تتوحد بنية الذات العارفة مع بنية موضوع المعرفة، وهو ما عبر عنه أرسطو بقوله: "والعلم من أحد الوجوه هو وموضوعه شيء واحد، كما أن الإحساس والمحسوس شيء واحد"(ص. 119) ويعود ليوضح بأن الأمر إنما يتعلق بصور الموضوعات لا بالموضوعات ذاتها، يقول:

"العلم والإحساس ينقسمان، إذن، بحسب موضوعاتهما، فالعلم بالقوة والإحساس بالقوة يقابلان الأشياء بالقوة، والعلم بالفعل والإحساس بالفعل يقابلان الأشياء بالفعل. وفي النفس قوة الحس وقوة العقل هما بالقوة نفس موضوعيهما، أحدهما المعقول بالقوة، والآخر المحسوس بالقوة. فبالضرورة كانت هذه القوى هي نفس موضوعاتها، أو على الأقل نفس صورها. أما أن تكون نفس موضوعاتها، فليس هذا ممكنا، لأنه ليس الحجر هو الموجود في النفس بل صورته"(ص. 120)

وفي سياق تحليله لملكات النفس، انتهى أرسطو إلى وجود تلازم وارتباط بين بعض الملكات. ومن أمثلة ذلك قوله أن ملكة الحس تنشأ معها دائما ملكة أخرى وهي المخيلة؛ بحيث يمكن القول: إنه كلما كانت القوة الحساسة إلا ووجدت معها قوة المخيلة. هناك، إذن، علاقة ارتباط بين الإحساس والتخيل. وكذلك توجد علاقة ارتباط بين التخيل والنزوع والشوق. يقول بهذا الصدد::

"وإذا كان في كل جزء الإحساس ففيه أيضا التخيل، والنزوع. لأنه إذا وجد الإحساس، وجد كذلك الألم واللذة. وإذا وجد الألم واللذة، فهناك بالضرورة الشوق"(ص. 47)

ويقول في مكان آخر.

"وليس في النبات إلا القوة الغاذية فقط؛ وفي بعض الكائنات هذه القوة، وكذلك قوة الحس؛ وإذا كانت عندها قوة الحس فعندها كذلك القوة النزوعية، لأن النزوع يشمل الشوق، والغضب، والإرادة. ولكن الحيوانات عندها جميعا إحدى الحواس على الأقل، نعني اللمس. وحيث يوجد الإحساس يوجد كذلك اللذة والألم. وإذا وجدت هذه الأحوال في كائن وجد عنده الشوق، إذ أن الشوق هو طلب المُلِذ" (ص. 50)

نظر أرسطو إلى المخيلة بوصفها ملكة تابعة لملكات أخرى، فهي تقع تحت تأثير ملكة الحس عند الحيوان والإنسان معا، وترتبط بالروية والملكات العقلية عند الإنسان وحده.

لم يكتف أرسطو برصد أحوال النفس لدى مختلف الكائنات الحية وبيان كيفية تدرجها ومراتبها وعلاقات بعضها ببعض، بل تجاوز ذلك في الفصول الأخيرة من كتاب "النفس" إلى البحث في الأسباب الكامنة خلف سلوك الكائن الحي من أجل الوقوف على المبدأ المحرك الذي يدفعه نحو تحقيق أهدافه التي قد يعيها أو لا يعيها. وساقه البحث والتقصي إلى التمييز في النفس بين نوعين من القوى: "قوة الحكم، وهي وظيفة التفكير والإحساس، ثم قوة التحريك بحسب الحركة المكانية" (ص. 121) وراح يبحث في أجزاء النفس التي لا حصر لها عنده () عن الجزء الذي يلعب دور المبدأ المحرك؛ واستبعد أن يكون هو القوة الغاذية، على اعتبار أن كل سلوك يهدف دائما إلى تحقيق غاية، هذا بالإضافة إلى أن كل حركة أو سلوك "يصحبها إما تخيل إما نزوع، لأن الحيوان ما لم يشتق إلى شيء أو يهرب منه فلا يتحرك إلا بالقسر"(ص.122) وكذلك استبعد أن يكون لقوة الحس علاقة مباشرة بالمبدأ المحرك. وكذلك العقل النظري، فإنه لا يمكن أن يكون علة الحركة، واستدل على ذلك بقوله:

"ذلك أن العقل النظري لا يعقل شيئا له بالعمل علاقة، ولا يحكم فيما يجب تجنبه وطلبه، على حين أن حركة التقدم تصدر دائما عن كائن يتجنب أو يطلب شيئا. وحتى إذا فعل العقل شيئا من هذا الجنس فإنه لا يأمر بطلبه أو بتجنبه: مثال ذالك أنه كثيرا ما يعقل شيئا مخيفا..دون أن يأمر بالهرب"(ص. 123)

وخلص في النهاية إلى القول بوجود قوتين محركتين وهما: النزوع أو الرغبة والعقل العملي. وعرف العقل العملي بأنه "العقل الذي يستدل لبلوغ غرض"(ص.122). وكذلك الحال بالنسبة للرغبة، فهي دائما متجهة نحو شيء ما، وبتعبير أرسطو، فإن "كل نزوع فهو من أجل غاية، لأن موضوع النزوع هو مبدأ العقل العملي"(ص. 124). إن ما يجعل من الرغبة والعقل العملي قوة محركة هو نزوعهما إلى غرض مطلوب؛ بحيث يمكن القول في النهاية بأن القوة المحركة تكمن أولا وقبل كل شيء في الغاية أو الغرض المطلوب. فالهدف الذي يتشبث به الكائن، أو لنقل موضوع رغبته، هو الذي بلعب دور الحافز أو القوة الدافعة في السلوك. "ولذلك، يقول أرسطو، فإن المطلوب هو دائما ما يحرك" (ص. 124)، سواء كان مطلوبا من جهة العقل أو من جهة الخيال، وفي كلتا الحالتين، فإن القوة المحركة هي القوة النزوعية أو قوة الرغبة والشوق. وإذا كان العقل لا يحرك بدون نزوع، فإن النزوع المختص به يكمن في الروية، ومعناها طلب الحق والصواب. فعندما يتحرك المرء عن تفكير وروية، فإنه يضرب لكل شيء حسابا. "أما النزوع فعلى العكس، فيمكن أن يحرك بدون أي استدلال، لأن الشوق ضرب من النزوع" (ص. 124). على هذا يمكن للرغبة أن تتعارض مع العقل، وينشأ صراع بينهما، وهو ما يسمى بلغة علم النفس المعاصر الصراع النفسي، والصراع بين الأنا والهو. كان أرسطو على وعي تام بهذا النوع من الصراع، وعبر عنه بعبارات ومفاهيم لا تختلف في شكلها ومضمونها عن المقولات والمفاهيم التي تقوم عليها نظرية التحليل النفسي، يقول بالحرف الواحد:

"فمن الواضح إذن أن ما يحرك هي قوة النفس التي تسمى بالنزوع. أما أولئك الذين يقسمون النفس أجزاء فإن فعلوا ذلك بحسب قواها ينتج عن ذلك عدد كبير من الأجزاء: غاذية، وعاقلة، ومروية، وأخرى نزوعية أيضا. هذه تختلف فيما بينها أكثر مما تختلف الشهوانية والغضبية – وحيث تتولد ضروب من النزوع يضاد بعضها بعضا، وهذا ما يحصل إذا تعارض العقل والشهوات (ولا يحصل هذا إلا في الكائنات التي تدرك الزمن؛ ذلك أن العقل يأمر بالمقاومة بالنظر إلى المستقبل، على حين أن الشهوة لا تتحرك إلا بحسب الحاضر، لأن اللذة الحاضرة تظهر على أنها لذيذة على الإطلاق، وخيرة على الإطلاق، لأننا لا نبصر المستقبل) فيترتب على ذلك أن المبدأ المحرك يجب أن يكون واحدا بالنوع" (ص. 125).

وإذا كان أرسطو قد انتبه إلى الصراع بين قوى الهو والأنا، فإنه أشار في هذا النص أيضا إشارة واضحة إلى وجود ما يسمى اليوم في لغة التحليل النفسي بمبدأ اللذة ومبدأ الواقع. إن القول بأن "الشهوة لا تتحرك إلا بحسب الحاضر" يضاهي ما ذهب إليه فرويد في حديثه عن الطاقة الليبيدية وقوى الهو العمياء التي تدفع الفرد إلى إشباع نزواته هنا والآن بغض النظر عن متطلبات الواقع وما يمكن أن يترتب عنها في المستقبل؛ ومعنى ذلك أن الهو لا يخضع إلا لمبدأ واحد وهو مبدأ اللذة، وعلى الظرف النقيض تقع الأنا التي لا تخضع في الغالب إلا لمبدأ الواقع.

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 15 novembre 2011 2 15 /11 /Nov /2011 19:14

علم النفس الأرسطي: الذاكرة والتذكر

أحمد أغبال

يرى أرسطو أن الذاكرة هي جزء من ملكة الإدراك الحسي: إنها الآلية التي تتولى مهمة فحص ومعالجة التجارب الحسية السابقة. وأما التجارب الحسية التي تقع في الزمن الحاضر فإنها تقع خارج دائرة نفوذ الذاكرة، ولا تشملها هذه الأخيرة إلا بعد أن تصبح في خبر كان. ولذلك تقترن الذاكرة في نظرية أرسطو بمفهوم الزمن. ويترتب عن ذلك أن الذاكرة لا تكون إلا عند الحيوانات التي تدرك الزمن؛ وهي عند هذه الحيوانات جزء لا يتجزأ من الملكة التي تمكنها من إدراك الموضوعات الخارجية، أي ملكة الإدراك الحسي.  ومن هنا استخلص أرسطو الفكرة التالية: إن المبدأ الذي ترتكز عليه الذاكرة في تعاملها مع أي موضوع مهما كان نوعه هو مبدأ حسي. وحتى عندما يتعلق الأمر بالأفكار المجردة فإن الذاكرة لا تتعامل معها إلا من خلال بعض الانطباعات أو الصور الحسية. ولما كانت الذاكرة مرتبطة بملكة الحس، وكانت هذه الملكة مشتركة بين الإنسان والحيوان، كان لابد أن توجد الذاكرة عندهما معا. ولو كانت الذاكرة جزءا من ملكة العقل، لاستحال وجودها عند الحيوان. ومع ذلك، فإن الذاكرة لا توجد عند جميع أنواع الحيوانات، ولا ينعم بها إلا الحيوان الذي يدرك الزمن.

وأما موطن الذاكرة في النفس فهو المحل الذي تنشأ فيه صور الخيال، لأن الموضوعات التي تعالجها الذاكرة تنتمي كلها إلى عالم الخيال الذي تصنعه قوة المخيلة. والسؤال الأساسي الذي كان أرسطو يروم الجواب عليه هو: كيف يمكن تذكر ما ليس حاضرا حين يكون الحاضر الوحيد هو ما عرض للنفس من تحول ويكون الموضوع غائبا ؟ يقول أرسطو في جوابه على هذا السؤال:

"من البديهي الاعتقاد بأن الانطباع الذي ينشأ عن الإحساس في النفس وفي ذلك الجزء من الجسد الذي يدرك الإحساس أشبه ما يكون بنوع من الرسم، وبأن إدراك ذلك الانطباع هو الذي يمثل بالضبط ما يسمى بالذاكرة. إن الحركة التي تحدث حينئذ تطبع في النفس صورا حسية شبيهة بالخاتم المطبوع على قطعة من الشمع"[1]

 ثم تساءل بعد ذلك ما إذا كنا لا نتذكر غير الصور الحسية المطبوعة في النفس، أم أننا نتذكر الموضوعات الخارجية التي خلفت تلك الانطباعات في النفس. فإذا كان الانطباع الحسي وحده هو ما يمكن للذاكرة أن تسترجعه، فلن يكون باستطاعتنا أن نتذكر الموضوع الغائب. أما إذا كان بوسع الذاكرة أن تسترجع ذلك الموضوع، فكيف يمكن الانتقال من الانطباع الذي نحس به إلى الموضوع الغائب الذي لا نحس به ؟ وبعبارة أخرى: إذا سلما بوجود ما يشبه الطابع المرسوم في النفس، وكنا لا نحس إلا بوجود ذلك الطابع المرسوم بداخلنا، فيكيف يحصل أن نتذكر، مع ذلك، شيئا آخر هو الموضوع الغائب الذي لم يعد في متناول الحواس ؟

للإجابة على هذا السؤال، انطلق أرسطو من إجراء مقارنة بين الصورة المرسومة على لوحة والانطباع الحسي أو الصورة الحسية المرسومة في النفس. فالحيوان المرسوم على لوحة يمثل الحيوان ونسخة الحيوان في نفس الوقت؛ إن الرسم هو هو نفسه، إنه شيء واحد، ومع ذلك فإنه يمثل شيئين مختلفين: الكائن ونسخته. من البديهي أن كينونة النسخة تختلف اختلافا جوهريا عن كينونة الكائن. ومع ذلك، يمكن أن نتمثل الرسم على أنه حيوان أو على أنه نسخة الحيوان. ينطبق هذا أيضا على الصور الحسية المطبوعة في النفس. وهكذا، فعندما نتأمل الصورة الحسية، تبدو كما لو كانت شيئا قائما بذاته، مع أنها صورة لشيء آخر، أو صورة تحيل على موضوع خارجي. فإذا نظرنا إلى الصور الحسية كما هي في ذاتها، بدت على أنها تمثلات ذهنية، أو صور خالصة، وإذا نظرنا إليها في علاقتها بالموضوعات الخارجية، بدت على أنها نسخ أو ذكريات. 

ومن ثمة، كان بإمكان الذات المفكرة أن تنظر إلى ما تختزنه الذاكرة من صور إما بوصفها كيانات قائمة بذاتها أو بوصفها نسخا لكيانات أخرى غيرها. ونظرا لإمكانية التعامل مع تلك الصور بهذه الطريقة أو تلك، فقد يحدث أن يخلط الفرد بين الصور الحسية التي تشكلت في الزمن الحاضر وبين الذكريات: فقد يجد بعض الأشخاص صعوبة في التمييز بين الانطباعات الحسية الراهنة - التي تشكلت في الزمن الحاضر- وبين الصور المسترجعة التي تشكلت في الماضي؛ وقد يحصل العكس، فيأخذ المرء صور الماضي (الذكريات) على أنها انطباعات حسية آنية. وهذا ما يحصل لمن يوجد في ما يشبه حالة الوجد أو الجنون، فينظر إلى صور الخيال على أنها وقائع حقيقية، وكذلك قد ينظر إلى ما ليس بنسخة على أنه نسخة حقيقية.

ولكي لا تشتبه علينا الأمور، اقترح أرسطو القيام بتمارين لدعم نشاط الذاكرة وزيادة الوعي بالقواعد المتحكمة في كيفية اشتغالها وفي مقدمتها القاعدة التي مفادها أن التمثلات الذهنية ليست كيانات قائمة بذاتها، بل هي نسخ لموضوعات خارجية. ومن هنا خلص أرسطو إلى تعريف الذاكرة بقوله:

"وباختصار، يمكن أن نعرف الذاكرة، إذن، على أنها إدراك للصورة التي خلفها الموضوع في النفس بوصفها نسخة للموضوع الذي تمثل صورته؛ وأما المبدأ الذي يستند عليه هذا الإدراك فهو مبدأ الحس ذاته الذي يمدنا بمفهوم الزمن"[2]

إن الذاكرة هي إدراك الصور الحسية التي تشكلت في الماضي. فلا وجود للذاكرة ما لم توجد ملكة الحس التي ينشأ عنها مفهوم الزمن، ولا يتحقق فعل التذكر إلا من خلال الوعي بالزمن. ومعنى ذلك أن الذاكرة، في نظر أرسطو، لا توجد إلا عند الحيوان الذي يدرك الزمن. وكما أن الذاكرة تحتاج في اشتغالها لمفهوم الزمن، كذلك يرتبط التفكير عند أرسطو بهذا المفهوم. لا يتحقق فعل التفكير إلا من خلال الاشتغال على مضمون محدد استنادا إلى مفهوم الزمن. يشترط التفكير في نظرية أرسطو توفر مفهوم المضمون ومفهوم الزمن. ولما كان مفهوم الزمن صادرا عن ملكة الحس، وكان التفكير محتاجا لمفهوم الزمن، لزم أن ينطلق التفكير من المعطى الحسي الذي يمثل المضمون الواقعي للفكر. ومن هنا تتبين لنا الطبيعة الأمبريقية للمذهب الأرسطي: إن للمعرفة النظرية، من وجهة النظر الأرسطية، أساس إمبريقي، وهو المعطى الذي توفره ملكة الحس. ولما كان للذاكرة والتفكير أساس مشترك، وهو مبدأ الحس، وكانت الذاكرة هي إدراك الصور الحسية، فإن تذكر الأفكار يحتاج بدوره إلى استحضار الصور الحسية. إن تذكر العناصر النظرية المجردة يمر عبر تذكر أساسها الأمبريقي المتمثل في الانطباعات أو الصور الحسية. لأن الذاكرة لا تدرك، من حيث المبدأ، إلا الصور الحسية وحدها؛ وهذا ما يفسر وجودها عند كل من الحيوان والإنسان في نظر أرسطو. إلا أنها لا توجد لدى جميع أصناف الحيوانات دون استثناء، بل يقتصر وجودها على الأنواع التي تدرك منها الزمن. ولو كانت الذاكرة آلية من آليات البعد العقلي للنفس لتعذر وجودها لدى الحيوان.

تساءل أرسطو عن الجزء الذي تحتله الذاكرة من النفس، وبدا له أنها تحتل نفس الموقع الذي تصدر عنه المخيلة، بدليل أن موضوعات الذاكرة (الصور الحسية) هي العناصر نفسها التي تشتمل عليها المخيلة.

وإذا كان الإنسان يشترك في الذاكرة مع الحيوانات التي تدرك الزمن، فإنه يتميز عنها بالقدرة على التذكر. ويرجع السبب في اختصاص الإنسان بالتذكر إلى كونه الكائن الطبيعي الوحيد الذي يمتلك الإرادة والقدرة على الاستدلال العقلي؛ هذا مع العلم أن التذكر نفسه هو في نظر أرسطو، ضرب من ضروب الاستدلال. لأن استرجاع الوقائع البعيدة يفترض وجود نوع من الترابط المنطقي بين الذكريات؛ وبفضل هذا الترابط تستدعي الذكرى القريبة أو المسترجعة الذكرى التي سبقتها، وهكذا دواليك إلى أن يصل الشخص إلى أبعد الذكريات. ولا يمكن القيام بهذه العملية إلا إذا توفرت الإرادة. والنتيجة هي أن الاستدلال يحتاج إلى الإرادة والقدرة على بذل المجهود في البحث والتقصي. يقول أرسطو:

"ولا يمكن أن يقوم بهذا المجهود إلا الحيوان الذي حبته الطبيعة بقوة الإرادة، وهذه الإرادة بدورها هي نوع من الاستدلال والقياس"[3]

ويفترض أرسطو وجود علاقة بين القدرة على التذكر والبعد الفيزيولوجي للإنسان. إن التذكر في نظره هو بحث تقوم به النفس العاقلة في الصور التي تنتجها الأعضاء الحسية. وأما دليله على ذلك فهو أن الشخص الذي يعجز عن تذكر بعض الأشياء كثيرا ما يصاب بنوع من الاضطراب: تستحوذ عليه الرغبة في التذكر، ويبذل قصارى الجهد في البحث دون أن يصل إلى أية نتيجة. بحيث يمكن القول إن شدة الرغبة في التذكر لدى بعض الأفراد تولد لديهم العجز عن التذكر. وهذه سمة من السمات التي تميز الأشخاص الذين يعانون من القلق.

وبناء على ما سبق يمكن اعتبار أرسطو المؤسس الأول للمذهب الترابطي في علم النفس. ويرجع له الفضل في الكشف عن القوانين الأساسية للترابط وهي: التجاور في الزمان أو المكان، والتشابه بين الأحداث والتناقش بينها. فالوقائع المتجاورة يستدعي بعضها بعضا، والشبيه يذكرنا بشبيهه، والنقيض بنقيضه. وهذه المبادئ نفسها هي التي تقوم عليها المدرسة الترابطية الحديثة في مجال علم النفس.



[1] ARISTOTE. Opuscule. Traité de la mémoire et de la réminiscence. Traduction française :  

   Barthélémy Saint-Hilaire. http://remacle.org/bloodwolf/philosophes/Aristote/memoire.htm

[2]  نفس المصدر السابق

[3]  نفس المصدر السابق

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Dimanche 29 mai 2011 7 29 /05 /Mai /2011 20:22

الليبيرالية السياسية ومبادئها الأخلاقية

مدخل إلى فلسفة جون راولز

أحمد أغبال

في عام 1958 نشر جون راولز مقالة مطولة بـ"المجلة الفلسفية" تحت عنوان: "العدالة كإنصاف" رسم فيها الخطوط العريضة لمشروعه الفكري الذي أخذ صورته الكاملة وغير النهائية في كتابه "نظرية العدالة"[1] الصادر عام 1971 والذي أعاد نشره بعد مراجعته عام 1975. نقرأ في مستهل المقالة السابقة الذكر ما يلي:

"يبدو للوهلة الأولى أن مفهومي العدالة والإنصاف يدلان على نفس الشيء، وأنه ليس هناك ما يدعو إلى التمييز بينهما. أعتقد أن هذا التصور خاطئ. أريد أن أبين في هذه المقالة بأن الفكرة الأساسية التي ينطوي عليها مفهوم العدالة هي الإنصاف؛ وأود أن أقدم تحليلا لمفهوم العدالة من وجهة النظر هذه. ولبيان موطن القوة في هذا المطلب والتحليل الذي يرتكز عليه، سأحاول البرهنة على أن هذا الجانب من العدالة هو ما لم تستطع النزعة النفعية في شكلها الكلاسيكي بيانه، وهو، في المقابل، ما تعبر عنه فكرة العقد الاجتماعي حتى وإن كان ذالك بطريقة مضللة"([2])

تلخص هذه الفقرة مشروع راولز الفلسفي وتصوره لأسس العدالة ومبادئها، وتبين مدى تميزه عن مذاهب الفلاسفة السابقين من رواد المذهب النفعي من أمثال دافيد هيوم وجون ستوارت مل وجرمي بنتام، ورواد نظرية العقد الاجتماعي من أمثال روسو وهوبز وجون لوك وكانط. يرتكز تصور راولز للعدالة على مجموعة من المصادرات الأساسية التي اهتدى إليها بضرب من الحدس العقلي باعتبارها بديهية بذاتها لا تقبل البرهان ولا يمكن البرهنة عليها. وقبل أن نستعرض تصوره للعدالة نرى من الضروري التعريف بمنهجيته وطريقته المتميزة في بناء نظريته.

1.    منهجية راولز وفرضية الوضعية الأصلية

يصنف جون راولز نفسه ضمن المذهب الليبرالي الذي سعى منذ بداية نشأته إلى توفير إطار نظري لحقوق الإنسان، ولكنه أراد أن يجد لنفسه موقعا خاصا داخل هذا المذهب يميزه عن غيره من المفكرين الذين ينضوون تحت لوائه؛ فاختار طريقة في التفكير جعلته ينظر إلى قضايا العدالة وحقوق الإنسان من موقع يقع خارج الأطر والمرجعيات الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة الليبرالية وغيرها من المذاهب الفلسفية الأخرى تنطلق في تحديدها لما ينبغي أن يكون عليه النظام الاجتماعي والسياسي من تصور معين للعالم وللطبيعة الإنسانية، فإن راولز ألقى بمصادراتها الفلسفية جانبا، وراح يبحث عن مصادرات بديلة انطلاقا من أرضية سياسية.

وهكذا، فإذا كانت الفلسفة الليبرالية قد لجأت إلى المقاربة الميتافيزيقية في تناولها لموضوعاتها، وانطلقت من تصور معين للطبيعة الإنسانية، ثم استنبطت منه جملة من المبادئ والقيم والمثل العليا التي ينبغي الالتزام بها لتحقيق السعادة في هذا العالم والخلاص في العالم الأخروي، فإن راولز اختار مقاربة سياسية تقوم على ما يسميه مبدأ تعليق الشرط الإبستملوجي. يقضي هذا المبدأ بضرورة اتخاذ موقف الحياد إزاء القضايا المتعلقة بالطبيعة الإنسانية، والإمساك عن ادعاء الحقيقة فيما يتعلق بأسس النظام الديمقراطي ومبادئ العدالة. وعلى هذا أصبحت الفلسفة السياسية عنده تسعى إلى بيان طبيعة النظم الاجتماعية الحديثة بغض النظر عما إذا كانت المبادئ التي تقوم عليها منسجمة مع معايير الحقيقة الفلسفية أو الميتافيزيقية. ومعنى ذلك أن نظرية الليبرالية السياسية كما يتصورها راولز لا تنطلق من أي تصور فلسفي لحقيقة الواقع والطبيعة الإنسانية، ولا تحتاج بالتالي إلى أي مبرر إبستملوجي لدعم المصادرات الأساسية التي يتأسس عليها النظام الديمقراطي العادل. وذهب راولز في تصوره لليبرالية السياسية إلى حد إقامة نوع من التفرقة بين النظرية السياسية وفلسفة الأخلاق، وهو ما عبر عنه بقوله: "إن القضايا المتعلقة بالعدالة الأساسية يمكن دعمها إلى أقصى حد ممكن استنادا إلى القيم السياسية وحدها"[3]؛ وهذا ما يميز موقفه من الأنظمة الليبرالية عن باقي المواقف التي تندرج ضمن الفلسفة الليبرالية.

تنطلق المقاربة السياسية لراولز من الاعتراف بواقع الثقافة الديمقراطية وصلاحيتها بوصفها القاسم المشترك بين مختلف مكونات المجتمعات الغربية الحديثة. وأما ما يميز البلدان الغربية، في نظره، فهو الإجماع الحاصل بين جميع المواطنين حول المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الثقافة السياسية السائدة؛ ومع الإقرار بواقع هذه الثقافة، يحاول كل مواطن أن يجد لمبادئها مبررات في المذهب الذي يعتنقه كلما دعت الضرورة إلى ذلك. إن الليبرالية السياسية ، كما يتصورها راولز، لا تنطلق من الحقائق الأخلاقية العامة، بل من معطيات الثقافة المشتركة، طالما ظلت هذه الثقافة بميزاتها الإيجابية قابلة للتطور باستمرار؛ وكذلك فإن هذه الليبرالية لا تدعي لنفسها امتلاك الحقيقة فيما يتعلق بموضوع العدالة، كما أنها لا تحتكم إلى أية نظرية فلسفية بعينها للتحقق من صحة المبادئ التي صدرت عنها ثقافة المجتمع، وإنما تترك أمر ذلك كله للمواطنين الذين يتعين عليهم أن يقرروا كل على انفراد كيفية ارتباط القيم السياسية بقيم مذاهبهم العامة. يقول راولز بهذا الصدد:

"يرجع الأصل في هذا الموقف إلى الأفكار الأساسية التي تقوم عليها الثقافة السياسية العمومية، وإلى مبادئ وتصورات العقل العملي الذي يشترك فيه المواطنون. ولذلك [...] يتوقع أن يكون المواطنون قادرين على قبول مبادئه وتصوراته إلى جانب مذاهبهم الشاملة المعقولة. حينئذ يمكن للتصور السياسي للعدالة أن يصبح محل إجماع"([4]) 

هنا يكمن المضمون الحقيقي لمفهوم الليبرالية السياسية كما يتصورها راولز. يدل هذا المفهوم على الميل المتزايد إلى تحرير القيم السياسية من التبعية للمذاهب والتيارات الفلسفية دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء التعددية المذهبية، بل يترك لكل مذهب حرية "تحديد كيفية ارتباط فكرته عن المعقول بتصوره للحقيقة"([5]) ومما يترتب عن استعمال مفهوم الليبرالية السياسية على المستوى المنهجي، أن الباحث يكون ملزما بمراعاة مبدأ تعليق الشرط الإبستملوجي في الدراسات السياسية حتى لا ينزلق إلى براثن النزعة الدوغمائية الوثوقية، والنظرة الشمولية، والصراعات العقائدية. وفيما يتعلق بالممارسة السياسية، فإن قبول التصور السياسي البنائي كبديل للتصور البنائي الميتافيزيقي هو الكفيل بتحقيق المثل الأعلى للمواطنة الديمقراطية الذي ينحل فيه الخلاف المذهبي وفقا لمبادئ العقل العمومي، وبذلك يضمن للمجتمع  نوعا من التوازن والاستقرار.

ويعتبر مفهوم "الإجماع بالتقاطع"، وهو الإجماع الناتج عن التقاطعات بين مختلف "المذاهب المعقولة"، أحد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها نظرية الليبرالية السياسية. يعكس هذا المفهوم واقع الثقافة السياسية المشتركة بين أفراد المجتمع على اختلاف توجهاتهم المذهبية والفكرية؛ وتكمن أهميته في قدرته على الاستجابة لمطلب التعددية ومطلب الاستقرار. وتهدف الليبرالية السياسية من خلال تحقيق هذا النوع من الإجماع إلى بيان وترسيخ المبادئ والقيم الأساسية الكامنة خلف نظرة المجتمع الديمقراطي إلى العدالة، هذا مع العلم بأن القيم والمبادئ المشار إليها لا توجد خارج حقل الثقافة السياسية المشتركة. يقول راولز بهذا الصدد:

"سنبدأ، إذن، بإلقاء نظرة على الثقافة العمومية نفسها باعتبارها المخزون المشترك الذي يتضمن الأفكار والمبادئ الأساسية المعترف بها ضمنيا. ونأمل في صياغة هذه الأفكار والمبادئ بشكل واضح بحيث يمكن التأليف بينها في إطار تصور سياسي للعدالة يتناسب مع معتقداتنا الأكثر رسوخا"([6])  

إن الاعتراف الضمني بمبادئ الثقافة السياسية المشتركة هو ما يجعل الليبرالية السياسية ممكنة، ويسمح بانتشار مشاعر الثقة بين الأفراد والمؤسسات؛ ومن هنا جاء مفهوم "الثقة المعقولة"  الذي يعتبر أحد المفاهيم الأساسية في الجهاز الإبستملوجي الذي تقوم عليه المقاربة السياسية لراولز. ولقد جاء هذا المفهوم في نظرية العدالة كإنصاف كبديل لمفهوم "الحقيقة". وما يبرر هذا التوجه ثلاثة أمور: أولها أن نظرية العدالة كإنصاف تطرح نفسها بوصفها  التعبير الصحيح والمناسب عن قيم الثقافة السياسية المشتركة؛ وثانيها أنه بإمكان كل مذهب من المذاهب الشاملة المعقولة أن يجد لنفسه سندا أو مبررا في هذه الثقافة؛ وثالثها أن مفهوم "الحقيقة" لا يتناسب مع مبدأ التعددية، ولا يصلح كمعيار للحكم على المواقف الأخلاقية والسياسية.

ولهذه الاعتبارات كلها كان لابد من استبدال مفهوم "الحقيقة" بمفهوم "الثقة المعقولة". وأما ما يبرر هذا التوجه فهو الاعتقاد بأن مفهوم "الثقة المعقولة" يؤدي في مجال الأخلاق والسياسة نفس الوظيفة التي يؤديها مفهوم الحقيقة في المجال المعرفي. ويعتبر مفهوم "الثقة المعقولة" في التقاليد الفلسفية التي ترجع أصولها إلى كانط الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها الأفكار والمقولات الأخلاقية؛ وهذا بالضبط هو ما يؤهله لأداء وظيفته على المستوى السياسي مثلما يؤدي مفهوم "الحقيقة" وظيفته على المستوى المعرفي. ومن وظائفه الأساسية التقريب بين المذاهب المعقولة المتنافسة، وضمان إمكانية التوافق بينها، ومن ثمة إمكانية تنظيم المجتمع بشكل جيد ومعقول. وهكذا، فإن الاعتراف الضمني بمبادئ الثقافة السياسية المشتركة يستدعي الثقة في المؤسسات الأساسية من جهة، والتحفظ في ادعاء الحقيقة من جهة أخرى، وبذلك يفسح المجال لليبرالية السياسية، ويتيح الفرصة لقيام إجماع بالتقاطع.

وأما ما يجعل التوافق بين مختلف المذاهب ممكنا رغم اختلاف تصوراتها للحقيقة فهو اعترافها بوجود ثقافة سياسية مشتركة؛ وهذا الاعتراف هو الذي يضفي صفة المعقولية على المذاهب المتنافسة وعلى مواقفها المتضاربة. وبحكم مرجعيتها الثقافية المشتركة تصبح الثقة بين المذاهب المتنافسة أمرا ممكنا ومعقولا.   

ولكن، ما هو المضمون الدلالي لمفهوم الثقة المعقولة ؟ يدل هذا المفهوم، في المقام الأول، على الإيمان بإمكانية قيام الليبرالية السياسية التي تضمن إمكانية قيام نظام دستوري عادل. وتعتبر الثقة المعقولة في فلسفة راولز الشرط الضروري الذي لا غنى عنه لتحقيق الليبرالية السياسية التي تتيح الفرصة للتعاقد والإجماع بالتقاطع بين المذاهب المتنافسة في المجتمعات ذات التقاليد الديمقراطية التي يحكمها مبدأ التعددية المعقولة. تمثل الثقة المعقولة من وجهة النظر هذه حجر الزاوية في الليبرالية السياسية، وتعبر- على المستوى العملي- عن الرغبة في التوفيق بين المذاهب المتنافسة التي يدعي كل واحد منها امتلاك نوع من الحقيقة، والتأليف بينها في إطار ما يسميه راولز بـ"المجتمع المنظم بشكل جيد".

ويعتبر مفهوم "المجتمع المنظم بشكل جيد" أحد المفاهيم الأساسية في النظرية السياسية لراولز. يدل هذا المفهوم على النظام الاجتماعي المنظم وفقا للتصور السياسي للعدالة، وهو النظام الذي تحكمه مؤسسات تخضع في سيرها لقواعد يعترف بها جميع المواطنين ويعملون بها في الحقل العمومي. ولا يتحقق هذا النظام في صورته المثلى إلا إذا توافرت الشروط التالية:

ضرورة أن يقبل كل فرد تصورا معينا للعدالة ومبادئها، وأن يكون على علم بأن الأفراد الآخرين يقبلونها مثلما يقبلها هو؛

ضرورة أن تستجيب بنية المجتمع الأساسية أو المؤسسات الأساسية التي يتألف منها النظام الاجتماعي لهذه المبادئ، وأن يكون هناك ما يبرر بشكل معقول اعتقاد الناس بأن هذه المؤسسات تحقق لهم العدالة بالفعل؛

ضرورة أن يكون التصور العمومي للعدالة مبنيا على أساس الاعتقاد المعقول بأنه تصور منبثق عن مناهج البحث المعترف بها؛

ضرورة أن ينظر الأفراد إلى أنفسهم على أنهم متساوون في الحرية ولهم نفس الشخصية الأخلاقية التي تبعث فيهم الإحساس بالعدالة في بعدها السياسي بالخصوص؛

ضرورة أن يكون للأفراد تصور للخير، يجعلون منه هدفهم الأساسي، ويتيح لهم إمكانية المطالبة بحقوقهم المشروعة في إطار مؤسساتهم؛

ضرورة أن يكون لهم الحق، وأن ينظروا إلى أنفسهم على أن لهم الحق، في نيل ما يستحقونه من الاحترام والتقدير من خلال تمكينهم من المساهمة في تحديد المبادئ التي تنظم البنية الأساسية للمجتمع؛

ضرورة أن تشتغل المؤسسات الأساسية بطريقة تولد الإحساس بالعدالة في نفوس الناس من أجل إرساء دعائم الاستقرار في المجتمع.

وخلاصة القول: إن المجتمع المنظم بشكل جيد هو ذلك النظام الاجتماعي الذي بلغ درجة كافية من الاكتفاء الذاتي؛ وهو المجتمع الذي تتوافر فيه شروط التعاون المنصف بين المواطنين المعقولين والعقلانيين الذين يعتبرون أنفسهم أحرارا متساوين، لهم تصور مشترك للعدالة، ويعترفون جميعا بمبادئها الأساسية، ويعلم كل واحد منهم بأن الآخرين يعترفون مثله بتلك المبادئ.   

ولتحديد مبادئ العدالة التي يجب أن تخضع لها أنشطة المؤسسات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المنظم بشكل جيد، اعتمد راولز على مقاربة بنائية متميزة تنطلق من الربط بين تصور معين للشخص وبين المبادئ الأولية للعدالة. ففيما يتعلق بمفهوم الشخص، اعتمد راولز في بنائه على مبدأ الأمر المطلق الذي وجده عند كانط، ونظر إلى هذا المبدأ بوصفه أحد المكونات الأساسية التي تندرج في تكوين فكرة الشخص. ويدل مفهوم الشخص عنده على كل كائن يتمتع بحرية الإرادة والاختيار، ويتمتع بالقدرة على التصرف بطريقة عقلانية ومعقولة في نفس الوقت؛ ويعتبر جميع الأشخاص متساوين بالنظر إلى هذه الصفات. إن وجود الشخص بهذا المعنى هو ما يجعل الأخلاق ممكنة، لأن المبادئ الأخلاقية لا تفرض على الناس قهرا؛ ولا يمكن الحديث عن الأخلاق ما لم تتح لجميع الأفراد حرية اختيار بعض المبادئ بطريقة عقلانية ليصنعوا منها القانون الأخلاقي الذي ينظم علاقاتهم ومعاملاتهم في إطار الجماعة التي ينتمون إليها والتي يمكن وصفها بالتالي بأنها جماعة أخلاقية.

يتبين في ضوء هذا التحليل أن مبادئ الأخلاق والعدالة هي قبل كل شيء نتاج الاختيارات العقلانية والقرارات التي يتخذها أشخاص يتمتعون بحرية الإرادة والاستقلال من أجل تنظيم علاقات بعضهم ببعض. ومعنى ذلك أن مبادئ الأخلاق والعدالة لا توجد في استقلال عن تصورنا للشخص، وأن نظامها يقوم بالأساس على مبدأ الاستقلال الشخصي الذي يتحكم في ذلك التصور؛ ويفهم من ذلك أيضا أن مبادئ العدالة ليست من جملة الأشياء التي توجد هناك في العالم الخارجي، ولا يمكن بالتالي اكتشافها مثلما تكتشف الكواكب في الفضاء، بل هي عبارة عن أبنية عقلية يشيدها أشخاص عقلانيون يتمتعون بحرية الإرادة والاستقلال.

لا يمكن القول، إذن، بوجود منظومات أخلاقية قائمة بذاتها في استقلال عن الملكات الذاتية للإنسان، لأن كل ادعاء من هذا القبيل يتنافى مع مبادئ الاستقلال وحرية الإرادة والاختيار. فإذا كان لابد من الاعتراف بوجود منظومات أخلاقية، فإن هذه المنظومات لا توجد في استقلال عن تصوراتنا لما ينبغي أن يكون عليه الواقع الإنساني، إنها عبارة عن أبنية ذات صلة وثيقة بالخصائص الجوهرية للأشخاص الذين يشيدونها. هذه هي الفكرة الأساسية التي تنطوي عليها المقاربة البنائية لراولز، والتي يمكن اعتبارها أيضا منهجية للتعاقد. تنطلق هذه المقاربة في سعيها لاستنباط مبادئ العدالة والتعاون من فرضية "الوضعية الأصلية" التي تشبه إلى حد ما فرضية "حالة الطبيعة" التي نجدها عند كل من روسو وهوبز وجون لوك. وقد استعملت فرضية حالة الطبيعة في مجال الأنثربولوجيا السياسية بصفة خاصة لتشكيل فكرة عن الطبيعة الإنسانية، ومعرفة كيف كانت قبل ظهور المجتمع المنظم وتأسيس الدولة بمؤسساتها وقوانينها؛ وتكمن أهمية هذه الفرضية من الناحية المنهجية في أنها تساعد على تلمس الأسباب التي دفعت الناس إلى تشييد مجتمعات منظمة، ومعرفة المبادئ التي اختاروها في المرحلة قبل-السياسية لتنظيم علاقاتهم في إطار الدولة التي سيؤسسونها.

2.    فرضية الوضعية الأصلية

إن الوضعية الأصلية كما يتصورها راولز هي وضعية مفترضة تضم مجموعة من الأفراد اجتمعوا للتداول في مشروع بناء مجتمع عادل؛ ويهدف برنامج العمل الذي اجتمعوا عليه إلى صياغة تصور للعدالة كإنصاف يقوم على مجموعة من المبادئ التي يجب أن تخضع لها البنيات الأساسية للمجتمع. وأما الطريقة المثلى التي تفرض نفسها على المفكرين في هذه الحالة فهي الطريقة البنائية، ذلك لأن المجتمع لا يتوفر على تصور مكتمل للعدالة، ولا على أي تصور للخير متفق عليه؛ هذا بالإضافة إلى أن مبادئ العدالة لا توجد في الواقع كموضوع مفارق من الموضوعات التي يبحث فيها العقل النظري، ولا يتطلب الأمر بالتالي معرفتها مثلما تعرف الموضوعات الخارجية؛ إن ما ينبغي القيام به في الوضعية الأصلية هو صياغة تلك المبادئ صياغة عقلية في ضوء فكرة العدالة كإنصاف باعتبارها مقولة من المقولات المتأصلة في العقل العملي. ولما كانت مبادئ العدالة تقع خارج دائرة اهتمام العقل النظري، فإنها لا تحتاج في قبولها إلى برهان يستند على معايير الحقيقة بالمعنى الفلسفي أو الميتافيزيقي، ما دامت تستمد قيمتها من ذاتها بوصفها جزءا من العقل العملي. وأما وظيفة هذا العقل فهي على حد تعبير راولز "إنتاج موضوعات مطابقة لتصورنا لتلك الموضوعات، كتصورنا مثلا للنظام الدستوري العادل  الذي يُطرح بوصفه هدفا للنشاط السياسي"([7]). وهذا هو ما يميز العقل العملي عن العقل النظري الذي يسعى إلى معرفة الموضوعات المعطاة في الواقع.

وتشتغل المقاربة البنائية السياسية وفقا لتصور معين للعلاقة بين العقل العملي والتصور السياسي الديمقراطي للشخص والمجتمع وللدور الذي تلعبه مبادئ العدالة في الفضاء العمومي. وتستمد هذه المقاربة تصورها للشخص من ثقافة المجتمع الديمقراطي الليبرالي؛ فهو إذن تصور سياسي ، يتحدد فيه مفهوم الشخص بوصفه المواطن الذي يعيش في كنف النظام الديمقراطي الليبرالي. ولما كانت فكرة الشخص بهذا المعنى مبثوثة في الثقافة الديمقراطية الليبرالية في شكل مصادرة ضمنية أساسية، فإن دور المقاربة البنائية ينحصر في الإفصاح عنها وبلورتها في ضوء مقتضيات العقل العملي؛ ومن هنا اكتسب مفهوم الشخص دلالة سياسية وأخلاقية في فلسفة راولز، حيث أصبح يشير إلى الفرد المؤهل لأن يكون مواطنا، أي عضوا اجتماعيا يسعى باستمرار إلى التعاون بشكل كلي ومستمر مع المواطنين الآخرين.

تنظر الثقافة الديمقراطية الليبرالية إلى الشخص بوصفه مواطنا حرا يتساوى مع الأشخاص الآخرين في مقومات المواطنة بالمعنى المتعارف عليه في ظل الثقافة الديمقراطية الليبرالية. وما يجعل من الحرية والمساواة أمرا من الأمور الممكنة هو الاعتقاد بأن كل شخص ينطوي في ذاته على قوتين أساسيتين من القوى الأخلاقية المتوحدة مع العقل، وهما: القدرة على الإحساس بالعدالة من جهة، والقدرة على تشكيل تصور للخير والسعي إلى تحقيقه، من جهة أخرى. إن القدرة على الإحساس بالعدالة والقدرة على تشكيل تصور للخير هو ما يجعل الشخص حرا؛ وبفضل هذه الحرية التي يشترك فيها جميع المواطنين أمكن لكل شخص أن ينظر إلى نفسه على أنه مساو لأي شخص آخر وأن يطالب بحقوقه. ولكن فكرة المساواة لا تكتسب مضمونها الاجتماعي الفعلي إلا إذا بلغت القوى الأخلاقية المشار إليها درجة من النمو تسمح بظهور وتقوية روح التعاون بين المواطنين على خلفية الإجماع التوافقي بين المذاهب المتنافسة التي تختلف تصوراتها للحقيقة والخير.

ومن هذا المنطلق يتعين على الأشخاص، باعتبارهم مواطنين متساوين في الحرية والحقوق، أن يختاروا في الوضعية الأصلية المفترضة مبادئ العدالة التي يجب أن تتأسس عليها البنيات الأساسية للمجتمع وأن تنظم العلاقات بين المواطنين في المجتمع الديمقراطي الليبرالي. ينبغي، إذن، من حيث المبدأ، أن يقبل الأشخاص العقلانيون، الذين يرغبون في ضمان تحقيق مصالحهم، مبادئ العدالة في الوضعية الأصلية التي هي وضعية مساواة، وأن يعملوا على تطبيقها في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية؛ هذا ما يجعل من فرضية الوضعية الأصلية وسيلة منهجية لحل المشكلات الأساسية التي تواجه المجتمعات البشرية، كمشكلة التعايش الاجتماعي والاستقرار. ويعتبر قبول الناس لمبادئ العدالة الحل العقلاني الناجع لهذه المشكلات؛ يقول راولز بهذا الخصوص:

"بالنظر إلى ظروف مختلف الأطراف، ومعرفتهم، ومعتقداتهم، ومصالحهم، فإن قبول هذه المبادئ هو أحسن طريقة لضمان تحقيق أهداف كل شخص مقارنة بالبدائل المتاحة"([8])

وينبغي تطبيق هذه المبادئ في مجالين أساسيين من مجالات الحياة الاجتماعية وهما: المجال السياسي والحقوقي، والمجال الاجتماعي- الاقتصادي، فمن جهة "يجب أن تتحكم في عملية تخويل الحقوق وفرض الواجبات"، ويجب من جهة أخرى أن "تنظم عملية توزيع العوائد والفوائد الاجتماعية والاقتصادية"([9]). وحدد راولز للمجتمعين في الوضعية الأصلية شروطا، أولها أن يكون كل شخص منهم عقلانيا يسعى إلى ما فيه خير أولئك الذين يمثلهم، وذلك بأن يوفر لهم الوسائل التي تمكنهم من تشكيل تصوراتهم الخاصة للخير وتحقيقه؛ وتقتضي العقلانية الاعتراف بأن لكل شخص مصالحه الخاصة، وبأن له الحق في مراجعة تصوره للخير في ضوء المذهب الذي يعتنقه باعتباره شخصا يتمتع بحرية الإرادة والاختيار؛ ويشترط في المتعاقدين أيضا ألا يكونوا على بينة من أحوال الفاعلين الاجتماعيين الذين يمثلونهم، وألا يكونوا على علم بطبيعة مؤسساتهم الاجتماعية؛ إن المعرفة بهذه الأمور محظورة في الوضعية الأصلية. ومن هنا جاء مفهوم "ستار الجهل"، وهو الشرط الثاني الذي يجب أن تستوفيه الوضعية الأصلية، ومعناه أن يقف المجتمعون فيها خلف حجاب يحول دون معرفة كل ما له علاقة بخصائص الأفراد الذين يمثلونهم كالسن والجنس وانتماءاتهم الطبقية والمهنية والدينية والمذهبية والعرقية، وتصوراتهم للخير، وما إلى ذلك. إن هذا الجهل المنهجي هو ما يجعل من الوضعية الأصلية وضعية مساواة شبيهة بحالة الطبيعة التي تمثل الإطار المرجعي الافتراضي بالنسبة لنظريات العقد الاجتماعي الكلاسيكية، يقول راولز:

"إن وضعية المساواة الأصلية تضاهي حالة الطبيعة في نظرية العقد الاجتماعي التقليدية. وليس يُنظر بطبيعة الحال إلى هذه الوضعية الأصلية على أنها واقعة تاريخية فعلية أو شرط أولي لقيام الثقافة. ينبغي أن تُفهم بوصفها وضعية افتراضية خالصة حُدِّدَتْ خصائصها بطريقة تفضي إلى تصور معين للعدالة. ومن بين أهم خصائص هذه الوضعية أن أحدا لا يعرف مكانته في المجتمع أو موقعه الطبقي ووضعيته الاجتماعية، ولا يعرف أي أحد نصيبه من التوزيع الطبيعي للقدرات والمهارات كمستوى ذكائه وقوته وما شابه ذلك؛ بل إنني سأذهب إلى حد التسليم بأن أي طرف من الأطراف المعنية لا يعرف تصوره للخير ولا نوازعه النفسية؛ وبذلك يتم اختيار مبادئ العدالة خلف ستار من الجهل. هذا ما يضمن التكافؤ بين الأفراد، بحيث لا يكون هناك من هو في وضعية مواتية أو من هو في وضعية غير مواتية لاختيار المبادئ بناء على حصيلة الحظ الطبيعي أو العوارض الاجتماعية. وبما أن الجميع يوجد في وضعية واحدة لا تسمح لأي أحد أن يضع المبادئ التي تخدم وضعيته الخاصة، فإن مبادئ العدالة ستأتي نتيجة تعاقد منصف. وهكذا، فنظرا لظروف الوضعية الأصلية، وبحكم التماثل الموجود بين علاقات كل فرد مع غيره، فإن الوضعية الأولية ستكون بالضرورة منصفة لجميع الأفراد بوصفهم أشخاصا أخلاقيين، أي كائنات عقلانية ذات أهداف خاصة، لا مانع عندي من التسليم بأنها مؤهلة للإحساس بالعدالة. يمكن القول بأن الوضعية الأصلية هي الوضع الأولي القائم والمناسب الذي يجعل الاتفاقيات الأساسية التي تبرم فيه منصفة للجميع. وهذا ما يفسر خاصية اسم "العدالة كإنصاف"، فهو يعبر عن فكرة مؤداها أن مبادئ العدالة هي تلك المبادئ التي تم الاتفاق حولها في وضعية أولية اتسمت بالإنصاف. ولا يعني الاسم [المشار إليه] أن لمفهوم العدالة ومفهوم الإنصاف معنى واحدا، مثلما أن عبارة "الشعر كمجاز" لا تعني أن للشعر والمجاز نفس الدلالة"([10]) 

لقد تشكلت الوضعية الأصلية بوصفها وضعية مساواة على خلفية الاعتراف بالتعددية المذهبية والاختلاف داخل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، ولكن قواعد اللعبة فيها وضعت بطريقة تفضي إلى تشكيل تصور للعدالة كإنصاف يكون الهدف منه هو ضمان التعاون والاستقرار في المجتمع من خلال توفير أساس فلسفي وأخلاقي لمؤسساتها يرتكز على تصور معين للحرية والمساواة. ومع ذلك، فإن مفهوم العدالة كإنصاف لم يأت كنتيجة منطقية لفرضية الوضعية الأصلية وقواعدها الشكلية فحسب، بل تبلور أيضا في ضوء بعض الأفكار المتضمنة في الثقافة السياسية الديمقراطية سواء أكانت صريحة أو مضمرة في شكل مصادرات ضمنية؛ ومن أبرز الأفكار التي وظفها راولز في بناء تصوره للعدالة كإنصاف: (1) فكرة أن المجتمع السياسي الديمقراطي هو نظام منصف يقوم على التعاون المستمر عبر الأجيال، يُنظر فيه إلى الأشخاص المتعاونين على أنهم مواطنون أحرار ومتساوون يؤمنون بالتعاون مع بعضهم البعض على مدى الحياة؛ (2) فكرة "المجتمع المنظم بطريقة جيدة"، ومعناه المجتمع المنظم وفقا لمبادئ العدالة كإنصاف.

تعتبر هذه الأفكار بمثابة المصادرات الضمنية الأساسية التي تقوم عليها الثقافة السياسية التي تكيف سلوك الفاعلين وتحدد مواقفهم واتجاهاتهم في الأنظمة الديمقراطية؛ يقول راولز في شرحه لهذه الأفكار:

"...نعتبر هذه الأفكار الحدسية الأساسية من الأفكار العادية المألوفة في الثقافة السياسية العمومية للمجتمع الديمقراطي. ومع أن هذه الأفكار لا تصاغ دائما بشكل صريح ولا تُحَدَّدُ معانيها دائما بما يكفي من الوضوح، فإنه من الممكن أن تلعب مع ذلك دورا أساسيا في الفكر السياسي للمجتمع، وفي الكيفية التي تُؤَوَّلُ بها مؤسساته في أعمال المحاكم والنصوص التاريخية أو غيرها من النصوص التي ينظر إليها على أنها مفعمة بالمعاني ذات القابلية العالية للاستمرار على المدى البعيد"([11]) 

يمكن القول في ضوء ما سبق: إن ما يحدد طبيعة المجتمع الديمقراطي هي نظرة الناس إليه، تلك النظرة التلقائية الشائعة التي تجعل منه نظام تعاون اجتماعي منصف. والدليل على ذلك في نظر راولز هو أن المواطنين لا ينظرون - وهم في خضم الجدل العمومي حول مسألة الحقوق السياسية - إلى نظامهم الاجتماعي على أنه نظام طبيعي قائم بذاته، أو على أنه نظام هرمي يخضع في تراتبيته لمنظومة القيم والمعايير الأرستقراطية، ولا يصنفونه ضمن الأنظمة التي تستمد مشروعيتها من المذاهب الدينية، بل يعتبرونه نظاما ديمقراطيا يقوم على أساس مبدأ التعاون. وليس المراد بالتعاون هنا التنسيق بين مختلف الأنشطة تنفيذا لقرارات تصدر عن سلطة عليا، بل المقصود به ثلاثة أمور وهي:

أن يتفق المتعاونون على القواعد والإجراءات التي ينبغي عليهم مراعاتها في تصرفاتهم ومعاملاتهم، وأن يعلنوا اعترافهم بها للعموم؛

أن تكون اتفاقيات التعاون منصفة، وأن يقبلها كل مشارك فيها. ويعتبر قبول الفرد لبنود الاتفاقية وشروطها أمرا معقولا عندما يقبلها الآخرون، مما يدل على أن فكرة التعاون الاجتماعي تستلزم العمل وفقا لمبدأ التبادلية ؛

ويشمل مفهوم التعاون الاجتماعي أيضا فكرة المصلحة الفردية الخاصة بوصفها مصلحة عقلانية. تدل هذه الفكرة على ما يمكن للفرد الملتزم بالتعاون أن يقدمه للآخرين انطلاقا من تصوره الخاص للخير ولما فيه مصلحته الشخصية.

وفي هذا الإطار، سيقوم المتعاقدون في الوضعية الأصلية، وهم خلف ستار من الجهل،  باختيار مبادئ العدالة السياسية التي تضمن لهم إمكانية التعاون المستمر والاستقرار في مجتمع يقوم على التعددية المذهبية والعقائدية. ولما كان الأمر يتعلق بالاختيار لا بالتفاوض، فإنه يتعين على المجتمعين في الوضعية الأصلية أن يتخذوا قراراتهم في ضوء نظرية الاختيار العقلاني أو ما يعرف أيضا بنظرية اتخاذ القرار؛ ولكن الوضعية التي سيتخذون فيها قراراتهم استثنائية بكل المقاييس: فهي وضعية يكتنفها الغموض وعدم اليقين المرتبطين بالإكراهات التي يفرضها ستار الجهل. ومن هنا يطرح السؤال: ما هو القرار العقلاني الذي يفرض نفسه على الشركاء بوصفهم أشخاصا عقلانيين ومعقولين؟ وإذا نظرنا إلى الإنسان بوصفه كائنا عقلانيا يسعى على الدوام إلى تحقيق مصلحته الخاصة، فما هي مبادئ العدالة التي يكون من المعقول أن يختارها وهو في وضعية تتميز بشح المعلومات وعدم اليقين ؟

يرى راولز بأن القرار العقلاني المناسب في وضعية عدم اليقين هو القرار الذي يُتخذ في ضوء مبدأ الماكسمين(*)، ومعناه الرفع من الحد الأدنى إلى حده الأقصى. وهذا مثال يوضح المبدأ المشار إليه، قدمه راولز نفسه في كتابه نظرية العدالة (1971, p. 156-154) لبيان منطق الربح والخسارة في وضعية خالية من الاستراتيجيات المتنافسة، حيث يكون الفرد في حاجة إلى مورد لا ينافسه عليه غيره؛ وأما التحدي الوحيد الذي يواجهه في هذه الحالة فهو الاختيار بين بدائل في وضعيات محفوفة بالمخاطر يكون احتمال الربح  والخسارة في كل واحدة منها متفاوتا. في هذه الظروف يتأثر الربح بالقرار المتخذ في علاقته بالوضعية وفقا للمعادلة التالية:

g = f(d, c)

(g) = الربح

(d) = نوعية القرار

(c) = نوعية الظروف

تدل هذه المعادلة على أن الربح  يتحدد بنوعية القرار ونوعية الظروف. فإذا كان عليه أن يختار بين ثلاث قرارات في ثلاث وضعيات نحصل على الجدول التالي الذي يمثل منطق الربح والخسارة، وتدل فيه الأرقام على آلاف الدراهم

Maximin principal

تقتضي العقلانية اختيار القرار الثالث، لأن أسوأ ما يمكن أن يحصل عليه في هذه الحالة هو خمسة آلاف درهم، وهي نتيجة أفضل بكثير من النتائج السلبية المترتبة عن القرارين الآخرين. ولهذا فإن اختيار القرار الثالث يمكن من تحقيق الحد الأقصى من الربح في ظروف لا تسمح عادة إلا بتحقيق الحد الأدنى من الربح. تكمن أهمية مبدأ الماكسمين في كونه يوجهنا نحو البديل الذي يمثل أهون ضرر على الإطلاق.  

وعندما يتعلق الأمر باختيار المبادئ التي تنظم البنيات الأساسية للمجتمع تصبح المسألة أكثر خطورة، وخاصة عندما يقف الشخص خلف ستار من الجهل، لا يعرف إن كان فقيرا أو غنيا، ذكرا أو أنثى، أبيضا أو أسودا، مسلما أو يهوديا أو مسيحيا أو بوذيا... حينئذ يكون من باب أولى أن يختار المبادئ التي تضمن الحد الأقصى من الخيرات لمن لا تسمح لهم الظروف عادة إلا بنيل الحد الأدنى منها؛ حتى إذا وجد نفسه في النهاية فقيرا يكون المجتمع المنظم بشكل جيد قد ضمن له الحقوق الأساسية التي تمكنه من العيش الكريم في مجتمع يتميز بالاختلاف والتعددية، وتتوزع فيه المواقع تحت تأثير عوارض الزمن. ولا يتخذ مثل هذا القرار العادل إلا الشخص العقلاني والمعقول. ولعل ما يدفع الشخص الأخلاقي إلى اختيار المبادئ التنظيمية العادلة على هدى مبدأ الماكسمين، إيمانه بالمبادئ التالية التي لابد من مراعاتها خلال عملية اتخاذ القرار:   

•    اللامساواة غير مقبولة أخلاقيا، ولا يجوز السماح بها ما لم يكن هناك مبرر معقول؛  

•    لا يجوز لأحد أن يأخذ أكثر مما يستحق بدعوى أنه يحتل موقعا من المواقع التي تحكمت في توزيعها عوارض الزمن؛    

•    لا يمكن القضاء على التعددية العقائدية إلا باستعمال سلطة الدولة، وهذا يعني القضاء على الحريات المدنية. 

وخلاصة القول، إن كون المرء معقولا هو ما يجعله مؤهلا للتعامل مع الوضعيات المحفوفة بالمخاطر وعدم اليقين، ومع المفارقات الأخلاقية العويصة، ويؤهله بالتالي للتعاقد مع الآخرين. ويلعب مبدأ المعقول كذلك دورا بالغ الأهمية في بناء الحقل العمومي كما سنبين لاحقا.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن راولز كان يعتبر نظريته في الأخلاق جزءا لا يتجزأ من نظرية الاختيار العقلاني؛ وكان قد نحا هذا المنحى في كتاب "نظرية العدالة" الصادر عام 1971، إلا أنه عدل عن هذه الفكرة في مؤلفاته المتأخرة وخاصة في كتاب "العدالة كإنصاف". كان الهدف من وراء تأليف هذا الكتاب هو مراجعة نظرية العدالة، وإضفاء مزيد من التماسك والانسجام عليها، وتصحيح بعض الأفكار من خلال إدراج متغير الحس الخلقي في معادلة سلوك الشخص الأناني العقلاني، كما سنبين ذلك تفصيلا في الجزء المخصص للسيكولوجية الأخلاقية لدى راولز.

3.    بناء الحقل العمومي

يعتبر بناء الحق العمومي ، في نظر راولز، الشرط الضروري الذي لا غنى عنه لبناء "المجتمع المنظم بشكل جيد"، تنفيذا لبنود اتفاقية التعاون الاجتماعي المنصف التي أسفرت عنها المداولات بين المتعاقدين في الوضعية الأصلية. ويتحقق شرط "العمومية" عبر ثلاث مراحل:

1.     يتحقق المستوى الأول من العمومية عندما تقتضي مصلحة جميع مكونات المجتمع قبول مبادئ العدالة التي وضعت من أجل تنظيم البنيات الأساسية للمجتمع، وعندما يعلم كل طرف بأن باقي الأطراف قد قبلوا تلك المبادئ وفقا لما يقتضيه مبدأ التماثلية. هذا فضلا عن ضرورة الاعتراف، على المستوى العمومي، بشرط الوعي المتبادل بقبول مبادئ العدالة، ومعنى ذلك أن يحصل الاعتراف العمومي بالمبدأ القائل إن قبول أي طرف لمبادئ العدالة يشترط أن يقبلها الأطراف الآخرون. ويتحقق المستوى الأول من العمومية، بالإضافة إلى ما سبق، عندما يتوفر لدى المواطنين ما يبر اعترافهم بعدالة المؤسسات الناشئة عن البنية الأساسية للمجتمع. وأما ما يبرر هذا الاعتراف فهي المعتقدات المشتركة التي أثبتت مناهج البحث وطرق الاستدلال المستعملة في معالجة القضايا المتعلقة بالعدالة السياسية وجودها في المجتمع وجودا فعليا. وهذا يقودنا فورا إلى الحديث عن مقومات المستوى الثاني من العمومية.

2.      وفيما يتعلق بالمستوى الثاني تأتي المعتقدات العامة التي تجعل المواطنين على استعداد لقبول مبادئ العدالة في مقدمة الشروط الضرورية لبناء الحقل العمومي. وتشمل هذه المعتقدات، إلى جانب تصورات الناس للطبيعة الإنسانية، المعتقدات المتعلقة بكيفية اشتغال المؤسسات الاجتماعية والسياسية وغيرها من المعتقدات التي لها علاقة بالعدالة السياسية. تمثل هذه المعتقدات والتصورات المرجعية المشتركة الضرورية لبناء مجتمع متماسك ومنظم تنظيما محكما.

3.     وأما المستوى الثالث من الحقل العمومي فيشمل المسوغات التي يحتاج إليها المجتمع من أجل تبرير التصور العمومي للعدالة. ويشترط لتحقيق المرحلة الثالثة من بناء الحقل العمومي أن تكون هذه المسوغات منتشرة على نطاق واسع بحيث يكون بوسع الجميع الاطلاع عليها والإلمام بها، وأن يستخدموها بكيفية فعالة للدفاع عن حقوقهم المشروعة في ضوء التصور السياسي للعدالة كإنصاف. يتوقف بناء الحقل العمومي، إذن، على مدى شيوع آليات التسويغ التي تدعم فكرة العدالة كإنصاف وانتشارها حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من الثقافة العمومية، تحظى بحضور قوي في الممارسات السياسية والتشريعية وفي التقاليد الثقافية والفكرية المتعلقة بكيفية تفسير فكرة العدالة كإنصاف وتأويلها.

وخلاصة القول، إن المجتمع بوصفه نظام تعاون منصف لا يستقيم بناؤه بأي حال من الأحوال مع غياب شرط العمومية. إن بناء مجتمع كهذا لا يحصل بشكل عفوي انطلاقا من الأوهام الموروثة والمعتقدات الزائفة، بل يتحقق كتجسيد للوعي المشترك بمبادئه وآلياته. يتشكل هذا الوعي من خلال المناظرات المفتوحة التي تتناول مبررات وجود المؤسسات الاجتماعية والتي تجري وقائعها في الساحة العمومية على مرأى ومسمع من الجميع، يدلي كل طرف من أطراف الحوار برأيه في القضايا الأساسية، ويكشف عما يبرر مواقفه إزاءها وما يجعله يعتقد بجدوى تصوراته وسلوكياته. وتكمن أهمية النقاش العمومي الصريح حول أسس النظام الاجتماعي والسياسي في كونه يعزز مشاعر الثقة والتفاهم بين المواطنين وخاصة فيما يتعلق بقضايا الشأن العام.

والحقيقة أن الناس لا يميلون بشكل تلقائي إلى التصريح بما يعتمل في نفوسهم من مشاعر ومعتقدات وآراء ومواقف مما له علاقة بالنظام السياسي؛ فإن هم راودتهم شكوك حول طبيعة نظامهم السياسي، وأحسوا بأن المناخ العمومي غير سليم أو موبوء، مالوا بطبيعة الحال إلى استخدام الإستراتيجيات الدفاعية التي تقوم على التقية والتستر من أجل الحفاظ على البقاء. وتتبدد مشاعر الخوف والحذر عندما تشتغل المؤسسات وفقا لمبادئ العدالة؛ حينئذ فقط يمكن أن تنكشف وقائع الحياة السياسية وآليات اشتغالها بحيث لا يعود فيها أي شيء مما يحتاج المواطنون إلى التستر عليه أو تحقيقه عبر الآليات الماكرة للأيديولوجية الزائفة وأساليب التحايل والخداع. ويذهب راولز في تعليقه على هذه الظواهر إلى حد القول: إنه حتى في حال وجود بعض المبادئ التي يستلزم تطبيقها التستر عليها أو على الوقائع التي انبثقت منها والتي تبرر اللجوء إليها، فإن مبدأ العدالة السياسية يقتضي تركها واستبعادها؛ لأن العمل بمثل هذه المبادئ سيؤدي حتما إلى انتشار الوعي المزيف، من جهة، وإلى الحيلولة دون تنامي الحس الخلقي والإحساس بالعدالة، من جهة أخرى؛ ومعنى ذلك أيضا أنه لا مكان في "المجتمع المنظم بشكل جيد" للمبادئ المضمرة عن قصد، كما أنه لا مكان في بنيته الأساسية لما من شأنه أن يساعد على تنامي الوعي المزيف وانتشاره. ومن هنا تأتي أهمية إرساء دعائم الحقل العمومي كخطوة حاسمة في اتجاه بناء النظام الاجتماعي والسياسي على أساس من الوضوح والشفافية.

عندما يتحقق الإجماع حول أسس النظام الاجتماعي والسياسي، ويتم تشييد الحقل العمومي على أساس من الشفافية والوضوح يتنامى الوعي السياسي لدى المواطنين أكثر فأكثر تحت تأثير البنيات الأساسية للمجتمع التي تم إرساؤها، ويكونون على وعي بتأثيرها في مزاجهم العام وفي تصوراتهم وأهدافهم ونظرتهم إلى أنفسهم بوصفهم مواطنين أحرارا متساوين. ويكون من نتائج ذلك تنامي الإحساس بالعدالة، والإيمان بإمكانية تحقيق مزيد من الحرية بوصفهم أشخاصا يتمتعون بالاستقلال التام على المستوى السياسي.

وبعد أن استعرضنا الشروط التي يتطلبها بناء الحقل العمومي حسب نظرية راولز، سنحاول الآن بيان المنطق الذي يتحكم في عملية بناء هذا الحقل والإجراءات التي انبثق عنها التصور السياسي للعدالة. يرتبط هذا المنطق بالمقاربة البنائية التي تنطلق من فرضية الوضعية الأصلية من أجل تحديد مبادئ العدالة التي يمثل الإجماع حولها الخطوة الأولى في اتجاه بناء الحقل العمومي. تنطلق عملية البناء، إذن، من تحديد مبادئ العدالة التي يراد منها إرساء البنية الأساسية للمجتمع؛ ومن هنا يطرح السؤال: ما هي منهجية بناء الحقل العمومي؟ يتطلب الجواب على هذا السؤال التعريف بطرق التفكير والاستدلال التي تفرض نفسها على المتعاقدين الذين عهد إليهم بتمثيل مصالح المواطنين، في إطار الوضعية الأصلية، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية.

سبقت الإشارة إلى أن ما يميز الوضعية الأصلية هو أن القرارات تتخذ فيها خلف ستار من الجهل. ولما كان التفكير في هذه الوضعية خاضعا للإكراهات التي يفرضها ستار الجهل، لزم أن يتحلى كل شخص فيها بفضيلة التواضع عندما ينطلق في التفكير والاستدلال. والمقصود بالتواضع هنا الاعتراف بصعوبة إصدار الأحكام، وتعليق الشرط الإبستمولوجي، والإمساك، بالتالي، عن السعي إلى الحقائق ذات الصلاحية الكونية بالمعنى الإبستملوجي للعبارة. وهكذا، فإن طريقة التفكير التي يسمح يها ستار الجهل هي طريقة متميزة؛ وأما ما يميزها فهو الانطلاق من المعتقدات المشتركة بين أفراد المجتمع ومن المصادرات الضمنية أو الصريحة التي تقوم عليها الثقافة العمومية دونما حاجة لإخضاعها لأي معيار إبستملوجي من معايير الحقيقة؛ وهذا هو ما يسمى بتعليق الشرط الإبستملوجي في نظرية راولز. 

إن ما يبرر الأخذ بأسلوب التفكير المتحرر من الضوابط الإبستملوجية الشكلية في إطار الوضعية الأصلية، في نظر راولز، هو أنه أسلوب لا يستند في أحكامه على معيار مستقل سابق على الإجراءات العملية التي تفضي إلى تلك الأحكام؛ ذلك لأن اللجوء إلى المعايير المسبقة أو المعطاة سلفا يتنافى مع مبادئ الاستقلال وحرية الإرادة والاختيار. وهكذا، فإن ما يحدد طبيعة العدالة في إطار هذه النظرية هي نتيجة الإجراءات العملية المتبعة مهما كان نوعها. يطلق راولز على هذا النوع من العدالة اسم "العدالة الإجرائية الخالصة" التي يضعها في مقابل "العدالة الإجرائية الصحيحة" التي تنطلق في بلورة أحكامها من مبادئ ومعايير معطاة سلفا.

ولما تقرر أن تكون العدالة الإجرائية هي الشكل المناسب لتنظيم العلاقات في الوضعية الأصلية، لزم أن يكون الشركاء المتعاقدون فيها أشخاصا يتمتعون بالاستقلال العقلي الذي يمكنهم من اتخاذ القرارات بحرية، بعيدا عن الإكراهات الخارجية والقوانين الإلهية. وأما ما يضمن عدالة القرارات المتخذة في سياق الوضعية الأصلية أمران: أولهما بنية المواقع الموزعة وفقا لمبدأ التماثلية؛ وثانيهما ستار الجهل الذي يمكن من تجاوز نزعة التمركز حول الذات، وضمان شرط الموضوعية في اتخاذ القرار، ويبطل بذلك أسباب التعصب والحسابات الضيقة وما ينشأ عنها من حساسيات. في ظل هذه الشروط فقط يمكن للمتعاقدين في الوضعية الأصلية وللمواطنين في الحقل العمومي بوصفهم جميعا أشخاصا يتمتعون بالاستقلال العقلي التوصل إلى اتفاقيات تعاون اجتماعي منصف في ضوء ما يعتبره كل واحد منهم شرطا ضروريا لتحقيق تصوره للخير ومصلحته الأكثر سموا.

تمثل اتفاقية التعاون الاجتماعي المنصف التي يُفترض أن يتم التوصل إليها في الوضعية الأصلية وفي المجتمع الليبرالي الديمقراطي جزءا من إستراتيجية شمولية ترمي إلى إعادة بناء النظام الاجتماعي على أسس تمكن من تحقيق المصالح الأكثر سموا للمواطنين باعتبارهم أشخاصا يتمتعون بالاستقلال العقلي. ترتكز هذه الفكرة على مصادرة أساسية مفادها أن مبدأ الاستقلال العقلي هو الذي يحدد غايات المجتمع وطبيعة المصالح الأكثر سموا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن غايات النظام الاجتماعي في فلسفة راولز مشتقة من تصوره للشخص. وكذلك يمثل مفهوم الشخص المستقل من الناحية العقلية الأساس النظري الذي اشتقت منه مقولة المصالح الأكثر سموا. والمقصود بالمصالح الأكثر سموا تلك المصالح التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تنظيم المجتمع بطريقة تمكن من تفعيل وتنمية الملكتين الأخلاقيتين اللتين تؤهلان المواطنين لأن يصبحوا أحرارا متساوين، قادرين على التعاون فيما بينهم على مدى الحياة، وهاتان الملكتان هما: الإحساس بالعدالة، من جهة، والقدرة على تشكيل تصور للخير وتحقيقه، من جهة أخرى.

تكتسي هذه الفكرة أهمية بالغة في فلسفة راولز، فهي تكشف، عن منظومته القيمية التي يحتل فيها التعاون، الذي يندرج ضمن المصالح الأكثر سموا، مكانة الصدارة مقارنة مع المصالح الفيزيولوجية والمادية؛ هذا من جهة، وتكشف من جهة أخرى، عن تصوره للعلاقة بين الفرد والنظام الاجتماعي: إنها علاقة تفاعل متبادل بين المكونات الذاتية للشخص والهيكل البيذاتي للنظام الاجتماعي. ومن مظاهر هذه العلاقة أنه عندما ينظر المواطنون إلى أنفسهم على أنهم أحرار متساوون يدركون أنه من مصلحتهم أن يتم تنظيم المجتمع الذي يعيشون فيه على النحو الذي يمكن من تنمية القدرات الأخلاقية لكل فرد والارتقاء به إلى مستوى الشخص المؤهل للتعاون مع الأشخاص الآخرين على مدى الحياة. هنا وعلى وجه التحديد تكمن المصلحة العليا للمواطنين بوصفهم أشخاصا يتمتعون بالاستقلال العقلي.

وليس الاستقلال العقلي في نظر راولز سوى مظهر من مظاهر الحرية الفردية، وهذا ما يجعله مختلفا عن "الاستقلال التام" بالمعنى السياسي للعبارة. ولابد من التذكير في هذا السياق بأن مفهوم "الاستقلال العقلي" في فلسفة راولز لا يحيل على كائنات واقعية أو تاريخية، وإنما هو جزء من إجراءات العقل النظري أو عنصر من عناصر التجربة النظرية التي ترمي إلى إعادة بناء المجتمع وتنظيمه على أسس معقولة. ومن ثمة، فإن مفهوم الشخص المستقل إنما يشير في دلالته الأصلية عند راولز إلى كائنات مفترضة تم خلقها من أجل تفعيل الوضعية الأصلية. ومما يدل على ذلك قوله، في معرض حديثه عن الاستقلال العقلي، إنه "اصطناعي وليس سياسيا"، لارتباطه بوضعية مفترضة يكون فيها المتعاقدون غير خاضعين لأية سلطة خارجية، وعلى مسافة من المذاهب الدينية والفلسفية والأخلاقية الموجودة في محيطهم الثقافي.

ذلك أنه لو ظل كل طرف من أطراف المعاهدة متشبثا بمذهبه العقائدي أو الفكري خلال المداولات وعمليات اتخاذ القرار بشأن مبادئ العدالة التي ستنظم البنية الأساسية للمجتمع؛ ولو أن كل واحد منهم أراد أن يختار من مبادئ العادلة ما ينسجم فقط مع معايير مذهبه لما اتفقوا على شيء ذي بال، ولظلت غايتهم محصورة ضمن حدودها الدنيا المتمثلة في ضمان تلبية الحاجات الفيزيولوجية للمواطنين. وفي مثل هذه الظروف، تظل الحتمية البيولوجية هي سيدة الموقف عبر تعاقب الأجيال. ولتجاوز هذه الحتمية جعل راولز من ستار الجهل القاعدة التي تنظم المداولات بين المتعاقدين في الوضعية الأصلية، وتجعل من هؤلاء شركاء بدل أن يكونوا فرقاء. تكمن وظيفة هذه القاعدة، إذن، في الارتقاء بالشركاء إلى مستوى الأشخاص الذين يتمتعون بالاستقلال العقلي، وتجعلهم بذلك قادرين على اتخاذ القرارات بعيدا عن أية ضغوط خارجية؛ وعندما يتحررون من كافة الإكراهات الخارجية يظل هناك إكراه واحد لا مناص لهم من الامتثال له، وهو الإكراه الذي تفرضه قاعدة ستار الجهل. إن الالتزام بهذه القاعدة هو الذي يجعل المتعاقدين قادرين على تمثل المصالح الأكثر سموا للمواطنين، وعلى اختيار مبادئ العدالة الكفيلة بتحقيقها.

وخلاصة القول: إنه من مصلحة الجميع أن يتنامى الإحساس بالعدالة في المجتمع. وليس هناك من سبيل لتحقيق هذه المصلحة الجوهرية سوى إعادة تنظيم المجتمع وحقله العمومي على أسس عقلانية ومعقولة وبكيفية خلاقة: والمقصود بذلك تنظيم البنيات الأساسية للمجتمع بحيث تخلق ديناميتها المستمرة مناخا يساعد على تنمية روح المواطنة التي تتجلى من خلال القدرة على التعاقد والالتزام بالعقود المبرمة، والقدرة على فهم وتطبيق مبادئ العدالة التي حصل عليها الإجماع. ولكن، كيف يمكن تحقيق المصالح الأكثر سموا؟ هل يتأتى ذلك بمعزل عن تحقيق المصالح المادية والفيزيولوجية ؟

تجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن راولز لا يفصل بين ما يسميه "الخيرات الأولية" والمصالح الأكثر سموا؛ فهو يرى أن توفير الخيرات الأولية خطوة ضرورية في اتجاه تحقيق المصالح الأكثر سموا؛ بل إنه جعل من توفر الخيرات الأولية المعيار الأساسي لاختيار مبادئ العدالة في إطار الوضعية الأصلية. ومعنى ذلك أن المبادئ الصالحة لتنظيم المجتمع بشكل جيد هي تلك التي تضمن إمكانية توفير الخيرات الأولية كمرحلة ضرورية لتحقيق الغايات القصوى للنظام الاجتماعي. وتشمل الخيرات الأولية: الحقوق الاقتصادية والسياسية والحريات الأساسية والشروط الاجتماعية للاعتبار الذاتي. وتعتبر هذه الخيرات من جملة الوسائل الضرورية لتحقيق المصالح الأكثر سموا؛ فعلى ضوئها ينتقي المتعاقدون في الوضعية الأصلية تلك المبادئ التنظيمية التي تمكن من تفعيل الملكات الأخلاقية والارتقاء بها إلى أعلى المراتب في سلم النمو. وهذا يقودنا للحديث، بطبيعة الحال، عن السيكولوجية الأخلاقية التي رسم راولز معالمها الكبرى في مؤلفه المشهور "نظرية العدالة".

 



([1])John Rawls (1971). A theory of justice. Oxford University Press.

([2]) John Rawls (1958). Justice as fairness.  Philosophical Review Vol. LXVII. 1958

([3])  John Rawls (1993). Libéralisme politique. Traduit de l’américain par Catherine Audard. Paris : PUF. p. 138

([4])  John Rawls (1993). LP. p. 132.

([5] ) John Rawls (1993). LP. p. 128.

([6])John Rawls (1993). LP. p. 8

([7]) John Rawls (1993). Libéralisme politique. p. 127.

([8])  John Rawls (1971), A Theory of Justice. p. 119

([9]) John Rawls (1971), A Theory of Justice.. p. 61.

([10]) John Rawls (1971), A Theory of Justice. p. 12.

([11]) John Rawls (2003). La justice comme équité : Une reformulation de la théorie de la justice. Traduit de                 l’anglais par Bertrand Guillaume. Paris : Editions de la Découverte, p. 23

 

(*) كلمة الماكسمين maximin كلمة مركبة تجمع بين كلمة maximum الحد الأقصى،  وكلمة minimum الحد الأدنى؛ وأما صيغتها التحليلية فهي.maximum minimirom .

([12]) John Rawls (2003). La justice comme équité : Une reformulation de la théorie de la justice. Traduit de  

      l’anglais par Bertrand Guillaum. Paris : Editions de la Découverte, p. 11

([13]) John Rawls (2003). La justice comme équité. p. 265.

([14]) John Rawls (2003). Ibid

([15]) W. M. Sibley. The Rational Versus the Reasonable. The Philosophical Review, Vol. 62, No. 4 (Oct., 1953),  

      pp. 554-560

([16]) John Rawls (1993). Libéralisme politique. p. 76,  note n° 1.

 ([17]) إمانويل كانت (2002). تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة د. عبد الغفار مكاوي. كولونيا – ألمانيا.، ص. 81.

([18]) إمانويل كانت، نفس المرجع السابق ونفس الصفحة.

([19]) نفس المرجع السابق، ص. 140.

([20])نفس المرجع السابق، ص. 82.

([21]) نفس المرجع السابق، ص. 120.

([22]) نفس المرجع السابق، ص. 142..

([23]) John Rawls (1996). Libéralisme politique p. 78

([24]) Ibid. p. 79

([25]) Ibid. p. 79

([26]) John Rawls (2001). La justice comme équité. p. 25. 

([27])John Rawls (1996). Libéralisme politique. أنظر بهذا الخصوص ص. 83 وما يليها

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Catégories

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Mai 2012
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31      
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés